قراءة في مبادرة الجبهة الشعبية: ماذا تريد الجبهة فعليا واي فلسطين.
نريد ان نبني !!!؟
بادئ ذي بدء اقول: سبة الدهر ان يحاكم فكر في هواه وان يغل لسان.
لم اكن اعرف ان هناك مبادرة من الجبهة الشعبية الا حين قرات ما كتبه بسام عليان في الهدف.يوم الاربعاء الثاني من سبتمبر.يرى الكاتب ان جوهر مبادرة الجبهة الشعبية ليس تأجيل الانتخابات،بل منع تحويل الانتخابات الى الية لاعادة انتاج الانقسام الفلسطيني في صورة جديدة،وهذه نقطة بالغة الاهمية.فالانتخابات في الوضع الطبيعي،هي اداة لتجديد الشرعية.اما في الوضع الفلسطيني الراهن حيث لدينا انقسام،وتدخلات عربية واقليمية ودولية في صياغة شكل النظام الفلسطيني فان اجراء الانتخابات قبل الاتفاق على من هو الشعب السياسي الذي تمثله المؤسسات،وما هو البرنامج الوطني الذي ستعمل على اساسه،ومن هي المرجعية الجامعة قد لا ينهي الانقسام؛بل يمنحه شرعية انتخابية. قبل ان ادخل في نقد المبادرة التي عبر في معظمها عن هيامه واعجابه بعبقرية الجبهة الشعبية ونائب امينها العام جميل مزهر .اود ان اذكر القارئ باختصار مسلسل تراجعاتها وتخليها عن سياسات ومواقف مبدئية واستراتيجية الحقت بها الضرر ومست جوهر مصداقيتها.
رفضت الجبهة الشعبية الاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية واعتبرتها الجبهة تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني، وعارضت الجبهة الشعبية التوجهات الرسمية العربية للتفاوض مع اسرائيل بعد حرب اكتوبر واختلفت مع قيادة منظمة التحرير التي فضلت التعامل مع الوضع المستجد . فرفضت الجبهة المبادرة السياسية التي قدمتها الجبهة الديموقراطية وحركة فتح القائمة على (( حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ورفض عودة الحكم الاردني إلى الضفة الغربية )) معتبرة مشاركة الفلسطينيين في مفاوضات على ارضية قرار مجلس الامن 242 تنازل عن فلسطين التاريخية .
وافقت الجبهة بعد جدل طويل المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في الجزائر 1974 على مفترح ((قيام سلطة وطنية على كل جزء يتم تحريره .. مع مواصلة النضال انطلاقا منه )) ، الا انها انسحبت بعد شهرين من لجنة منظمة التحرير الفلسطينية ومجلسها المركزي بسبب ما رأته انحرافا من جانب قيادة منظمة التحرير نحو المشاركة في الحل التفاوضي.وحذر امينها العام جورج حبش ان وتخوفا من تحول الحل (( المؤقت» إلى حل دائم، و شکلت (( جبهة الرفض )) من منظمات فلسطينية رافضة للحل التفاوضي. وفى عام 1979 عادت الجبهة الى لجنة منظمة التحرير التنفيذية. بادرت الجبهة إلى تأسيس. تحالفات سياسية ضد خط التفاوض الذي كانت تمثله قيادة منظمة التحرير.
هاجمت توجهات قيادة منظمة التحرير نحو حل تفاوضي بعد خروجها من بيروت 1982 وشاركت الجبهة في تحالف فصائل الرفض في دمشق عام 1986 رؤساء بلديات فلسطينيين ابرزهم رئيس بلدية نابلس ظافر المصري، بداعي اشتراكهم في مشاريع الحكم الذاتي التي اعتبرتها الجبهة تصفوية وتهدف إلى ايجاد قيادة فلسطينية بديلة لمنظمة التحرير.
في التسعينيات شاركت الجبهة مجموعة الفصائل العشرة التي اعلنت من دمشق رفضها لعملية المفاوضات التي شاركت فيها المنظمة. كما عارضت وبشدة الاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل المتمثلة باتفاقية أوسلو وما تمخض عنها. يطرح الكاتب في البند الأول ويقول الجبهة تقلب ترتيب الاولويات،المعادلة السائدة تقول: انتخابات--سلطة جديدة--معالجة الانقسام،الجبهة تطرح شيئا مختلفا:توافق وطني وانتقالي--اعادة بناء منظمة التحرير والنظام السياسي--انتخابات،وهذا ليس تفصيلا اجرائيا،انه خلاف على من اين يبدأ الاصلاح الوطني.فالجبهة تقول عمليا:لا يمكن ان نطلب من الانتخابات ان تحل ازمة النظام السياسي.بينما النظام السياسي نفسه لم يتفق بعد على قواعد اللعبة.وقد عبر نائب الامين العام للجبهة الشعبية جميل مزهر عن ذلك بوضوح عندما وضع المبادرة وخارطة الطريق الوطنية في مرتبة اعلى من قرار المشاركة الانتخابية،وقال الانتخابات ليست غاية في ذاتها ولا مدخلا للعودة الى الاتفاقيات السياسية القائمة.وفي البند الثاني قال الكاتب ان اهم ما؛ في المبادرة انها تعيد منظمة التحرير الفلسطينية الى مركز القضية وان المبادرة تقول دعونا نعيد تعريف المرجعية الوطنية الفلسطينية نفسها.اعادة بناء منظمة التحرير على اساس الشراكة وادخال حماس والجهاد الاسلامي والقوى والشخصيات الاخرى،نعني عمليا الانتقال من منظمة تحرير تشكلت في مرحلة تاريخية مختلفة الى منظمة تحرير تمثل الواقع السياسي الفلسطيني الحالي بكل تناقضاته.وهذا ربما يكون اكثر بند ثوري في المبادرة،رغم انه يبدو مؤسساتيا، ويطرح لماذا المرحلة الانتقالية مهمة ؟ ولا ينبغي اعتبارها هروبا من الانتخابات. بل يجب ان نسأل : انتقال إلى ماذا ؟ اذا كانت المرحلة المرحلة الانتقالية مجرد تمديد للواقع القائم فهذه كارثة، اما اذا كانت مرحلة محددة المدة ذات مهام محددة ، ومرجعية توافقية، وتنتهي حتما بإنتخابات، فهي قد تكون من أكثر الصيغ العقلانية للخروج من المأزق. وقد تحدث جميل مزهر في مرحلة انتقالية تخلق مناخا ايجابيا، وحوارا وطنيا شاملا، ووثيفة وطنية تعيد الثقة للمواطن والاعتبار للمشروع الوطني، وهنا اضع شرطا اساسيا جدا لنجاح المبادرة : يجب ان لا تكون المرحلة الانتقالية (( زمنا مفتوحا )) ،ينبغي ان يكون لها سقف زمني واضح ومهام محددة وهيئة انتقالية توافقية، وضمانات تمنع أي فصيل من
احتكارها،وجدول لاعادة بناء منظمة التحرير، وتوحيد المؤسسات الفلسطينية تدريجيا، واقرار البرنامج الوطني المشترك تم انتخابات رئاسية وتشريعية وانتخابات اعادة تشكيل المجلس الوطني. وفق صيغة متفق عليها ، بدون ذلك يمكن ان تتحول (( المرحلة الانتقالية )) الى كلمة جميلة لتاجيل الاستحقاق الديموقراطي.وفي البند الرابع يقول الكاتب وهنا تظهير عبقرية المبادرة في علاقتها بازمة فتح.قد يبدو غريبا ان تطلب الجبهة الشعبية،وهي قوة يسارية تاريخيا في مواجهة فتح،منح الوقت لترتيب اوضاع فتح وتوحيدها، فهذه النقطة بالذات في رأيي،من اكثر النقاط وطنية، في المبادرة ، لان الجبهة الشعبية لا تتعامل مع فتح باعتبارها مجرد حزب منافس، انها تدرك ان تفكك فتح يعني تفكك جزء اساسي من النظام السياسي الفلسطيني.
يقول الكاتب ليس مطلوبا من الجبهة الشعبية ان تتفق مع حماس ايديولوجيا ، المطلوب ان نتفق معها وطنيا ومؤسساتيا، وهذا فرق جوهري، منظمة التحرير، إذا أعيد بناؤها حقا يجب الا تكون نادیا ايديولوجيا،هي يجب ان تكون المظلة الوطنية لكل الفلسطينيين.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس : هل تتفق الجبهة الشعبية مع حماس ؟ بل هل تستطيع الجبهة الشعبية وحماس وفتح والجهاد والديموقراطية والمبادرة الوطنية والشخصيات المستقلة الاتفاق على برنامج وطني جامع ، وقواعد سياسية وديموقراطية تحكم الخلاف بينهم ؟ اذا كان الجواب نعم، فهنا تبدأ السياسة الوطنية الحقيقية.
مقدمة ضرورية قبل الرد على المبادرة التي قدمتها الجبهة الشعبية .دعنا نعود الى العاشر من ديسمبر ١٩٦٧. اصدرت حركة فتح بيانا قالت فيه: (( ان منظمة التحرير الفلسطينية لا تملك الشخصية المستقلة، لانها وليدة الواقع العربي، وان التسلط الفردي من قبل رئيس المنظمة جعل الصراع داخلها اقوى من تحقيق اي انجاز عملي يخدم النضال الفلسطيني وان انعدام المخطط السياسي والعسكري والاعلامي لدى اجهزة المنظمة جعلها تفقد قدرتها على العمل الفلسطيني وتفشل في تحقيق الوحدة الوطنية وتتحول إلى جهاز مكتبي وظائفي مشلول)). .
وبعد اربعة ايام من بيان فتح رفع سبعة اعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مذكرة إلى الشقيري طالبوه بالتنحي عن رئاسة المنظمة بسبب الاساليب التي يمارسها في عمل المنظمة (( نعتقد مخلصين بان تنحيتكم عن رئاسة اللجنة التنفيذية يعتبر خدمة وطنية ويهيء جوا صالحا للعمل)). استجاب الشقيري للنداءات باستقالته التي قدمها إلى الشعب الفلسطيني في ٢٤ ديسمبر ١٩٦٧ وقبلتها اللجنة التنفيذية. گان اول بیان صدر عن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات جاء فيه: (( تسعى الحركة الصهيونية والاستعمار وأداتها إسرائيل إلى تثبيت العدوان الصهيوني على فلسطين - باقامة كيان فلسطيني في الاراضي المحتلة بعد عدوان 5 حزيران / يونيو.كيان يقوم على اعطاء الشرعية والديمومة لدولة اسرائيل، الأمر الذي يتناقض كليا مع حق الشعب الفلسطيني في كامل وطنه فلسطين- . ان مثل هذا الكيان المزيف هو في الحقيقة حالة مستعمرة اسرائيلية، يصفي القضية الفلسطينية تصفية نهائية لمصلحة اسرائيل، وهو في نفس الوقت مرحلة مؤقتة تتمكن فيها الصهيونية من تفريغ الأراضي الفلسطينية المحتلة من السكان العرب تمهيدا لدمجها دمجا كاملا في الكيان الاسرائيلي . هذا بالاضافة إلى خلق إدارة عربية فلسطينية في الارض المحتلة تستند اليها اسرائيل في التصدي للثورة الفلسطينية » بدا هذا البيان وكانه يتنبأ بالمستقبل ( القبول بعد نحو ٢٥ عاما بالحكم الذاتي المحدود في اوسلو ) .
لم يكن اعضاء اللجنة التنفيذية الذين طالبوا الشقيري بالتنحي يساريين ولا مأدلجين بل كانوا وطنييناما قادة فتح محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر الذين كانوا مغرقين في يمينيتهم،كانوا وطنيين حتى النخاع،ورافضين للتنازل عن ذرة تراب من فلسطين.اما انتم يادعاة القومية واليسارية والرفض فقد كنتم شركاء في عملية هدم بناء منظمة التحرير وجسدتم الانتهارية. فتارة مع جبهة الرفض وتارة اخرى مع جبهة الانقاذ وفي معظم الاحيان مع نهج التسوية في منظمة التحرير.
لستم وحدكم بل كل الفصائل والقوى التي أسميها ( الكومبارس )،كنتم تصعدون على خشبة المسرح التي يعدها عرفات وكنتم تلعبون داخل الملعب الذي يختاره هو،واللعبة التي يحددها هو ،وكنتم اللاعبين الذين رافقوه وعمليا وافقوه في مشروعه التفاوضي، والغاء الميثاق الفلسطيني وانتهاء باتفاق أوسلو ومخرجاته. وهرعتم الى الضفة والقطاع بذرائع واهية. وحين لم يعد هناك نظام وطني ومنظومة سياسية ونظام سياسي . وحين تهدم بنيان منظمة التحرير بالكامل لم تتحركوا الا عندما اطلق الرئيس محمود عباس صافرته معلنا انطلاق اللعبة الجديدة التي حدد ملعبها والشروط الواجب اتباعها لمشاركة اللاعبين. ففاضت قريحتكم، و تفتقت عبقريتكم، وسحبتم كل اداواتكم البالية، وشمرتم عن سواعدكم،واعلنتم على الملأ بانكم المؤهلين لاعادة بناء البيت الفلسطيني وبناء منظمة التحرير والنظام السياسي الفلسطيني. لا يا دعاة الاصلاح والاعمار والبناء.لقد فاتكم ما قررته لجنة المناقصات المركزية للشعب الفلسطيني بانكم مقاولون فاشلون وغير مدعويين من الشعب الفلسطيني الذي اختبركم اكثر من نصف قرن ،وكنتم معاول هدم. حتى انه لم يعد هناك ارض صالحة للبناء عليها فقد تمت مصادرتها من الكيان وعصابات جوش ايمونيم.ولم يبق لكم الا الكثبان الرملية لتقيموا عليها صرحكم الذي تحلمون. وما بعد ذلك ستطالبون ببناء قصور في الهواء.ولكن هامان ليس حاضرا ومصيركم الصحراء .وفيها يضيع الصدى والعواء.
مهندس /زياد ابو الرجا