«الحصار والعقوبات والحروب الناعمة، تتقهقر على صخرة الصمود الإيرانية.»
منذ انبثاق ثورتها على نظام الخنوع عام 1979, لم تهدأ موجات التكالب التي تستهدف الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولم يكن الاستهداف وليد لحظة، بل حصيلة قطيعة مع منظومة اعتادت الإنبطاح.
العنوان يختصر المشهد: خارت الرياح وثبتت الرماح. والرياح هنا ثلاثية: حصار اقتصادي حاقد، وعقوبات مالية متواترة، وحروب معنوية تدار بأقلام وغرف عمليات. أما الرماح فهي إرادة جمعية قررت الصمود، وعقل منتج حول الندرة إلى اختراع. الطرف المستهدف لم يبادر بالإعتداء. ظل رده دفاعيا، ومقيدا بأعراف دولية تقر لكل دولة سيادة على ممراتها المائية. ومن هنا كان الحديث عن مضيق هرمز حقا قانونيا أصيلا، لا منة فيه.
سبب الضغوط والمضايقات واضح منذ البداية:
الخروج من الوصاية. حين تصنع الأمة دواءها وغذاءها وتقنيتها بيدها، وترفض أن تكون تابعا، تتحول إلى سابقة مقلقة. هذه السابقة تقول لغيرها: ممكن. و«ممكن» وهذا ما يزعج أصحاب مخططات السطو والأطماع الاستعمارية.
أكتب هنا كما عودت جمهوري الكريم ليس تزلفا ولا شعارات، بل لأن ميزان الحق يميل حيث تصمد الشعوب الحرة رغم الفاتورة الباهضة. أكتبه لأن بلاد الأدمغة والعلماء أسهمت في مسيرة البشرية: في المنطق والطب والفلسفة والأدب والرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء والموسيقى والمسرح وفي جميع مجالات العلوم المتطورة. هذا إرث لا تمحوه العقوبات ولا القرارات. وهناك إشارة للعقل الاستراتيجي في عاصمة بلاد فارس: الخطر لا يأتي دائما في المواجهة المباشرة. يأتي من الثغرات الداخلية، من إشغال الداخل عن الخارج، من محاولة تفكيك التماسك الاجتماعي. القوة تحتاج إلى يقظة، والمنعة تحتاج إلى عقل بارد. وفي المقابل تحية لشعب متماسك متلاحم حول الضيق إلى بدائل، وحول الحظر إلى صناعات محلية. هذا الجمهور يستحق أن يقرأ بإنصاف المحلل لا بعاطفة الخطيب.
الخلاصة أن مشروع الكسر بدأ يتفتت. لأن الأدوات كانت جامدة، ولأن الهدف كان متحركا.
أولا: إخفاق أدوات التكالب. جربت تل أبيب وواشنطن عاصمتا ذئبي السياسة العالمية وجهتي العملة السوداء للسطو والهيمنة كل شيء. كتجفيف الموارد، فظهرت شبكات تبادل بديلة. جربت العزل الإعلامي، فظهرت منصات تروي الرواية من الداخل. جربت إشعال الجبهات ومن عدة جهات، فكان الرد مدروسا محسوبا لا متهورا. النتيجة أن كلفة الاستهداف صارت أعلى من جدواه.
ثانيا: معادلة الردع:
لم تبدأ طهران أي مواجهة... لكنها بنت قدرة ردع هائلة جعلت أي مغامرة محسوبة الخسائر. هذا الردع ليس مباهاة، بل معادلة رياضية: أي اعتداء= ثمن باهض. وهنا تحديدا خارت الرياح.
ثالثا: الدرس الحالي والقادم:
المعركة الحالية والقادمة لن تكون في البحر ولا في السماء فقط. ستكون في العقول. في محاولة ضرب الثقة بين الدولة ومجتمعها. لذلك اليقظة الفكرية والاجتماعية أهم من أي سلاح.
ما يقارب نصف قرن والنتيجة واحدة:
من راهن على الإنهاك خسر، ومن راهن على الاستسلام خسر. أرض فارس لم تنحني لأنها اختارت طريقا مكلفا لكنه نهجها. ولم تهاجم لأنها تؤمن أن الدفاع حق، وأن السيادة على أرضها ومياهها غير قابلة للمساومة. وفي الختام، كل التقدير والتوقير لشعب عظيم صبر وثابر وقدم الغالي والنفيس.
كاتب دمشقي حر في الغربة.
راجيا من السادة القراء الأفاضل الإبقاء على صورة واسم الكاتب عبد الحميد كناكري خوجة في حال المشاركة والاقتباس والإقتطاع فذلك شرف لي.