يُعدّ مصطلح «روهينغيا» اسمًا لجماعة إثنية مسلمة تتمركز في ولاية أراكان (راخين حاليًا)، والتي تقع غربي دولة ميانمار، وقد اختلف المؤرخون حول أصل هذه الكلمة. فبحسب المؤرخ خليل الرحمن، فإن مصطلح «روهينغيا» مشتق من كلمة «الرحمة» حيث إنه في القرن الثامن ميلاديًا تحطمت سفينة عربية بالقرب من جزيرة رامري، وقد أمر الملك بإعدام جميع ركابها الذين كانوا يصيحون «الرحمة، الرحمة»، ليُطلق عليهم اسم «راهام»، الذي تغير لاحقًا إلى «رهوهانج» ثم «روهنجيا». وهو ما نفاه الرئيس السابق لمؤتمر مسلمي بورما، جهير الدين أحمد، الذي أكد أن أصل هذه الكلمة يعود إلى الجذور الأصلية لشعب الروهينغيا، الذي يعود إلى قبيلة «روها» في أفغانستان .
وقد بدأت الاضطهادات ضد الروهينغيا منذ عقود مضت، وتفاقمت سنة 1962 إثر الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال ني وين، الذي شنّ عدة حملات عسكرية ضد المسلمين لمدة عقدين، لعل أبرزها عملية «الملك التنين» سنة 1978، التي دفعت مئات الآلاف إلى اللجوء إلى دولة بنغلاديش. وفي سنة 1982، أصدر المجلس العسكري قانون الجنسية، الذي لم يعترف بالروهينغيا كجزء من شعب دولة ميانمار، وهو ما أدى إلى حرمانهم من الجنسية. وفي سنة 2012، شهد شمال ولاية راخين أعمال شغب بين مسلمي الروهينغيا وأتباع الديانة البوذية، لتفرض الحكومة حظر تجول، مع أمر الجيش بالمشاركة في إدارة منطقة أراكان، التي تُعدّ موطنًا لمسلمي الروهينغيا، حيث تم تسجيل 650 حالة اغتيال و1200 مفقود، وتشرد أكثر من 80 ألف فرد من شعب الروهينغيا .
واليوم، مع استمرار أزمة مسلمي الروهينغيا ومرور تسع سنوات على موجة النزوح، حيث فرّ أكثر من 700 ألف فرد إلى بنغلاديش، وتصاعد أحداث العنف والانتهاكات ضد من بقي من الروهينغيا، نتساءل حول المصير الذي ينتظر شعب الروهينغيا
تطور أزمة الروهنغيا منذ موجة النزوح الكبرى
في شهر أوت من سنة 2017 شن جيش إنقاذ روهنغيا هجمات على مواقع أمنية و عسكرية تابعة لحكومة ميانمار كرد فعل على عقود مستمرة من التمييز و الاضطهاد ضد المسلمين , و رغم أن محدودية هذه الهجمات إلا أن رد القوات العسكرية لميانمار جاء واسعا حيث وثقت الأمم المتحدة حوادث قتل جماعية ارتكبها جيش ميانمار و التي أدت لمقتل ما يزيد عن 10 الاف مسلم روهنغي إضافة لتعرض عدة قرى للتدمير و الحرق حيث تم تدمير المنازل و المساجد و حتى الأراضي الزراعية و هو ما أدى لتشريد الالاف من المسلمين الروهنغيين , كما تم تسجيل عدة حالات اغتصاب ارتكبتها القوات المسلحة لدولة ميانمار ضد النساء و الفتيات المسلمات , و هو الأمر الذي دفع للجوء أكثر من 700 ألف مسلم روهنغي في فترة وجيزة لدولة بنغلاديش التي أبقت حدودها مفتوحة أمام هذا العدد من المستضعفين كما سعت بالتنسيق مع المنظمات الأممية لتوفير المخيمات و المواد الأساسية لهم علما و أن بنغلاديش ليست طرفا في الإتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين الصادرة سنة 1951 أو البروتوكول الصادر سنة 1967 و المتعلق بأوضاع اللاجئين .
هذا الموقف رغم كونه إنسانيا إلا أنه جعل بنغلاديش الملاذ الأول لجميع اللاجئين الروهنغيين بشكل يفوق قدرة استيعابها و هو الأمر الذي يجعل بنغلاديش اليوم في حاجة لدعم دولية مستمر و رغم أن الدعم الدولي بين 2017 و 2019 ساهم في خلق حلول و لو كانت جزئية عبر توفير الدعم و الخدمات الأساسية إلا أن تراجع الدعم منذ جائحة كورونا 2020 جعل عودة المسلمين الروهنغيين لولاية راخين يجعلون الأمر أشبه بتحد إنساني
أوضاع الروهنغيا في دولة ميانمار و تحديات العودة
في تقرير لها سنة 2026 , وصفت الأمم المتحدة أوضاع المسلمين الروهنغيين بالأسوء على الإطلاق خاصة مع إستمرار الإنتهاكات التي يتعرضون لها من طرف جيش ميانمار و جيش أراكان الذي يعد تنظيما عسكريا ينتمي للطائفة البوذية و ينشط في ولاية راخين و الذي يسعى إلى استعادة سيادة شعب أراكان التاريخي و تكريس الحكم الذاتي بالمنطقة و قد أشار التقرير كذلك إلى أن هذه الإنتهاكات أفرزت عدة قتلى و جرحى و أجبرت المئات على الرحيل نحو بنغلاديش و هو ما يعمق الأزمة الإنسانية لمسلمي روهنغيا بولاية راخين .
كما أكدت الأمم المتحدة على أنه و بعد مرور تسع سنوات على النزوح الجماعي الذي وقع في شهر أوت 2017 و رغم فوز الجنرال السابق لجيش بورما مين أونغ هلاينغ بمقعد الرئاسة في شهر أفريل من سنة 2026 بعد إنتخابه من طرف البرلمان فإن الانتهاكات ضد الروهنغيين لم تتوقف حيث تم فرض عدة قيود على المساعدات الإنسانية التي تصل للمسلمين الروهنغيين إضافة لاعتماد الجيش على القصف الجوي ضد المدنيين و إشعال النيران في منازل الأهالي و أراضيهم و قد أدت هذه السياسات إلى مقتل مالا يقل عن 8000 مدني منهم 1774 امرأة و 1077 طفل في الخمس سنوات الأخيرة إضافة إلى مواجهة أكثر من 12 مليون ساكن لشبح الجوع و معاناة 400 ألف ساكن من النساء و الأطفال لسوء التغذية الحاد , و هو ماساهم في استمرار عمليات النزوح نحو بنغلاديش .
كل هذه الظروف تجعل عودة أكثر من مليون لاجئ روهينغي ببنغلاديش أمرا غير مطروح في هذه الظروف فرغم نقص الدعم الدولي لهؤلاء اللاجئين إلا أن عودتهم لراخين ستكون بمثابة الإنتحار بالنسبة لهم في ظل عدم توفر الأمن و استمرار الانتهاكات وعدم توفر المواد الأساسية بولاية راخين
الجهود الرامية لإنهاء أزمة الروهينغيا
دائما ما تسعى الجهود الدولية إلى حل أزمة الروهينغيا و حتى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرض لها المسلمين الروهنغيين ، إذ تنظر اليوم محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار بدعم من 57 دولة من أعضاء منظمة التعاون الإسلامي و قد إتهمت غامبيا ميانمار في هذه القضية بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية و التطهير العرقي ، و رغم إدعاء ميانمار أن محكمة العدل الدولية غير مختصة في النظر في هذه الدعوى إلا أن محكمة العدل الدولية رفضت هذا الإدعاء سنة 2022 مؤكدة إختصاصها بالنظر في هذه الدعوى ،و توازيا مع ذلك تواصل المحكمة الجنائية الدولية تحقيقها في الوضع المتعلق بالمسلمين الروهنغيين ، سنة 2019،. ليعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 عن تقدمه بطلب لإصدار مذكرة إعتقال ضد رئيس ميانمار الجينرال مين أونغ هلاينغ بإعتباره مسؤولا عن إرتكاب جرائم ضد الإنسانية مثل الترحيل والاضطهاد .
و رغم ذلك ، فإن هذا المسار القضائي لا يعني أن الأزمة ستنتهي فورا إذ أن حماية المسلمين الروهنغيين وتحقيق عودتهم الآمنة والكريمة مرتبطة أيضا بالوضع الأمني والسياسي داخل ميانمار وباستمرار الدعم الدولي للاجئين في بنغلاديش