قراءة نقدية لقصيدة للشاعر العراقي حسن الساعدي
منوعات
قراءة نقدية لقصيدة للشاعر العراقي حسن الساعدي
28 أيلول 2026 , 12:54 م

أنقاضُ الجماعة وبلاغةُ العدم: قراءة في - قصيدة لم يبقى فينا للشاعر العراقي أ. حسن الساعدي

أ. طعم عبد الرحمان / فلسطين

لحسن الساعدي على فعلٍ شعريّ شاقّ: أن » لم يبقَ فينا « تنهض قصيدة

تجعل من البقايا لغة، ومن اللغة شهادة، ومن الشهادة مرثيةً لا تبكي

الراحلين وحدهم، بل تبكي القدرة ذاتها على البقاء. إنها قصيدة لا تقيم

في حقل الوصف، بل في حقل التشريح؛ تفتح جسد الجماعة على ماضيه

المثقل، وحاضره المعلّق، ومستقبله الذي لم يُولد بعد. ومن هنا لا تبدو

مجرد لازمة إيقاعية، بل تبدو كأنها حكمٌ نهائيّ » لم يبقَ فينا « عبارة

تصدره ذاتٌ جماعية بعد أن فرغت من تعداد خسائرها، فلم تجد في دفاتر

العمر سوى شيوخٍ أتعبتهم السنون، وحكاياتٍ يتيمة، وأوهام قيادة،

وصلوات انتظار، وقصيدةٍ منكوبة .

لكنه لا يستدعي به جماعةً ،» فينا « يختار الشاعر ضمير الجمع في قوله

متماسكة، بل يستحضر جماعةً متشظية يتوزع أفرادها بين الغربة

والذاكرة والهزيمة. وهذا الضمير، في ظاهره جامعٌ وفي باطنه فاجع؛ إذ

التي يفترض أن تكون موطن القوة تتحول إلى وعاء للفقد، » النحن « إن

وإلى مساحة تتجاور فيها الأجساد المنهكة والأحلام المهزومة. فالجماعة

هنا لا تُعرَّف بما تنجز، بل بما فقدت؛ ولا تُرى بما في يدها، بل بما أفلت

منها. وتلك مفارقة النص الكبرى: إنّ الجمع يبقى حاضرًا نحويًّا، لكنه

غائب وجوديًّا .

ويبدأ الشاعر بوجه الشيخ، لا باعتباره شخصيةً محددة، وإنما بوصفه

ليس » غائر العينين « . هيئةً رمزيةً لانطفاء الزمن في ملامح الإنسان

غبرة « وجهًا يحدق في العالم، بل وجهٌ سحب العالمُ منه ضوءه، وليست أثرًا خارجيًّا على ملامحه، بل طبقاتٌ من القهر استقرت » السنين فوقه حتى صار التاريخ تجعيدةً، وصار العمر محضرَ اتهام. إن الشيخ في النص ليس بقيةَ بشر، بل بقيةُ وطن؛ واقفٌ في الواجهة، متصدٍّ في الظاهر، لكنه في العمق يحمل انسحابًا طويلًا من الحياة. وما أبلغ أن يقرن الشاعر التصدّي بالغؤور، فالتصدي هنا ليس بطولة مزهوة، بل مقاومةُ من لم يتبقَّ له إلا أن يظل واقفًا .

ومن هذا الوجه المنهك تنبثق الحكايات، لكنها لا تخرج من البيوت ولا

إن الغربة في هذا التركيب .» خلسةً من ثقوب الغربة « من الأفواه، بل

ليست مسافةً بين مكانين، بل جدارٌ مثقوب تتسرب منه الذكريات كما

غير أن ،» متتابعات « يتسرب الهواء من بيتٍ مهجور. وهي حكايات

تواليها لا يبني سردًا متماسكًا، بل يكدّس ألمًا فوق ألم؛ إذ تتحول الذاكرة

إلى آلة اجترار، ويصبح الحنين لا طاقةً على الاستعادة بل سجنًا محكمةً في موقعها، فهي تقطع » اجترّت « للاستعادة. لذلك تأتي مفردة الصلة بين الحنين والرومانسية، وتكشفه بوصفه فعلًا مرهقًا يعيد إنتاج المرارة في كل مرة .

كانت يومًا تُطأطئ لها رؤوس » قصيدة منسية « ثم يمرّ النص إلى

المرايا. وتكمن دقة هذه الصورة في أن المرآة، التي من شأنها أن تمنح

الأشياء انعكاسها، تتحول إلى كائن يملك رأسًا وإرادةً وخشية. إنها

مبالغة لا تتغذى على الزينة، بل على تذكير القارئ بمكانة الكلمة حين

كانت قادرةً على صناعة هيبتها. غير أن القصيدة، في حاضر النص، لا

تعود سيدة المرايا، بل جسدًا يزفر الندم من أوداج الحروف. وبين

ينتقل الشاعر من عالم الانعكاس » أوداج الحروف « و » رؤوس المرايا «

والبهاء إلى عالم الدم والاختناق؛ أي من قصيدةٍ كانت تُرى إلى قصيدةٍ لا

تكاد تتنفس . وهنا تتبدى القصيدة بوصفها نصًّا واعيًا بمصيره وبمصير الشعر في

محيطه. فهي لا ترثي الوطن من خارج اللغة، بل ترثي اللغة ذاتها حين

ليس توصيفًا للقول » رميم قصيدة عارية « تفقد قدرتها على الخلاص. إن

الشعري، بقدر ما هو إعلان عن سقوط الأقنعة البلاغية التي قد تزيّن

القبح من دون أن تفضحه. فالعري في هذا السياق ليس عارًا، بل صدقٌ

قاسٍ؛ والرميم ليس موتًا كاملًا، بل بقاء هشّ يتشبث بنبض القوافي.

ولعل هذا هو سرّ المفارقة المضيئة في النص: فالقصيدة تقول إن كل

شيء قد تهدّم، لكنها تثبت، بمجرد استمرارها في القول، أن اللغة لم

تستسلم تمامًا .

فهي واحدة من أكثر الصور مرارة ؛ لأنها تشي » الفلسفة الطائشة « أما

بسقوط العقل حين يتحول إلى حيلةٍ للهرب من المسؤولية. إنها فلسفة

خلف الهزائم، فلا » بنصف قدم « تمضي إلى الآن ،» متقطعة الأنفاس «

تملك مشروعًا للمستقبل، ولا شجاعةً لمراجعة الماضي. والنصف هنا

ليس مجرد مقدار، بل هيئةُ وجودٍ مبتورة: وعيٌ مشطور، وإرادةٌ

عرجاء، وخطوةٌ لا تصل إلى طريق. ويتضاعف المعنى حين يقابل

فالمغايرة ؛» القائد المغوار « الشاعر بين هذه الفلسفة الهزيلة وصورة

ليست في بطولة القائد، بل في فداحة السخرية من لقبٍ كبير وواقعٍ

صغير. إذ كيف يكون مغوارًا من عبث بالمصائر؟ وكيف تكون القيادة

قيادةً إذا خلّفت وراءها أجسادًا مترهلة وأرواحًا معلقة على أبواب

الابتهال؟

إن الساعدي لا يكتفي بإدانة الفرد المتسلط، بل يفضح البنية التي تسمح

له أن يستمر. فالقائد يذهب، أو يترك الجماعة، لكن آثارَه تبقى في شكل

طقوس متوارثة، وتضرعات تُردد قبل الغروب وبعد الصلوات، وانتظارٍ

يتقنع بلباس التسليم. وهنا يلتقط النص منطقةً دقيقةً بين الإيمان الحقيقي

واستغلال الحسّ الديني: فهو لا يناصب الدعاء العداء، وإنما يكشف ما

يحدث حين يصير الدعاء بديلاً عن الفعل، وحين تتحول الابتهالات إلى

قماشٍ رقيق يغطي جسد العجز. فالإنسان الذي لم يجد في الواقع سندًا قد

يلوذ بالكلمات، لكن الكلمات حين لا تُسندها إرادةٌ واعية تتحول من جسرٍ

للنجاة إلى سريرٍ طويل للانتظار .

وفي المقطع الختامي، ترتفع لغة النص إلى عتبة الرمز المركب.

فالقصيدة العارية يُمزَّق ثوبها البكر في الليل بمسامير صدئة؛ والليل زمن

القهر، والثوب البكر رمز البراءة الأولى، والمسامير الصدئة عنفٌ

موروث لا يزال يعمل رغم تقادمه. ثم يأتي الحداد الضائع، مطرقتُه

متورمة، ليجعل الصورة أكثر قتامة: إن الصانع الذي كان يمكن أن يحوّل

الحديد إلى باب أو محراث أو جسر، صار أداةً للطرق العبثي، أو صار

عاجزًا عن معرفة ما يصنعه. وحين يصب على مطرقته شيئًا من

القداسة، يصبح العنف محميًّا بهالة لا تتيح مساءلته؛ فتُستبدل حقيقة

الألم ببلاغة التبرير، ويُطلب من الجرح أن يصمت لأن الذي جرحه يتكلم

باسم المقدس .

ولا يقل حضور المكان الرمزي أهميةً عن حضور الإنسان. فالسراديب

المظلمة، وناصية الغياب، وصور العابرين، ليست زوايا ديكوريةفي

مشهد حزين، بل جغرافيا داخلية لذاتٍ لا تجد فضاءً مفتوحًا للحركة.

السرداب يوحي بالانحباس، والناصية توحي بالوقوف عند الحد الفاصل

بين الحضور والغياب، والعابرون يوحون بأن البشر لا يملكون إقامةً

كاملةً في أوطانهم ولا في ذاكرتهم. وحتى الحبر، الذي يفترض أن يكون

مادة الكتابة والخلود، يغدو موشحًا بالدم؛ لأن الشاعر يكتب من موضع

الإصابة، لا من شرفة التأمل البارد .

» مبهم « إن البنية الزمنية في القصيدة بنيةٌ دائرية لا خطية. فالماضي

لكنه يتكئ بثقلٍ على ظهور المنهكين، » مجهول « لكنه نازف، والحاضر

أما المستقبل فلا يظهر إلا بوصفه نهاية لم تُعرف بعد. وهذا الغياب

للمستقبل ليس نقصًا فنيًا، بل خيارٌ دلالي ينسجم مع عالم النص: فكيف

يستشرف المستقبل من لم يفك عقدة الماضي، ومن لا يزال يكرر طقوس

الهزيمة بلغاتٍ مختلفة؟ لذلك لا ينتهي النص عند يقين، بل عند تعليقٍ

مفتوح، كأن علامات التعجب المتجاورة في الخاتمة ليست زخرفًا، وإنما

ارتجافٌ بصريّ يشبه ارتجاف الوعي أمام مصير لم تتحدد ملامحه .

وللقصيدة، على الرغم من امتلائها بالسواد، نبض مقاوم لا يعلن عن

نفسه مباشرة. فأن تسمي الخراب خرابًا هو أول درجات الخروج منه،

وأن تفضح القائد الذي عبث بالمصائر هو نزعٌ لشرعية الوهم، وأن

تعترف بأن القصيدة صارت رميمًا هو في ذاته إنقاذٌ لكرامة القصيدة من

بوصفها قصيدة يأس » لم يبقَ فينا « الكذب. من هنا، لا يمكن قراءة

خالص، بل بوصفها يأسًا واعيًا؛ واليأس الواعي أرقى من التفاؤل

المزيّف، لأنه لا يبيع القارئ مخرجًا لغويًّا، ولا يمنحه طمأنينةً مجانية،

بل يضعه أمام المرآة التي ما عادت تطأطئ رأسها، كي يرى وجه

الجماعة في حقيقته: متعبًا، مثقوبًا، نازفًا، لكنه ما يزال قادرًا على

الكلام .

طه دخل الله عبد الرحمن

البعنه == الجليل

19 / 09 / 2026

*****************

لَمْ يَبْقَ فِينَا

أ. حسن الساعدي / العراق

لَمْ يَبْقَ فِينَا

غَيْرِ وَجْهِ شَيْخ مُتَّصِدِّي

غَائرَ الْعَيْنَيْن

غَيَّرَتْ مَلَامِحِه غُبْرَة السِّنِين

وَبَقَايَا حِكَايَات مُتَتَابِعَات

خَرَجَتْ خِلْسَة

مِنْ ثُقُوب الْغُرْبَةِ

ثُمَّ اجْتَرَّتْ مِنْ ذَاكِرَة الْحنَيْن

شَيْئًا مُتَوَارِثًا مِنْ حزْنٍ السُّطُور

وَبَعْضُ مَنْ قَصِيدَة مَنْسِيَّة

زَفَرَتْ أَوْدَاج حُرُوفِهَا نَدَمًا

بَعْدَمَا كَانَتْ بِالْأَمْس

تطَأْطَأ لَهَا رُؤُوس الْمَرَايَا !..

لَمْ يَبْقَ فِينَا

غَيْر حَمَاقَة فَلْسَفَة طَائِشَة

مُتَقَطِّعَة الْأَنْفَاس

تَسِيرُ إلَى الْانَ بِنِصْف قَدِم

خَلْف هزَائِم مُتَتَابِعَةٍ

وَتَفَاهَات مِنْ نَسْجِ الْخَيَال

لِقَائِد مِغْوَار

عَبَث بِمَصَائِرِنَا سِنِينَ طِوَال

ثُمَّ تَرَكْنَا كَجُلُود مَتْرُهَلَات

هُجُنًت بَابِتهالات مُتَوَارِثَات

نَرُدُّدها قَبْلَ الْغُرُوبِ

وَبَعْدَ الصَّلَوَاتِ ...!

لَمْ يَبْقَ فِينَا

غَيْر رَمِيم قَصِيدَة عَارِيَّة

تَنْبِض قَوَافِيهَا شَجَن

قُدُوا ثَوْبُهَا الْبِكْر انَاءَ اللَّيْلِ

بِمَسَامِير صَدِئة

أُخِفْت خَطَايَاهَا

تَحْت عَبَاءَة حَدَّاد وَضَيَّع

صَبَّ عَلَى مطَرِّقته الْمُتَوَرِّمَة

شَيْئًا مِنْ الْقَدَاسَة!

تُلَازِمُهَا هُتَّافات ثَاكِلَة

تتَدَفَّقْ مِنْ نِهَايَاتهَا الغَائِرَة

فِي سراديب مُظْلِمَة

حبْر مُوَشَّح بِالدَّمِ

ثُمَّ تغَيِّرُ اتِّجَاهَاتِها

نَحْو تَفَاصِيل مُتَدَاخِلَة

قَيَّدَتنا بَيْنَ مَاض مُبْهَم

إلَى الْانَ يَنْزِف أَلَمًا وَصَبْرًا

فِي صُوَرٍ الْعَابِرِين

عَلَى نَاصِيَةِ الْغِيَاب

وَبَيْن حَاضِر مَجْهُول إلَى الْانَ

يَتَعَكز عَلَى ضهورنا المُقَوْسة

كَعَرَاجِين هَرِمَة