من منظور كوني، يمكن تشبيه الأرض بكوكب تحركه خيوط الجاذبية التي تشدها بها الشمس والقمر.
وبالطبع، تؤثر بقية مكونات الكون أيضا، لكن تأثير الشمس والقمر يساعد على حدوث ظاهرة المد والجزر في المحيطات، كما يسبب تغيرات مد وجزر في اليابسة والصخور الصلبة.
ومع ممارسة الشمس والقمر هذه الضغوط الصغيرة والمستمرة على قشرة الأرض، لوحظ أنها قد تؤدي إلى تحفيز ما يعرف باسم الزلازل البطيئة، وهي أحداث زلزالية تطلق طاقتها ببطء شديد مقارنة بالزلازل العادية، بحيث لا يستطيع الإنسان عادة الشعور بها على سطح الأرض.
لكن الطريقة التي يمكن أن تؤدي بها هذه التأثيرات إلى حدوث الزلازل البطيئة ظلت غامضة نسبيا.
الرنين قد يكون مفتاح الظاهرة
تشير نمذجة جديدة إلى أن هذه العملية قد تحدث من خلال الرنين.
ويمكن تشبيه ذلك بما يحدث عند تمرير إصبع مبلل حول حافة كأس زجاجي لإنتاج صوت رنان، لكن على نطاق كوكبي هائل.
وفي دراسة نشرت في مجلة JGR Solid Earth، نمذج فريق من علماء الأرض والكواكب تأثير هذه الاضطرابات الناتجة عن المد والجزر، ووجد أن التأثير الصغير قد يؤدي إلى نتيجة كبيرة في ظروف معينة.
وقال الباحثون إن هذه الضغوط صغيرة جدا، وتبلغ عادة بضعة كيلوباسكالات، أي ما يقارب الضغط الناتج عن ضغط اليد برفق، لكنها لوحظت وهي تحفز زلازل بطيئة على بعض الصدوع.
كيف تتحرك الصدوع الزلزالية؟
حلل الباحثون عمليات الانزلاق والحركة والاحتكاك التي تحدث عند الحدود بين الصفائح التكتونية، باستخدام عمليات محاكاة تعتمد على نموذج الكتلة والنابض والاحتكاك المعتمد على معدل الحركة والحالة.
وبصورة مبسطة، يمثل النموذج جزءا صغيرا من صدع زلزالي.
كما يأخذ في الاعتبار التغير المستمر في مقاومة الاحتكاك عند سطح الصدع، اعتمادا على عاملين رئيسيين: سرعة الحركة، وحالة التلامس بين جانبي الصدع.
لماذا يمكن لضغط صغير أن يحرك الصدع؟
تعتمد قدرة تأثير صغير جدا، يشبه دفعة خفيفة، على تحفيز حدث زلزالي أيضا على نوع الصدع الذي تمت نمذجته.
فقد يكون الصدع في حالة انزلاق مستقرة، لكنه قابل بسهولة للدفع خارج حالة الاستقرار.
وعندما تزداد سرعة حركته، تنخفض قوة الاحتكاك عند سطح الصدع، ما يمكن أن يؤدي إلى تضخيم الانزلاق.
وفي النموذج، كان هذا كافيا لإنتاج أحداث انزلاق سريعة، إضافة إلى الأحداث البطيئة.
ويقترح الباحثون أن نوع الزلزال الناتج يعتمد بصورة عامة على الخصائص الاحتكاكية النسبية للصدع، وعلى عاملين رئيسيين في الاضطراب الناتج عن المد والجزر:
- السعة: أي قوة تأثير المد والجزر.
- الفترة: أي مدة استمرار هذا التأثير.
عندما يتوافق إيقاع المد مع الصدع
قد تؤدي هذه العوامل إلى نتائج مختلفة.
فإذا كانت قوة تأثير المد والجزر منخفضة، فقد يستمر الصدع في الانزلاق ببطء وهدوء.
لكن عندما تتجاوز قوة التأثير عتبة معينة، وتتوافق الفترة الزمنية مع النطاق المناسب، يمكن أن يبدأ الصدع في الانزلاق وإطلاق نشاط زلزالي.
وقد تصبح مدة تأثير المد والجزر عاملا محفزا للنشاط الزلزالي عندما تتطابق مع المقياس الزمني الطبيعي لاستجابة الصدع، أي المدة التي يحتاج إليها الصدع للتفاعل مع المؤثرات وتغيير خصائصه، مثل الاحتكاك.
ويشبه الباحثون هذه العملية بدفع الأرجوحة بالإيقاع الصحيح، إذ يمكن للدفع الخفيف أن يجعلها تتحرك لمسافة أكبر بكثير.
وهذا الرنين قد يكون قادرا على تحفيز حدث زلزالي بطيء حتى عندما يكون الاضطراب الناتج عن المد والجزر ضعيفا.
أنماط تتوافق مع ملاحظات حقيقية
قد تنتج هذه الآلية تأثيرات يمكن التنبؤ بها، بما يتوافق مع بعض الملاحظات الواقعية، مثل الهزات التي تحدث في جنوب غرب اليابان ومنطقة كاسكاديا في شمال غرب المحيط الهادئ.
وغالبا ما تبلغ هذه الهزات ذروتها على فترات تقارب 12 و24 ساعة بالتزامن مع دورات المد والجزر.
وتقع منطقة كاسكاديا فوق منطقة اندساس رئيسية، حيث تنغمس إحدى الصفائح التكتونية تحت أخرى.
لكن اضطرابات المد والجزر يمكن أن تؤدي أيضا إلى نشاط زلزالي معقد زمنيا، وقد يكون أكثر عشوائية وأقل قابلية للتنبؤ.
متى يحدث الزلزال الذي يحفزه المد؟
بحث العلماء كذلك ثلاثة أنماط زمنية محتملة للأحداث الزلزالية التي يسببها المد والجزر.
الأول هو أن تحدث الأحداث عند ذروة إجهاد المد والجزر، أي عندما تبلغ قوة تأثير المد أعلى مستوياتها.
والثاني هو أن تحدث بالقرب من أقصى معدل لتغير الإجهاد الناتج عن المد والجزر، عندما يرتفع الضغط الناتج عن هذه القوى بأسرع معدل.
أما الاحتمال الثالث فهو أن تحدث الأحداث بشكل عشوائي، من دون ارتباط واضح بمرحلة محددة من دورة المد والجزر.
وأظهر النموذج أن كلا السيناريوهين الأول والثاني يمكن أن يحدث، لكن ذلك يعتمد على توقيت دورة المد والجزر وخصائص الصدع الزلزالي.
هل يمكن أن تساعد هذه النتائج في التنبؤ بالزلازل؟
من خلال نمذجة تأثير اضطرابات المد والجزر في قشرة الأرض، تقدم الدراسة إطارا لتفسير الأنماط المرتبطة بالمد والجزر في الزلازل البطيئة.
وقد تساعد هذه النتائج مستقبلا في تطوير أساليب لدراسة النشاط الزلزالي والتنبؤ به.
فعلى سبيل المثال، يمكن لعلماء الزلازل استخدام ما يشبه الهندسة العكسية للأحداث الزلزالية المسجلة، بهدف تحديد خصائص الصدوع، مثل قوة الاحتكاك ومدى الانزلاق اللازم قبل أن يبدأ الصدع في الضعف.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال مقارنة النشاط الزلزالي المقاس بنشاط المد والجزر، الذي يمكن تحديده بدقة كبيرة بسبب ارتباطه بحركات الشمس والقمر.
حدود الدراسة
تجدر الإشارة إلى أن الدراسة نمذجت جزءا واحدا من منطقة صدع بشكل منفصل.
ولذلك قد تكون أكثر ملاءمة لمحاكاة الزلازل المحلية منخفضة التردد والمتكررة، والمعروفة باسم الأحداث الزلزالية منخفضة التردد LFEs، أكثر من محاكاة الهزات الزلزالية التي تشمل أجزاء متعددة من الصدع وتحدث على نطاق أوسع.
وفي المقابل، اكتشف الباحثون زلازل بطيئة في مناطق اندساس شديدة النشاط على امتداد حلقة النار في المحيط الهادئ.
ويرى الفريق أن هذه الزلازل توفر معلومات مهمة حول تراكم الإجهاد وتحرره عند الحدود بين الصفائح التكتونية، ولذلك فهي ذات أهمية كبيرة في تقييم احتمالات حدوث تمزق مستقبلي ومدى انتشاره في الزلازل العملاقة عند مناطق الاندساس.
الزلازل العملاقة وخطر أمواج تسونامي
تعد الزلازل العملاقة عند مناطق الاندساس من أقوى أنواع الاضطرابات الزلزالية على الأرض.
ويمكن لهذه الأحداث أن تولد أمواج تسونامي مدمرة، كما يمكن أن تؤثر في الأنظمة البركانية وربما تؤدي في بعض الظروف إلى إعادة تنشيط براكين.
وتشير الدراسة إلى أن فهم العلاقة بين المد والجزر والصدوع والزلازل البطيئة قد يساعد العلماء على فهم الطريقة التي تتراكم بها الضغوط داخل مناطق الاندساس قبل وقوع الأحداث الزلزالية الكبيرة.
ونشرت الدراسة في مجلة JGR Solid Earth.