كتبت سندة نصر طالبة بكلية الحقوق بصفاقس
هناك أحكام قضائية لا تنتهي آثارها عند باب المحكمة، وهناك عقوبات لا تترك مجالًا للرجوع عندما تتحول من حكم مكتوب إلى فعل منفّذ. ولعل عقوبة الإعدام هي أكثر العقوبات التي تختصر هذه المفارقة: سلطة القانون من جهة، وحدودها من جهة أخرى. في تونس، لا تزال عقوبة الإعدام حاضرة في المنظومة القانونية، لكن الواقع يحمل صورة مختلفة تمامًا. فمنذ 17 نوفمبر 1991 لم تُنفّذ في تونس أي عملية إعدام، رغم استمرار صدور أحكام بالإعدام في بعض القضايا. وتصف منظمة العفو الدولية تونس حاليًا بأنها دولة «ملغية للعقوبة في الممارسة» لأنها تحتفظ بها في القانون دون تنفيذها.
هنا تبدأ المفارقة القانونية: كيف يمكن لعقوبة أن تكون موجودة في القانون، لكنها غائبة عن الواقع منذ أكثر من ثلاثة عقود؟ وهل يكفي توقف التنفيذ حتى نقول إن المجتمع تجاوز هذه العقوبة، أم أن بقاءها في النص يعني أن النقاش حولها لم يُحسم بعد؟
عقوبة موجودة في النص
لم يُلغِ المشرّع التونسي عقوبة الإعدام، ولذلك فهي ما تزال ممكنة قانونًا في الحالات التي يحددها التشريع الجزائي.
غير أن الحكم بالإعدام لا يعني أن التنفيذ يتم بصورة آلية. فالفصل 342 من مجلة الإجراءات الجزائية ينص على أنه عند صدور حكم بالإعدام وصيرورته باتًا، يتم إعلام وزير العدل، الذي يعرضه على رئيس الجمهورية لممارسة حق العفو، ولا يمكن تنفيذ الحكم إذا مُنح العفو. وبذلك، فإن المسار لا يتوقف عند صدور الحكم القضائي، وإنما توجد مرحلة لاحقة تتصل بحق العفو.
وهذا التفصيل القانوني مهم، لأنه يبرز الفرق بين وجود عقوبة الإعدام كجزاء قانوني وبين تنفيذها فعليًا.
ثلاثة عقود من التوقف
منذ 17 نوفمبر 1991، لم تشهد تونس تنفيذ حكم بالإعدام. وقد وثقت الأمم المتحدة استمرار هذا الوضع، مع الإشارة إلى أن أحكامًا بالإعدام واصلت صدورها خلال السنوات اللاحقة.
وهكذا نشأ في الواقع التونسي ما يمكن وصفه بمفارقة قانونية: عقوبة لم تختفِ من النص، لكنها اختفت من الممارسة التنفيذية.
وهذا الوضع يضع تونس ضمن الدول التي تُبقي عقوبة الإعدام قانونيًا لكنها لا تنفذها عمليًا.
لكن بقاء العقوبة في النص يظل ذا آثار قانونية ورمزية. فالحكم بالإعدام يمكن أن يصدر، والمحكوم عليه يمكن أن يبقى في وضع قانوني مختلف عن الشخص المحكوم عليه بالسجن، حتى وإن لم يصل الأمر إلى التنفيذ.
عندما يصبح الخطأ القضائي غير قابل للإصلاح
من أهم الأسئلة التي يثيرها الإعدام مسألة الخطأ القضائي.
فالعدالة البشرية، مهما تعددت ضماناتها، ليست معصومة من الخطأ. ولهذا تقوم الأنظمة القانونية الحديثة على درجات التقاضي وطرق الطعن وضمانات الدفاع وقرينة البراءة.
وقد كرّس الدستور التونسي لسنة 2022 مبدأ قرينة البراءة، ونص على أن المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة عادلة تكفل له ضمانات الدفاع خلال مختلف مراحل التتبع والمحاكمة. كما نص على أن العقوبة شخصية ولا تكون إلا بمقتضى نص قانوني سابق.
لكن خصوصية الإعدام تكمن في أن تنفيذ الحكم يجعل الخطأ، إذا ثبت لاحقًا، غير قابل للإصلاح. وهنا لا يتعلق الأمر بالقول إن كل حكم بالإعدام خاطئ، وإنما بطرح سؤال قانوني أعمق: هل يمكن لنظام العدالة أن يتحمل عقوبة تكون آثار الخطأ فيها نهائية؟
بين حق الضحية وسلطة الدولة
لا يمكن تناول الإعدام من زاوية المحكوم عليه فقط.
فالجرائم التي يمكن أن تؤدي إلى الحكم بالإعدام تكون في الغالب جرائم شديدة الخطورة، وتترك وراءها ضحايا وعائلات قد تعيش آثار الجريمة لسنوات. ومن هذه الزاوية، يرى المدافعون عن العقوبة أنها تعكس خطورة الجريمة، وتعبّر عن حق المجتمع في العقاب، وقد تحقق بالنسبة إلى البعض معنى العدالة والقصاص.
في المقابل، تطرح المنظمات الحقوقية والاتجاهات المناهضة لعقوبة الإعدام مسائل مختلفة، من بينها الحق في الحياة، واحتمال الخطأ القضائي، ومدى إمكانية إثبات أن الإعدام يحقق ردعًا أكبر من العقوبات البديلة.
وهكذا لا يعود السؤال مجرد سؤال حول «شدة العقوبة»، بل يصبح سؤالًا حول حدود العقاب نفسه.
هل الإعدام يردع الجريمة؟
من أكثر الحجج حضورًا في النقاش حول الإعدام فكرة الردع: إذا كانت العقوبة هي الأشد، فقد يتردد الأشخاص في ارتكاب الجرائم التي يمكن أن تؤدي إليها.
لكن هذه الفكرة تطرح بدورها سؤالًا إثباتيًا: هل يمكن الجزم بأن الإعدام أكثر قدرة على الردع من العقوبات الأخرى، مثل السجن مدى الحياة؟
ولهذا فإن النقاش الجاد حول الردع لا ينبغي أن يقوم على الانطباع وحده، وإنما على الدراسات والبيانات المتعلقة بالجريمة والعقوبة وسلوك مرتكبي الجرائم، كما أن استمرار الإعدام في بعض الدول، وإلغاؤه في دول أخرى، يبين أن العالم لم يصل إلى موقف موحد بشأن العلاقة بين العقوبة القصوى ومعدلات الجريمة.
تونس والعالم: اتجاهان متقابلان
على المستوى الدولي، يظهر اتجاه متزايد نحو إلغاء عقوبة الإعدام، سواء من خلال إلغائها قانونيًا أو وقف تنفيذها عمليًا، وحسب منظمة العفو الدولية، سجلت سنة 2025 عمليات إعدام في 17 دولة، بينما بلغ عدد عمليات الإعدام التي تمكنت المنظمة من توثيقها 2707 عمليات، مع التنبيه إلى أن الرقم لا يشمل آلاف عمليات الإعدام التي تعتقد المنظمة أنها نُفذت في الصين. وفي المقابل، أصبحت غالبية دول العالم من الدول التي ألغت العقوبة في القانون أو الممارسة. أما تونس، فتظل في منطقة وسطى: لا إلغاء تشريعي نهائي، ولا تنفيذ فعلي منذ سنة 1991.
وهذه المنطقة الوسطى تجعل النقاش التونسي مختلفًا؛ لأن السؤال لم يعد فقط «هل تنفذ الدولة أحكام الإعدام؟»، وإنما أيضًا «ما مصير عقوبة لم تعد تُنفذ منذ عقود لكنها لم تُلغَ من القانون؟».
القانون أمام سؤال المستقبل
قد يبدو الإبقاء على العقوبة مع وقف تنفيذها حلًا وسطًا، لكنه لا ينهي الجدل.
فمن الناحية القانونية، تبقى العقوبة جزءًا من المنظومة الجزائية. ومن الناحية العملية، لم تُنفذ منذ سنوات طويلة. ومن الناحية الحقوقية، يستمر الجدل حول مدى توافق استمرارها مع الاتجاه العالمي نحو إلغائها.
لذلك، فإن مستقبل عقوبة الإعدام في تونس يرتبط في النهاية بسؤال تشريعي ومجتمعي أوسع: هل سيستمر الوضع الحالي، أي الاحتفاظ بالعقوبة مع عدم تنفيذها، أم ستتجه تونس يومًا ما إلى حسم المسألة تشريعيًا؟
خاتمة: عقوبة بين النص والصمت
ربما تكمن خصوصية الإعدام في أنه يضع القانون أمام حدوده القصوى.
فالقانون يمنح الدولة سلطة العقاب، لكنه في الوقت نفسه يضع لهذه السلطة قواعد وضمانات. والقضاء يملك إصدار الأحكام، لكنه يعمل داخل منظومة يفترض أن تحمي المتهم وتضمن له المحاكمة العادلة. والمجتمع يطالب بالعدالة، لكنه يظل أمام سؤال: ما حدود العقوبة التي يمكن أن يفرضها باسم هذه العدالة؟
في تونس، بقيت عقوبة الإعدام أكثر من ثلاثة عقود بين النص والواقع: موجودة في القانون، غائبة عن التنفيذ.
وربما لهذا السبب لا يزال السؤال مفتوحًا:
إذا كانت الدولة لم تنفذ حكمًا بالإعدام منذ سنة 1991، فهل نحن أمام عقوبة ما زالت ضرورية في القانون، أم أمام عقوبة سبق الواقعُ القانونَ في تجاوزها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالقانون وحده، وإنما تعكس أيضًا تصور المجتمع للعدالة، ولحقوق الإنسان، ولحدود سلطة الدولة عندما يكون القرار غير قابل للتراجع.
المراجع
: 1. دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، خاصة الأحكام المتعلقة بقرينة البراءة، وضمانات المحاكمة العادلة، ومبدأ شخصية العقوبة
. 2. مجلة الإجراءات الجزائية التونسية، الفصل 342، المتعلق بإجراءات تنفيذ أحكام الإعدام وعرضها على رئيس الجمهورية لممارسة حق العفو.
3. مجلة الجزائية التونسية، الأحكام المتعلقة بعقوبة الإعدام والجرائم التي تستوجبها.
4. الأمم المتحدة – مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان (OHCHR)، الوثائق والتقارير المتعلقة بوضع عقوبة الإعدام في تونس والحق في الحياة.
5. منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، The Death Penalty in 2025: Facts and Figures، تقرير حول عقوبة الإعدام عالميًا خلال سنة 2025.
6. منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، Tunisia – Death Penalty، المعطيات المتعلقة بوضع عقوبة الإعدام في تونس.
7. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما الفصل 6 المتعلق بالحق في الحياة وعقوبة الإعدام.
8. البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، الأمم المتحدة