لم تعد كهرباء الليطاني أزمة تقنين، بل تحوّلت إلى متاهة إدارية سوداء يتوه فيها المسؤول بين المعمل والمؤسسة والتوزيع، بينما المواطن وحده يعرف عنوانه الجميع حين يحين موعد الفاتورة. قبل أكثر من شهر أُعلنت صيانة الخط رقم 3 المغذّي لقرى في إقليم التفاح وجزين وإقليم الخروب، فاستبشر الناس بإصلاحٍ طال انتظاره؛ لكن الصيانة التي بدأت بتقنين نهاري انتهت إلى عتمة تكاد تكون شاملة. مدارس فتحت أبوابها، شتاء يقترب، مصالح تعطّلت وأرزاق تضررت، فيما الكهرباء اختفت كأن المطلوب من الناس أن يتعلّموا العيش في القرن الحادي والعشرين بمنطق القنديل.
والمفارقة تبلغ حدّ العبث: التيار غائب، لكن الفاتورة تتمتع بصحة ممتازة. المواطن يدفع للدولة عن كهرباء شحيحة، ثم يدفع للمولد كي يعوّض غيابها، ثم يدفع ثمن المازوت والغاز والحطب كي لا يرتجف أطفاله بردًا. والأكثر استفزازًا أن الحديث هنا عن الليطاني، حيث الإنتاج الكهرومائي يفترض أن يكون ميزة لا لعنة؛ ومع ذلك يبقى المواطن أمام كلفة يشعر أنها منفصلة تمامًا عن حقيقة ما يصل إلى منزله. المياه تجري، التوربينات موجودة، البيوت معتمة، والجباية وحدها مضاءة على مدار الساعة. أي معادلة مالية وإدارية هذه التي تجعل المواطن يدفع ثمن النور مرتين، ثم يعيش في الظلام؟
أما الأخطر فهو هذا الصمت الثقيل من الجهات المعنية والقوى السياسية والبلديات أمام استنزاف منطقة خرجت من الحرب مثقلة بالدم والخراب والخسائر. ومن هنا يصبح السؤال واجبًا: من المستفيد من اتساع ساعات العتمة واضطرار آلاف العائلات إلى زيادة اعتمادها على المولدات الخاصة؟ وهل ثمة تقصير أو خلل يستوجب التحقيق والمحاسبة؟ أهل الجنوب ليسوا خزّانًا ماليًا يُعصر كلما تعطّلت الدولة، ولا شعبًا محكومًا بحصارٍ فوق حصار وإنهاكٍ فوق إنهاك. اكشفوا أين الخلل، سمّوا المسؤول، وأعيدوا الكهرباء؛ فالجنوب الذي دفع من دمه ما يكفي، ليس مطلوبًا منه أن يدفع من قوت أطفاله ثمن العتمة أيضًا.
عباس المعلم - كاتب سياسي