ينتهي المطر ، فتخرج إلى الشارع وتستنشق الهواء. تشم رائحة التراب والانتعاش وشيئا آخر يصعب وصفه بالكلمات. هذه الرائحة مألوفة للجميع، لكن القليلين يعرفون أن لها اسما خاصا وتفسيرا علميا.
في عام 1964، أطلق العالمان الأستراليان إيزابيل بير ورودريك توماس على هذه الرائحة اسم البترِيكور (Petrichor)، وهو مصطلح مشتق من كلمتين يونانيتين هما πέτρα وتعني الحجر، وἰχώρ وتعني الإيخور، وهو السائل الذي كان يعتقد في الأساطير اليونانية أنه يجري في عروق الآلهة.

ما الذي نشمه فعليا؟
المصدر الرئيسي لرائحة ما بعد المطر هو بكتيريا التربة من جنس Streptomyces.
وتنتج هذه الكائنات الدقيقة مركبا متطايرا يسمى الجيوسمين (Geosmin).
ويمنح الجيوسمين الإنسان رائحة تشبه رائحة التراب الرطب، لكنه يؤدي وظيفة مختلفة تماما بالنسبة إلى البكتيريا نفسها، إذ يعمل كإشارة تجذب بعض المفصليات الصغيرة.
وتنجذب قافزات الذيل أو الكوليمبولا إلى رائحة الجيوسمين، فتتغذى على البكتيريا وتنقل أبواغها إلى مناطق جديدة.
وأكدت دراسة أجراها باحثون سويديون وبريطانيون ونشرت في مجلة Nature Microbiology عام 2020، أن بكتيريا Streptomyces تستخدم هذه الرائحة كوسيلة تساعدها على الانتشار.
وكلما زاد عدد الأبواغ الناضجة في المستعمرة، زادت البكتيريا من إنتاج الجيوسمين، وهو جزء من آلية مرتبطة بعملية تكاثرها وانتشارها.
مركب آخر يضيف رائحة العفن
هناك مركب ثان يسهم في الرائحة، وهو 2-ميثيل أيزوبورنيول (2-MIB).
ويضيف هذا المركب إلى الرائحة لمسة تشبه رائحة العفن أو المستنقعات.
وينتج كلا المركبين عن عمليات الأيض لدى البكتيريا نفسها وبعض البكتيريا الزرقاء.
وفي المسطحات المائية، يمكن لهذين المركبين أيضا أن يتسببا في ظهور مذاق غير مرغوب فيه في الأسماك ومياه الشرب، ولذلك فإن البترِيكور له جانب غير محبب أيضا.
ماذا يصل إلى الهواء مع رائحة المطر؟
الجيوسمين و2-MIB ليسا المكونين الوحيدين لرائحة ما بعد المطر.
ففي عام 1964، استخلصت بير وتوماس من التربة الجافة زيتا أصفر وجدا فيه حمضي البالميتيك والستيريك.
وتنتج النباتات هذه الأحماض الدهنية أثناء فترات الجفاف، ويعتقد أنها تساعد على إبطاء نمو النباتات المنافسة والحفاظ على الماء.
ولا تتميز هذه الأحماض برائحة قوية في حد ذاتها، لكنها تتحلل داخل التربة إلى ألدهيدات وكيتونات وأحماض أصغر حجما، وهي جزيئات متطايرة ذات روائح واضحة.
البرق يضيف الأوزون إلى الرائحة
هناك مصدر آخر لرائحة الهواء بعد العواصف، وهو الأوزون.
فخلال العواصف الرعدية، تؤدي الصواعق إلى تفكيك جزيئات الأكسجين إلى ذرات منفردة، ثم تتحد هذه الذرات لتكوين الأوزون، الذي يتكون من ثلاث ذرات من الأكسجين.
وتدفع تيارات الهواء المصاحبة للعواصف الأوزون نحو سطح الأرض.
ويمتلك الأوزون رائحة قوية وحادة ذات طابع كيميائي إلى حد ما.
وفي المدن، تختلط رائحة البترِيكور بعوادم السيارات والانبعاثات الصناعية، ولذلك قد تختلف رائحة الهواء بعد المطر في المناطق الحضرية عن الرائحة التي نشعر بها في الغابات أو الحقول.
كيف ترفع قطرة المطر الرائحة إلى الهواء؟
يوجد الجيوسمين في التربة، ولا يصعد إلى الهواء من تلقاء نفسه. لكن المطر يساعد على نقله.
عندما تسقط قطرة ماء على سطح مسامي، مثل الطين الجاف أو الرمال أو التربة الحجرية، فإنها تحبس تحتها فقاعات هواء صغيرة جدا.
وتتحرك هذه الفقاعات إلى أعلى عبر قطرة الماء، ثم تنفجر على سطحها، فتطلق في الهواء جسيمات دقيقة من الهباء الجوي.
وتحمل هذه الجسيمات معها جزيئات الرائحة، ومنها الجيوسمين.
لماذا يكون المطر الخفيف أكثر وضوحا؟
تشبه هذه الآلية ما يحدث داخل كأس من الشمبانيا، حيث تصعد الفقاعات إلى الأعلى ثم تنفجر على السطح.
لكن في حالة المطر، لا يوجد نبيذ، بل تربة، ولا توجد فقاعات من ثاني أكسيد الكربون، وإنما فقاعات من الهواء الموجود داخل مسام التربة.
ويعمل المطر الخفيف بصورة أفضل من الأمطار الغزيرة في إطلاق الرائحة، لأن قطراته تسقط ببطء أكبر، ما يسمح لها بحبس عدد أكبر من الفقاعات وإطلاق كمية أكبر من جزيئات الهباء الجوي.
أما الأمطار الغزيرة، فتعمل ببساطة على غسل الطبقة السطحية من التربة، ولا تمنح الرائحة الوقت الكافي للصعود إلى الهواء بالطريقة نفسها.
لماذا نشعر برائحة المطر بقوة؟
يستطيع أنف الإنسان اكتشاف الجيوسمين عند تركيز يتراوح بين 4 و10 نانوغرامات لكل لتر.
ويعادل ذلك تقريبا وجود ملعقة شاي واحدة من هذه المادة مذابة في حجم يعادل 200 مسبح أولمبي.
وفي عام 2024، تمكن باحثون من جامعة ميونيخ التقنية من تحديد مستقبل معين مسؤول عن اكتشاف الجيوسمين، وهو OR11A1.
ومن بين 616 مستقبلا شمويا لدى الإنسان خضعت للاختبار، كان هذا المستقبل وحده هو الذي استجاب لهذا المركب.
رائحة قد تؤثر في الحالة المزاجية
لا تقتصر تأثيرات البترِيكور على حاسة الشم، إذ قد تكون لها أيضا تأثيرات فسيولوجية.
وفي عام 2022، نشرت دراسة شارك فيها 30 شخصا بالغا، استنشق المشاركون خلالها لمدة خمس دقائق مركبات متطايرة أطلقتها تربة تحتوي على بكتيريا Streptomyces rimosus.
وكان الجيوسمين المكون الرئيسي لهذه الرائحة.
وبعد خمس دقائق، ارتفع مستوى السيروتونين في الدم لدى المشاركين، بينما انخفض تركيز البروتين المتفاعل C، وهو أحد مؤشرات الالتهاب.
كما زاد نشاط موجات ألفا في الجزء القذالي من الدماغ، وهو ما يشير إلى حالة من الاسترخاء.
من وسيلة للبكتيريا إلى رائحة مرتبطة بالذكريات
بالنسبة إلى البكتيريا، يمثل الجيوسمين أداة تساعدها على البقاء والانتشار.
أما بالنسبة إلينا، فهو أحد أكثر الروائح التي يمكن تمييزها بسهولة، وقد يرتبط لدى كثير من الناس بذكريات الصيف والريف والطفولة.
وهكذا تعمل الكيمياء والبيولوجيا والفيزياء معا لإنتاج الرائحة المميزة التي نشعر بها في الهواء بعد هطول المطر.