عبد الحميد كناكري خوجة: ريشة فنان تزلزل عرش الطغيان.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: ريشة فنان تزلزل عرش الطغيان.

«فلسطين...حين تستحيل الريشة ضميرا، والقصيدة بصيرة، واللحن ذاكرة، وركح المسرح مرآة للوجع الإنساني؛ تتعانق الفنون في ملحمة إبداعية تكشف أقنعة الطغيان، وتفضح اغتيال البراءة، وتسترد للحقيقة أجنحتها، وللإنسان كرامته، وللأوطان حقها في الوجود والسيادة.»

ليست الفنون ترفا يزين أوقات الرخاء، ولا زينة تعلق على جدران الحياة؛ إنها ضمير نابض، ومرآة تكشف المستور، وصوت يمنح المقهور مساحة في ذاكرة العالم. وحين تتعرض الأوطان للاحتلال والتهجير والتجويع والترويع، يصبح الإبداع مسؤولية أخلاقية، وتغدو الكلمة واللوحة واللحن أدوات لحماية الحقيقة من غبار النسيان. ولأنني أرى في الفن رسالة تتجاوز حدود الجمال إلى ساحات الوعي والموقف، فقد آثرت أن أمنح رسائله الموجهة عناية تليق بجلالها؛ إذ تستطيع تلك الرسائل أن تهدم أسوار الصمت، وتستنهض الضمير، وتسترد للذاكرة حقها، وللحقيقة هيبتها، وللإنسان كرامته، حتى يغدو الإبداع في مواجهة الطغيان شاهدا لا يستتاب، وصوتا لا يستأصل، وأثرا عصيا على الطمس والتلاشي.

من ريشة الرسام التي توثق وجوه الأطفال وملامح المدن المكلومة، إلى قلم الكاتب الذي يفكك خطاب التضليل، ومن خشبة المسرح التي تعيد تمثيل المأساة، إلى الأصوات والألحان الموسيقية التي تحول الألم إلى نشيد للكرامة؛ تتكامل الفنون في جبهة ثقافية لا تقاس بحدود الجغرافيا، بل بقدرتها على إيقاظ الضمير. وللكوميديا أيضا رسالتها؛ فالسخرية الذكية تستطيع أن تنزع عن الطغيان هالة القداسة الزائفة، وأن تكشف تناقضاته دون أن تنحدر إلى الإسفاف. أما السينما والتصوير الفوتوغرافي والفنون الرقمية، وفنون الرقص التعبيري والباليه والأوبرا، وفن الخط والنحت والعمارة، فتمنح الشهادة البشرية أفقا عابرا للغات، وتبقي الوقائع حاضرة في وجدان الأجيال. ويظل الفنان، مهما اختلفت أدواته، شاهدا على عصره، يحول الصمت إلى سؤال، والأنين إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وعي يحمي الأجيال من تكرار المأساة. ولعل صورة تنين الكومودو تختزل جانبا من آليات الافتراس السياسي؛ إذ يضعف فريسته بسمه، وينتظر وهنها قبل الانقضاض عليها. وعلى هذا القياس، قد تتضافر الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية لتسميم مناعة الأوطان، حتى إذا تصدعت مؤسساتها، انكشف أمام أطماع التوسع والهيمنة. وعندئذ لا يكون الخراب مجرد أرقام، بل بيوتا مهدمة، وأطفالا مسلوبة براءتهم، وذاكرة وطنية تستهدف بالتزوير والطمس. ومن فلسطين إلى لبنان وسورية، تتجدد أسئلة الأرض والسيادة والتهجير، ويبقى المدنيون وحقوقهم في صدارة أي حديث عن السلام، فأي سلام يستقيم إذا ظلت الأرض رهينة الاحتلال و الإنسان أسير الخوف؟ ومن هنا، فإن بعض عشاق الأبراج المضيئة والعروش المزخرفة مدعوون إلى مراجعة مواقفهم؛ فبريق الواجهات لا يحجب وجع المشردين، ولا يجعل الصمت عن انتهاك الحقوق فضيلة سياسية.

وللسوريين في جنوب بلادهم حق في استرداد أرضهم من الصهاينة، وصون كرامتهم وأمنهم في مسار يحفظ الأرواح ويصون المستقبل. أما الفنانون على اختلاف مواهبهم، فمسؤوليتهم أن يجعلوا من إبداعهم شهادة على الحقيقة. وأن يهبوا الذاكرة أجنحة لا تقص. وأن يجعلوا من الوجدان صوتا لا يكمم، وأن يكرسوا أقلامهم وألوانهم وأصواتهم وسائر إبداعاتهم لنصرة كرامة الإنسان وحقوق البلاد المغتصبة. فحين تتوحد الريشة والقصيدة والخاطرة والمسرح والسينما والكلمة واللحن والإبتسامة الواعية في وجه الطغيان، تزلزل ريشة الفنان عرش الشيطان؛ لا بضجيج السيوف، بل بخلود الحقيقة حين تنهض من تحت ركام النسيان. وسيظل الفن، ما بقي في الأرض قلب ينبض بالكرامة، منارة لا تطفئها العواصف، وشهادة لا يمحوها التزوير، وصوتا لا تطمره رمال النسيان. فالأمم التي تحفظ وجعها في إبداعها، وتصون هويتها بوعيها، تملك مفاتيح النهوض من تحت الركام، وتكتب بمداد الصمود فصول البقاء حتى ينحني الطغيان أمام شموخ الحقيقة، وتشرق شمس الحرية على جباه الأحرار. وحين يهب الفن نفسه للحق، لا يعود الفنان مجرد صانع جمال، بل يصبح حارسا للذاكرة، ومهندسا للوعي، وسفيرا لوجع الشعوب إلى ضمير العالم. فالمسرحي يرفع الستار عن الحقيقة، والموسيقي ينسج من النغم ذاكرة عصية على المحو، والسينمائي يوثق ما تحاول آلة الدعاية طمسه، والمصور يصطاد من بين الأنقاض شهادة لا تكذب، والشاعر يمنح المكلومين لغة تتجاوز الحدود، والرسام يجعل اللون شاهدا على الجريمة والحلم، والخطاط يصون الكلمة من الابتذال، والنحات يخلد ملامح الأرض وأهلها. والمبدع الرقمي يفتح فضاءات عصية على الإنغلاق. هكذا تتكامل المواهب لتجعل الإبداع عهدا في وجه الاحتلال، وتحول الثقافة إلى ذاكرة حية، والذاكرة إلى وعي، والوعي إلى موقف لا ينحني. وهكذا يغدو الفن ذاكرة تمنع الاندثار، وبصيرة تحرس الحقيقة، وجسرا يصل الأجيال بتاريخها؛ فإذا اتحد الجمال بالحق، صار الإبداع قوة معنوية لا تهزم، ورسالة يتوارثها الأحرار الشرفاء. وهكذا تزلزل ريشة الفنان عرش المحتل، حين تتعاضد الفنون لتوقظ الوعي، وتخلد المأساة، وتزرع في الأجيال قبس الكرامة والانعتاق.

كاتب سوري حر.