لم يعد «طوفان الأقصى» ذكرى سنوية يمكن اختزالها في مشاهد السابع من أكتوبر 2023، بل أصبح مسارًا تاريخيًا مفتوحًا ما تزال المنطقة تدفع أثمانه العسكرية والسياسية والاقتصادية. ما بدأ بعملية عسكرية فلسطينية نوعية هزّت المنظومة الأمنية الإسرائيلية خلال ساعات، سرعان ما خرج من حدود غزة ليتحوّل إلى حرب إقليمية ممتدة، أعادت تشكيل خرائط المواجهة ورفعت منسوب الاشتباك على امتداد المنطقة وصولًا إلى المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران. ومن هنا، لا يمكن تقييم السابع من أكتوبر بما أنجزه في ساعاته الأولى، بل بما أنتجه خلال الأعوام الثلاثة التي تلته، وبما غيّره في موازين القوى والعقائد العسكرية ومستقبل الصراع.
بالمحصلة، لم تتحقق الأهداف الفلسطينية المعلنة بالصورة التي طُرحت عند انطلاق العملية؛ فتحرير الأسرى وحماية المسجد الأقصى، على مشروعيتهما، لا يشكلان وحدهما مشروعًا استراتيجيًا متكاملًا يجيب عن سؤال اليوم التالي وحجم الرد الإسرائيلي المتوقع. وفي المقابل، لم تحقق إسرائيل نصرًا استراتيجيًا مكتملًا: لم تنتزع أمنًا مطلقًا، ولم تستطع إلغاء القضية الفلسطينية أو حسم ساحات المنطقة نهائيًا، فيما دفعتها وحشية حربها على غزة إلى واحدة من أعمق أزماتها الأخلاقية والسياسية وعزلتها الشعبية عالميًا. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: نجحت عملية السابع من أكتوبر عسكريًا في ساعاتها الأولى نجاحًا استثنائيًا، لكن إسرائيل هي التي حوّلت ما تلاها إلى طوفان من النار والدم والدمار تجاوز غزة إلى الإقليم بأسره.
وتبقى المسألة الأكثر إلحاحًا في غياب جواب مقنع عن السؤال الاستراتيجي المركزي: ماذا كان الهدف النهائي للعملية؟ وما التصور السياسي والعسكري لليوم التالي؟ لا نزال أمام ما أُعلن في بدايتها عن تحرير الأسرى وحماية الأقصى، وهي أهداف تكتيكية مهما بلغت أهميتها، بينما القرار الذي يمكن أن يغيّر مصير شعب ومنطقة يحتاج إلى رؤية تتجاوز لحظة الاختراق العسكري إلى حساب موازين القوى، وردود فعل الخصم، واحتمالات توسع الحرب، والقدرة على إدارتها وحماية المكتسبات وتقليل الأثمان. المقاومة ليست فعل شجاعة مجردًا؛ إنها أيضًا علم في تقدير القوة والتوقيت والنتائج.
إن الإقرار بصمود غزة الأسطوري وبطولات مقاومتها وتضحيات أهلها لا يتناقض مع مساءلة القرار الذي قاد إلى السابع من أكتوبر؛ بل إن احترام تلك الدماء يفرض هذه المساءلة. الدفاع الأعمى عن كل ما جرى لا يخدم فلسطين، كما أن تحميل المقاومة مسؤولية الوحشية الإسرائيلية تزوير للحقيقة؛ فالمسؤول الأول عن الإبادة والاحتلال والعدوان هو إسرائيل، لكن مسؤولية إسرائيل عن جرائمها لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة تمنع أصحاب القرار من مراجعة حساباتهم وخياراتهم. هناك فارق جوهري بين إدانة الجلاد ومحاسبة الذات، ولا ينبغي استخدام الأولى لإلغاء الثانية.
لقد آن الأوان للخروج من ثنائية «التخوين أو التقديس». لا تُبنى قضايا التحرر الكبرى على رواية انتصار دائمة، ولا تُحمى المقاومة بمنع الأسئلة عنها. المطلوب تقييم مهني شجاع: ماذا تحقق؟ ماذا فشل؟ ماذا كان متوقعًا؟ ماذا لم يكن محسوبًا؟ هل تناسبت النتائج مع الأثمان؟ وأين كانت الفجوة بين النجاح العسكري المذهل في الساعات الأولى وبين إدارة الحرب التي أعقبته؟ هذه الأسئلة ليست طعنًا بالمقاومة، بل شرطًا لبقائها أكثر عقلانية وقدرة على حماية شعبها وقضيتها.
وأخطر ما يمكن فعله بعد ثلاثة أعوام من السابع من أكتوبر هو التعامل مع التجربة باعتبارها حدثًا مكتملًا يُقاس فقط بمعادلة الانتصار والهزيمة. فما جرى أنتج إقليمًا مختلفًا، وعدوًا مختلفًا، وبيئة دولية مختلفة، وفرض على قوى المقاومة نفسها أن تصبح مختلفة. لذلك لا ينبغي أن تكون المراجعة محكمةً للمقاومة ولا جلدًا لتجربتها، بل عملية إعادة بناء للعقل الذي يصنع قرارها؛ لأن المقاومة التي تملك شجاعة القتال يجب أن تملك بالقدر نفسه شجاعة مراجعة أدواتها، وتعديل عقيدتها، والتخلي عن الأساليب التي استُهلكت أو انكشفت أو تجاوزتها التحولات.
لقد أثبتت السنوات الثلاث أن البطولة وحدها، مهما بلغت، لا تكفي لصناعة نتيجة استراتيجية. المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال من «مقاومة ردّ الفعل» إلى مقاومة إدارة الصراع الطويل؛ مقاومة تعرف متى تستخدم القوة ومتى تحفظها، وكيف توزع أثمان المواجهة على الزمن بدل أن تسمح للعدو بتركيزها على شعبها وجغرافيتها، وكيف تجعل كل مواجهة جزءًا من مسار سياسي وعسكري محسوب، لا حدثًا منفصلًا ينتظر تفسير نتائجه لاحقًا. وهذا يفرض إعادة تعريف مفهوم الإنجاز نفسه: فليس كل اختراق نصرًا استراتيجيًا، وليس الامتناع عن معركة تراجعًا، وليس الحفاظ على القوة أقل قيمة من استخدامها. أحيانًا يكون الإنجاز الأثمن أن تحرم عدوك من اختيار شكل الحرب وتوقيتها ومساحتها.
كما أن ما بعد «طوفان الأقصى» يفرض نمطًا مقاومًا أكثر مرونة واتساعًا: أمنًا واستخبارات أشد صرامة، قيادةً أكثر قدرة على الاستمرار تحت الضربات، بنيةً أقل انكشافًا، وقرارًا يقوم على تعدد السيناريوهات لا على السيناريو المرغوب، واقتصادًا وبيئة اجتماعية قادرين على تحمّل المواجهة الطويلة. فالمقاومة الحديثة لا تُقاس بعدد الصواريخ والمقاتلين وحدهم؛ قوتها الحقيقية هي مجموع قدرتها العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية، وقدرتها قبل كل شيء على منع العدو من تحويل مجتمعها إلى نقطة الضغط التي يدخل منها لاستنزافها.
وهذا يستدعي إعادة بناء العلاقة بين المقاومة وشعوبها. فالجمهور ليس خزانًا مفتوحًا للتضحيات، ولا ينبغي أن تكون قدرته على الاحتمال بندًا ثابتًا في الحسابات. حماية الناس، وإبقاء مجتمعات المقاومة قادرة على الحياة والعمل والتعليم والإنتاج، يجب أن تصبح جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي للمقاومة نفسها. فالانتصار الذي يستنزف المجتمع حتى حافة العجز يحتاج إلى مراجعة، تمامًا كما تحتاج إليها الهزيمة العسكرية؛ لأن الصراع مع إسرائيل ليس سباقًا إلى المعركة الأكبر، بل صراع إرادات وقدرة على البقاء والتراكم لعقود.
ومن هنا، فإن استخلاص العبر من السابع من أكتوبر لا يعني التنصل منه ولا إنكار ما كشفه من هشاشة إسرائيل وإمكان اختراق منظومتها، كما لا يعني تحميل المقاومة مسؤولية حرب الإبادة التي اختارت إسرائيل ارتكابها. معناه أن تتحول التجربة بكل بطولاتها وأخطائها ودمائها إلى معرفة متراكمة؛ أن نعرف أين أصبنا فنطوّر، وأين أخطأنا فنصحح، وأين بالغنا في التقدير فنعيد الحساب، وأين فاجأنا العدو فنبني لمنع تكرار المفاجأة. فالعدو الذي يدرس إخفاقاته ويغيّر عقيدته بعد كل حرب لا يمكن مواجهته بعقيدة جامدة تخشى مراجعة نفسها.
المطلوب، إذن، ليس مقاومة أقل صلابة، بل مقاومة أكثر ذكاءً وأقل قابلية للاستنزاف؛ أكثر غموضًا أمام العدو ووضوحًا في أهدافها؛ أشد قدرة على الفعل وأشد حرصًا على اختيار لحظته؛ مقاومة لا تقيس نجاحها بما أحدثته في الساعة الأولى، بل بما بقي في يدها عند نهاية السنة الثالثة، وما تستطيع البناء عليه في السنة العاشرة. وهذه هي النقلة التي ينبغي أن يصنعها طوفان الأقصى في العقل المقاوم: الانتقال من ثقافة صناعة الحدث إلى هندسة النتائج.
وعندها تصبح المراجعة نفسها فعل مقاومة. فالأوفياء لدماء غزة ولبنان وكل ساحات المواجهة ليسوا الذين يمنعون السؤال، بل الذين يضمنون ألا يُدفع الثمن نفسه مرتين للخطأ نفسه. وما بعد السابع من أكتوبر لا يحتاج إلى استنساخ السابع من أكتوبر، بل إلى جيل جديد من التفكير المقاوم يستوعب دروسه، ويتجاوز ثغراته، ويحفظ جوهره التحرري؛ عقيدة تدرك أن الشجاعة تستطيع فتح المعارك، لكن البصيرة وحدها تحدد أي معركة تستحق أن تُفتح، ومتى تُفتح، وكيف تُدار، وبأي كلفة، ولأي هدف.
فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تُختصر في عملية مهما بلغت فرادتها، والمقاومة أثمن من أن تُحمى بمنع نقدها، ودماء الشعوب أقدس من أن تتحول إلى أرقام في ميزان «أرباح مؤجلة». وما ينبغي أن يبقى من السابع من أكتوبر ليس تكرار نموذجه، بل امتلاك شجاعة تجاوزه إلى نموذج أكثر نضجًا وصلابة وحسابًا؛ مقاومة لا تكتفي بأن تفاجئ عدوها في اليوم الأول، بل تعرف كيف تمنعه من استعادة زمام المبادرة في اليوم التالي، وكيف تبقى قادرة بعد ألف يوم على حماية شعبها وقوتها وقضيتها. فصناعة الحدث قد تحتاج ساعات، أما صناعة النصر فتحتاج عقلًا يعرف منذ اللحظة الأولى كيف يريد أن تكون اللحظة الأخيرة.
عباس المعلم - كاتب سياسي