عبد الحميد كناكري خوجة: بحجة الحدود، عقود نقود الوقود تصب في خزائن العدو اللدود.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: بحجة الحدود، عقود نقود الوقود تصب في خزائن العدو اللدود.

«حين ترفع راية الحماية فوق خرائط مثقلة بالثروات، وتتحول عقود النفط إلى مسارات للنفوذ؛ قراءة في اقتصاد الخوف، ودهاليز المصالح، والقواعد الاستعمارية التي تطل على أمن المنطقة، فيما يبقى الخطر المصطنع ستارا لصفقات تستنزف فائض الخليج، وتبقي شعوب الأمة أمام سؤال الثروة والسيادة ووحدة المصير.»

ما أكتبه ليس خصومة مع شعب، ولا شماتة في جوار، وإنما بدافع الغيرة على ثروات أمة طالما أريد لها أن ترى خيراتها تمر من بين يديها، ثم تعود إليها في صيغة شروط وإملاءات وفواتير تحت ذريعة الحماية. أكتب لأن النفط ليس سائلا أسود فحسب، بل ذاكرة أرض وحق أجيال؛ ولأن الشعوب التي تنام على بحار من الثروة لا يليق أن تستيقظ على ضفاف العوز والبطالة والانقسام. وبروحي وريشتي، أقترب من هذا الملف لا لأصب الزيت على نار الاختلاف، بل لأزيح بعض الستائر عن مسرح طالما زينت واجهته شعارات الأمن والحماية، بينما كانت المصالح تمسك بالخيوط من وراء الستار.

فما أكثر ما تتقن السياسات الأمريكية والإسرائيلية وماكينات دعايتهما صناعة الخطر، ثم تقديم نفسها بوصفها صانعة الأمان؛ وما أبرع الدعاية حين تجعل من الوهم حارسا، ومن الخوف بوابة، ومن الثروة مفتاحا لأطماع لا تشبع.

وفي هذا المشهد، ظلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية ترفع صوت التحذير من تحويل الخليج إلى منصة لنفوذ أجنبي، ومن جعل القواعد العسكرية ذريعة لإعادة هندسة أمن المنطقة وفق حسابات بعيدة عن مصالح شعوبها. وفي مواجهة الضغوط والعقوبات فقد بنت طهران قدراتها الدفاعية والصناعية على قاعدة الاعتماد على الذات. مؤكدة أن حماية السيادة لا تستعار، وأن أمن الجوار لا ينبغي أن يكون سلعة في سوق القوى الطامعة الكبرى. ومن هنا أكتب: لأنني أرى في ثروات الخليج مال أمة قبل أن تكون أرقاما في دفاتر الشركات. وفي أمن بلاد فارس والعرب مصيرا متشابكا لا خصومات. ولأن الريشة حين تكون وفية لضميرها، لا تطارد بالأسماء، بل تكشف الآليات؛ ولا تشعل العداوات، بل تحذر من اليد التي تتغذى على الفرقة، وتقتات من الخوف، وتحول اختلاف الجوار إلى منفذ للسلب والهيمنة.

منذ أن دخل النفط قلب المعادلة الدولية، لم تعد آباره مجرد مكامن طبيعية تحت الرمال، بل غدت نقاط جذب تتقاطع عندها أطماع قوى التوسع، وتتشابك حولها خرائط المصالح. وفي هذا المشهد، تبدو عبارة «الحماية» أحيانا كأنها مظلة سياسية تخفي تحتها شبكة أوسع من الترتيبات؛ قواعد عسكرية ترسخ الحضور، وصفقات ضخمة تعيد توجيه الأموال، واتفاقات أمنية تجعل قرار المنطقة أكثر التصاقا بحسابات الخارج. ولا تكمن المفارقة في التعاون الدفاعي بحد ذاته، فالدول تتبادل المصالح والتحالفات، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها الخوف إلى سوق، والتهديد إلى عقد، والحاجة إلى حماية دائمة وباب مفتوح على موارد لا تنضب. حين يضخم العدو في المخيال السياسي، وتبقى صورته حاضرة، تستمر عجلة الإنفاق والنفوذ في الدوران بلا نهاية. وهنا تبرز مسؤولية أصحاب القرار: هل تستثمر الثروة في بناء قوة وطنية مستقلة، وفي تنمية الإنسان والتعليم والصناعة والبحث؟ أم تتحول إلى أرقام فلكية تدور خارج المنطقة ثم تعود إليها في هيئة أسلحة وشروط ومظلات أمنية؟ إن السؤال ليس اقتصاديا محضا؛ إنه سؤال سيادة وكرامة قرار ومستقبل أجيال. وفي هذا المشهد واصلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية التحذير من تحويل الخليج إلى منصة لنفوذ أجنبي، مؤكدة أهمية صون سيادة دول المنطقة وحماية أمنها من التدخلات الخارجية.

وفي هذا السياق، يصبح وجود القواعد في المنطقة مسألة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة؛ إذ أن الأرض التي تتخذ منصة لقوى خارجية قد تتحول، عند اشتداد الأزمات، إلى جزء من مسرح التصعيد. وهنا تتضح المفارقة أكثر: ما يقدم بوصفه ضمانة للأمن قد يصبح عاملا في توسيع دائرة الخطر، فيما تدفع شعوب دول الجوار ثمن توتر لم تختر أسبابه ولا مساراته.

وترى بلاد الحضارة الفارسية أن امتلاك عناصر الردع، وحماية حدودها، وتعزيز قدراتها الوطنية، ركائز راسخة لصون سيادتها وترسيخ استقلال قرارها الوطني.

كما واجهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال عقود ضغوطا وعقوبات ومحاولات عزل، واتجهت إلى تطوير قدرات محلية في مجالات دفاعية وصناعية وتقنية متعددة، وقد برعت في ذلك.

كما أن تحذيراتها المتكررة من تحويل دول جوارها إلى ساحات للقوى الخارجية تنطلق من رؤية أمنية وسيادية راسخة، تستند إلى قراءة دقيقة لانتشار القواعد الحربية والتوترات الإقليمية.

ولا يعني ذلك أن اختلاف الحكومات ينبغي أن ينقلب إلى خصومة بين الشعوب. فالعرب والإيرانيون، وسائر أبناء المنطقة، تجمعهم جغرافيا متجاورة ومصالح متداخلة ومصير أمني واحد. وما تحتاجه المنطقة ليس المزيد من متاريس الوهم والارتياب، بل صيغة تعاون تحفظ السيادة، وتصون الثروات، وتمنع تحويل الخلافات إلى منافذ للنفوذ الخارجي. والأجدر بالتحالفات الإقليمية أن تتجه إلى حماية مصالح الأمة، وأن تسخر الإمكانات لنصرة المظلومين، وفي مقدمتهم أبناء الشعب الفلسطيني، بدل أن تصبح موارد الأمة وقودا لصراعات تدار من وراء البحار. فحين تتكامل القدرات العربية والإسلامية، وتلتقي إرادة السيادة مع قوة الاقتصاد، يصبح الجوار مصدر أمان متبادل، لا سوقا دائمة للخوف.

وهكذا تعود الحكاية إلى بدايتها: حدود يقال إنها مهددة، وحماية ترفع رايتها، وعقود توقع، ونقود تتدفق لا لتأمين الوقود فحسب، بل لتعيد عوائدها المالية وعوائد تعيد تشكيل موازين المصالح والنفوذ. ثم تستقر العوائد في خزائن تلك الدول الطامعة، بينما تبقى شعوب الأمة أمام أسئلة التنمية والبطالة والفقر ومستقبل أجيالها. وليس أخطر من ثروة تستنزف باسم حمايتها، وخوف يصنع ثم يباع علاجه لمن صنعه. إن أمن الخليج لا ينبغي أن يكون مهمة تؤديها قواعد معادية، ولا ثرواته جائزة لصفقات عابرة؛ بل حق لأهله، وسند لجيرانه، ورافعة لعالم عربي وإسلامي يستطيع أن يصنع قوته بيده، ويجعل تحالفاته جسرا لنصرة المكلومين، وفي مقدمتهم أبناء الشعب الفلسطيني، لا منفذا لتوسيع نفوذ من يتربص بالمنطقة وثرواتها. ومن هنا، فإن أمن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يقرأ خارج محيطها؛ فحين تهدد دول الجوار، تضيق فسحة الأمان للجميع. وقد برهنت طهران على أن صون السيادة يتكئ على العلم، وتعضده القدرة، ويرسخ دعائمه الاعتماد على الذات؛ وهي مقومات عززت بها حضورها الوطني واستقلال قرارها.

وإن حماية التراب لا تكون باستدعاء الوصي الأجنبي، بل بامتلاك أسباب القوة وتلاحم الشعب مع دولته. فليكن النفط حياة لا غنيمة، والاتفاق شراكة لا ارتهانا، والتحالف حصنا للأمة لا بابا عليها. ولتدرك شعوب المنطقة أن ما يجمعها أوسع مما يفرقها، إن رسوخ سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتعزيز أمنها الوطني ركيزة لاستقرار الإقليم، ومصلحة مشتركة لشعوبه، وخطوة نحو فضاء إقليمي أكثر استقلالا وأمنا. عندها فقط تتبدل المعادلة: فلا تعود نقود الوقود تمضي بحجة الحدود، ولا تترك خزائن الأمة نهبا للطامع اللدود.

كاتب سوري حر.