طور باحثون مادة مبتكرة لا تفقد قدرتها على توصيل الحرارة والكهرباء عند تمددها، بل تزداد كفاءتها في التوصيل. ويكمن سر هذه المادة في جسيمات نانوية من الفضة موزعة داخل مطاط السيليكون، في اكتشاف قد يساعد على تحسين تبديد الحرارة في الإلكترونيات المرنة، بما في ذلك الهواتف القابلة للطي.
مادة نانوية تعالج مشكلة ارتفاع حرارة الإلكترونيات


يعد ارتفاع درجة الحرارة من أبرز المشكلات التي تواجه الأجهزة الإلكترونية الحديثة، وتزداد هذه المشكلة تعقيدا مع تطور الأجهزة وتصغير مكوناتها.
وفي الهواتف الذكية التقليدية، تُستخدم الهياكل المعدنية والأغشية الموصلة للحرارة للمساعدة على التخلص من الحرارة الزائدة. لكن هذه الطرق قد تفقد فعاليتها عندما يتعرض الجهاز للانحناء أو التمدد، كما يحدث في الأجهزة الإلكترونية المرنة والهواتف القابلة للطي.
وكان الاعتقاد السائد أن تشوه المادة يؤدي إلى زيادة المسافات بين الجسيمات المكونة لها، ما يضعف قدرتها على توصيل الحرارة والكهرباء.
لكن فريقا بحثيا من جامعة سونغكيونكوان في كوريا الجنوبية أثبت أن العكس ممكن، من خلال تصميم مادة نانوية مركبة تتميز بقدرتها على تحسين التوصيل الحراري عند تمددها.
جسيمات فضة نانوية داخل مطاط السيليكون
ابتكر الباحثون مادة نانوية مركبة تتوزع فيها جسيمات الفضة، التي يبلغ حجمها 3.4 نانومتر، بصورة متجانسة داخل مطاط السيليكون القابل للتمدد.
وتتميز هذه المادة بوجود فجوات بالغة الصغر بين جسيمات الفضة، يبلغ عرضها نحو 4.1 نانومتر.
ويسمح هذا الترتيب الدقيق بالتحكم في انتقال الحرارة والإلكترونات عبر المادة، مستفيدا من الخصائص الفيزيائية التي تظهر عند المقاييس النانوية.
كيف تعزز المادة توصيل الحرارة عند تمددها؟
تعتمد الآلية التي توصل إليها الباحثون على ظاهرة فيزيائية تعرف باسم النفق الكمومي.
وتسمح هذه الظاهرة للإلكترونات بالعبور عبر حواجز طاقة لا تستطيع تجاوزها في الظروف التقليدية، ما يتيح انتقال الشحنات الكهربائية بين الجسيمات النانوية المتقاربة.
ووفقا للدراسة، عندما تصبح المسافات بين الجسيمات صغيرة بما يكفي، يمكن أن يحدث هذا العبور الكمومي، بما يسهم في تحسين انتقال الطاقة داخل المادة.
وأظهرت النتائج أن تمدد المادة يمكن أن يؤدي إلى انتقال حراري مباشر وأكثر كفاءة بين الجسيمات المالئة، بدلا من أن يؤدي بالضرورة إلى انخفاض التوصيل الحراري.
ويشير الباحثون إلى أن التحكم الدقيق في حواجز الطاقة على المستوى النانوي يتيح تحقيق هذه النتيجة، التي تختلف عن السلوك المعتاد للمواد الموصلة عند تعرضها للتشوه.
سلاسل البوليمر تفتح مسارات أفضل لانتقال الحرارة
استخدم الباحثون المحاكاة الحاسوبية لدراسة ما يحدث داخل المادة عند تمددها.
وأظهرت المحاكاة أن سلاسل البوليمر المكونة للمطاط تصطف في اتجاه التمدد عند تعرض المادة للتشوه.
ويساعد هذا الاصطفاف على إنشاء مسارات أكثر كفاءة لانتقال الحرارة، ما يفسر تحسن التوصيل الحراري بدلا من تراجعه.
ولا تقتصر أهمية هذه الخاصية على استخدام المادة بوصفها موصلا للحرارة، إذ تمكن الباحثون أيضا من توظيفها في تصميم ما يعرف باسم مفتاح حراري، وهو نظام يمكنه التحكم في تدفق الحرارة من خلال تغيير مقدار تمدد المادة.
وقد يتيح هذا النهج تطوير أنظمة قادرة على تنظيم انتقال الحرارة وفقا لظروف التشغيل، بدلا من الاعتماد على وسائل تبريد ثابتة الأداء.
اختبار المادة في أنظمة تبريد الهواتف القابلة للطي
اختبر الفريق البحثي المادة المركبة بالفعل ضمن نظام لتبريد هاتف قابل للطي.
وأظهرت النتائج قدرة المادة على الحفاظ على أداء مستقر في تبديد الحرارة حتى بعد تعرضها لعمليات متكررة من الانحناء.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في الأجهزة الإلكترونية المرنة، إذ تتعرض مكونات التبريد فيها للتشوه بصورة متكررة أثناء الاستخدام، ما قد يؤثر في كفاءتها على المدى الطويل.
وقال البروفيسور سونغهيون بايك، من كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة سونغكيونكوان، إن البحث مهم لأنه كشف عن ظاهرة فيزيائية فريدة تزداد فيها الموصلية الحرارية مع التمدد، بفضل التحكم الدقيق في حواجز الطاقة على المستوى النانوي.
وأضاف أن الدراسة أظهرت إمكانية استخدام هذه التقنية في أنظمة تبديد الحرارة ضمن الإلكترونيات المرنة، بما في ذلك الهواتف القابلة للطي.
خطوة نحو تطوير إلكترونيات مرنة أكثر كفاءة
نُشرت نتائج الدراسة في مجلة Advanced Functional Materials العلمية.
وتفتح النتائج المجال أمام تطوير مفهوم جديد لإدارة الحرارة في الأجهزة الإلكترونية المرنة، من خلال الاستفادة من المواد التي تتغير خصائصها الحرارية وفقا لمقدار تعرضها للتمدد.
ومع أن الباحثين اختبروا المادة في نظام لتبريد هاتف قابل للطي، فإن تحويل هذا الابتكار إلى تقنية تجارية واسعة الاستخدام سيتطلب مزيدا من التطوير والتقييم.
ومع ذلك، تقدم الدراسة نهجا واعدا لمعالجة إحدى المشكلات الأساسية في تصميم الإلكترونيات المرنة، وهي الحفاظ على كفاءة التبريد رغم الانحناء والتمدد المتكرر.