تمكن مهندسون من وكالة ناسا ومختبر لورانس بيركلي الوطني في الولايات المتحدة من رصد التغيرات التي تحدث داخل مواد الحماية الحرارية للمركبات الفضائية أثناء تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة، باستخدام التصوير المقطعي بالأشعة السينية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويتيح هذا التطور للباحثين مشاهدة كيفية تدهور بنية المواد الواقية في أثناء تسخينها، بدلا من الاكتفاء بفحصها قبل التجارب أو بعد انتهائها.
وقد تساعد هذه التقنية على فهم أسباب تآكل الدروع الحرارية بصورة غير متوقعة، وتطوير مواد أكثر موثوقية للمركبات الفضائية العائدة إلى الأرض.

لماذا تعد الدروع الحرارية ضرورية لعودة المركبات الفضائية؟
تُعد الدروع الحرارية من أهم مكونات أي مركبة فضائية تعود إلى الأرض، إذ تتعرض المركبة أثناء دخول الغلاف الجوي إلى تسخين شديد نتيجة حركتها بسرعات عالية وتفاعلها مع الغاز المحيط بها.
وتعتمد معظم هذه الدروع على مبدأ الاستئصال الحراري، أو الإزالة التدريجية للمادة الواقية (Ablation). ففي هذه العملية، تمتص المادة جزءا من الطاقة الحرارية، ثم تتآكل أو تتفكك تدريجيا، ما يساعد على إبعاد الحرارة الشديدة عن كبسولة المركبة وحماية ما بداخلها.
لكن المشكلة أن العلماء لم يتمكنوا حتى الآن من مراقبة التغيرات الداخلية في هذه المواد بسهولة أثناء تعرضها للحرارة. وكان فحصها يقتصر غالبا على حالتها قبل التجربة أو بعد هبوط المركبة وانتهاء عملية التسخين.
وهذا النقص في المعلومات يجعل من الصعب فهم التفاصيل الدقيقة لكيفية تدهور المادة، وقد يحد من دقة النماذج الحاسوبية المستخدمة للتنبؤ بأدائها.
مهمة «أرتميس 1» تكشف قصورا في المحاكاة الحاسوبية
أظهرت رحلة مهمة أرتميس 1 القمرية غير المأهولة أن المحاكاة الحاسوبية التقليدية لا تتنبأ دائما بدقة بكيفية تآكل المواد الواقية.
فقد تعرض الدرع الحراري لكبسولة أوريون خلال العودة إلى الأرض لتآكل غير متجانس، مع ظهور تجاويف وأخاديد لم تتطابق تماما مع التوقعات.
وأثار ذلك تساؤلات حول العمليات التي تحدث داخل المادة الواقية أثناء تعرضها للحرارة، ومدى قدرة النماذج المستخدمة على تمثيل هذه العمليات.
ولسد هذه الفجوة، تعاون باحثون من ناسا مع مركز الأبحاث المتقدم لمصدر الضوء، التابع لمختبر لورانس بيركلي الوطني (LBNL)، لتطوير طريقة تسمح بمراقبة التغيرات داخل مواد الحماية الحرارية أثناء تسخينها.
كاميرا بالأشعة السينية تراقب تدمير المواد من الداخل
صمم المهندسون نظاما تجريبيا يحاكي بعض الظروف التي تتعرض لها المواد عند دخول الغلاف الجوي، بما في ذلك درجات حرارة تصل إلى 900 درجة مئوية وضغط محدد للغازات.
وكان الابتكار الأساسي هو استخدام تقنية التصوير المقطعي الدقيق بالأشعة السينية (Micro-CT)، التي تتيح فحص البنية الداخلية للعينات وإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد شديدة التفصيل.
وبهذه الطريقة، استطاع الباحثون مسح عينات المواد أثناء تعرضها للحرارة وتدهور بنيتها، بدلا من الاكتفاء بتصويرها قبل التجربة وبعدها.
وتوفر النماذج ثلاثية الأبعاد معلومات عن كيفية تشكل الفراغات والقنوات داخل المادة، وكيف تتغير بنيتها مع استمرار التسخين.
وتساعد هذه البيانات على فهم المسارات التي تنتقل عبرها الغازات الساخنة داخل الدرع، وهي عملية قد تؤثر في كفاءته وقدرته على حماية المركبة.
مادتان للحماية الحرارية .. وطريقتان مختلفتان للتلف
اختبر الباحثون نوعين من المواد المستخدمة في الحماية الحرارية، ولاحظوا اختلافا واضحا في الطريقة التي تتدهور بها بنيتهما عند التسخين.
المادة التقليدية SLA-561V
تعتمد هذه المادة على تركيبة تحتوي على السيليكون وحشوة من الفلين. وأظهرت التجارب أن مكونات الفلين تتفكك وتتبخر بسرعة عند تعرضها للحرارة، تاركة وراءها فراغات داخل المادة.
ويؤدي تشكل هذه الفراغات إلى تغيير البنية الداخلية للدرع، وقد يؤثر في الطريقة التي تنتقل بها الغازات والحرارة خلاله.
المادة الأحدث SLA-220
أما المادة القائمة على السيليكون، والمعروفة باسم SLA-220، فقد أظهرت سلوكا مختلفا.
إذ تشكلت داخلها شبكة معقدة من القنوات الدقيقة، سمحت للغازات الساخنة بالخروج عبر مسارات متعددة.
ويمنح رصد هذه القنوات الباحثين فرصة لفهم كيفية انتقال الغازات داخل المواد الواقية أثناء التدهور الحراري، وكيف يمكن أن تؤثر هذه العملية في أدائها.
ولا يعني اختلاف آليات التلف بالضرورة أن إحدى المادتين أفضل من الأخرى في جميع الظروف؛ إذ يعتمد الأداء الفعلي على خصائص المادة وظروف استخدامها ومتطلبات المهمة الفضائية.
كيف ساعد الذكاء الاصطناعي على إنتاج صور ثلاثية الأبعاد؟
واجه الباحثون تحديا تقنيا يتمثل في ضرورة الموازنة بين سرعة التصوير ودقته.
فالتقاط صور كثيرة خلال فترة قصيرة يساعد على متابعة التغيرات السريعة داخل المادة، لكنه قد يقلل من وضوح الصور. أما التصوير عالي الدقة فيحتاج إلى وقت أطول، ما قد يؤدي إلى تفويت بعض التغيرات التي تحدث بسرعة.
وللتغلب على هذه المشكلة، استخدم الفريق خوارزمية للذكاء الاصطناعي تعتمد على الشبكات التوليدية التنافسية (GAN).
ودُربت الشبكة العصبية على صور أقل وضوحا، لكنها التُقطت بمعدل مرتفع، ثم استخدمها الباحثون لإعادة بناء صور ثلاثية الأبعاد أكثر تفصيلا.
وساعد ذلك على إنتاج تمثيل ثلاثي الأبعاد متتابع للتغيرات التي تحدث داخل المادة أثناء التسخين، مع الجمع بين سرعة التصوير وتحسين جودة التفاصيل.
وتكمن أهمية هذه الطريقة في أنها تتيح للباحثين متابعة تطور البنية الداخلية للمواد بصورة أقرب إلى الفيديو، بدلا من الاعتماد على لقطات منفصلة قبل التجربة وبعدها.
هل تساعد التقنية على تطوير دروع حرارية أكثر أمانا؟
قد تسهم هذه التقنية في تحسين تصميم الدروع الحرارية المستخدمة في المركبات الفضائية، من خلال تزويد المهندسين ببيانات أكثر دقة عن سلوك المواد عند تعرضها للحرارة الشديدة.
ويمكن الاستفادة من هذه المعلومات في تطوير نماذج حاسوبية أكثر واقعية، واختبار مواد جديدة، وفهم أسباب التآكل غير المتوقع الذي قد يهدد سلامة المركبات أثناء العودة إلى الأرض.
كما قد تساعد النتائج في تحسين المواد الواقية المستخدمة في المهمات المستقبلية لوكالة ناسا وشركة سبيس إكس، لكن ذلك يتطلب مزيدا من الاختبارات والتحقق من أداء المواد في ظروف تحاكي الرحلات الفضائية الفعلية.
وتوضح الدراسة كيف يمكن للجمع بين تقنيات التصوير المتقدمة والذكاء الاصطناعي أن يفتح نافذة جديدة على العمليات التي تحدث داخل المواد تحت الظروف القاسية، وهي عمليات يصعب رصدها بالوسائل التقليدية.