إن شاء الله ترجع الحرب وتولع»… وهل جرّبتم أن تحترق قلوب الناس قبل بيوتهم؟!
مقالات
إن شاء الله ترجع الحرب وتولع»… وهل جرّبتم أن تحترق قلوب الناس قبل بيوتهم؟!
عباس المعلم
12 تشرين الأول 2026 , 07:29 ص

«إن شاء الله ترجع الحرب وتولع»! عبارة يقذف بها البعض على قارعة الكلام، إما جهلًا، وإما يأسًا، وإما قصورًا في الإدراك وسطحيةً في مقاربة مرارة اللاحرب واللاسلم. لكن، قبل أن تستسهل الألسنة استدعاء الجحيم، هل تدرك العقول معنى أن تعود الحرب؟ نحن الذين نرى في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي التزامًا أخلاقيًا وإنسانيًا ودينيًا ووطنيًا، ونؤمن بحق الشعوب في الدفاع عن أرضها وكرامتها ومواجهة الظلم والاغتصاب، ندرك أيضًا أن المقاومة لم تُخلق لتشتهي الحروب، بل لتردع العدوان وتدفع الاحتلال وتحرر الأرض، وفق مقتضيات القدرة والظروف والزمان والأخذ بالأسباب. فالحرب ليست أمنية تُرفع إلى السماء، ولا نشوةً تُستحضر في المجالس؛ الحرب كُرهٌ، حتى حين تكون واجبًا، ولها من الأثمان ما لا تمحوه رايات النصر، ولا يخفف وطأته انكسار العدو.

قبل أن تتمنوا اشتعالها مجددًا، هل رأيتم طفلًا يتيمًا يفتش في وجوه الرجال عن ملامح أبيه، ويمد ذراعيه إلى كل عابر لعلّه يعثر على حضنٍ يشبه الحضن الذي ابتلعته الحرب؟ هل سمعتم بكاء صغيرٍ لا يفهم معنى الاستشهاد، لكنه يفهم أن أباه لن يعود، وأن الباب الذي اعتاد الركض نحوه سيبقى موصدًا إلى آخر العمر؟ هل عاينتم أمًّا انحنى ظهرها تحت نعش فلذة كبدها، أو أبًا شاخ في لحظة وهو يوارِي قطعةً من روحه في التراب؟ هل اقتربتم من زوجة شهيد، لتدركوا كيف يمكن لامرأة واحدة أن تحمل على كتفيها جبلًا من الفقد، وأن تكون لأطفالها أمًّا وأبًا وسندًا، فيما ينهش الغياب قلبها كل ليلة؟ هل تعرفون كم من الأرواح بقيت حيّةً في سجلات النفوس، لكنها دُفنت يوم دُفن أحباؤها؟

وهل وقفتم أمام رجلٍ عاد إلى قريته فلم يجد من بيته إلا ذاكرةً تحت الركام؟ هل رأيتم امرأةً تحدّق في أنقاض منزلها بعين، وتبحث بالأخرى عن مأوى لأطفالها؟ هل عاينتم وجع الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق، يحملون مفاتيح بيوتٍ لم تعد موجودة، وصور أحبةٍ رحلوا، وأعمارًا كاملةً تحولت إلى غبار؟ هل أدركتم معنى أن يفقد الإنسان سقفه ورزقه وطمأنينته دفعةً واحدة، وأن يُطالب بعد ذلك بالصبر والثبات، وكأن القلوب من صخر، وكأن الأرواح لا تتصدع؟ إن للبيوت المهدمة أنينًا لا يسمعه المتحمسون للحرب، وللأمهات المكلومات صلواتٍ مبللةً بالدمع، وللأطفال أوجاعًا لا تتسع لها كل خطابات البطولة.

ليس كل من يرفض الحرب خائفًا، ولا كل من يتمنى اندلاعها شجاعًا. ثمة فارق أخلاقي شاسع بين الاستعداد للتضحية حين تفرضها الضرورة، وبين اشتهاء التضحية حين يدفع أثمانها الآخرون. ومن لم تلسعه نار الفقد، ولم يذق مرارة النزوح، ولم يبت تحت سقف الخوف، فليتواضع أمام آلام الذين احترقوا، وليكفّ عن توزيع أمنيات الموت والخراب على الناس. إن الوفاء للشهداء لا يكون باستسهال المزيد من الشهداء، ولا تُصان تضحيات المقاومين بتحويل الحرب إلى رغبة عابرة. ومن حق الناس الذين بذلوا الدم والبيوت والأرزاق أن ينالوا استراحة محارب، وأن يلتقطوا ما تبقى من أنفاسهم، وأن يرمموا شيئًا من أرواحهم قبل جدران منازلهم.

وأخيرًا، ليس عيبًا أن نكره الحرب ونحن نرفض الاحتلال، ولا تناقض أن نتمسك بحق المقاومة ونحن نتمنى لأطفالنا صباحًا بلا جنازات، ولأمهاتنا ليلًا بلا فواجع. فالثبات لا يعني أن نستعذب الوجع، والكرامة لا تقتضي أن نستبيح أعمار الناس وأحزانهم. كفى عبثًا بجراح الذين لم تجف دماؤهم بعد، وكفى مزايدةً على أناسٍ لم يفرغوا من دفن أحبائهم ولم يجدوا بعد طريق العودة إلى بيوتهم. دعوا لهذه الأرض المنهكة فرصةً لتسترد أنفاسها، ولهذه القلوب المذبوحة فسحةً تتعلم فيها كيف تنبض من جديد.

فليس أشد قسوةً من عدوٍّ يشعل الحرب في أرضك، إلا أن تتحول الحرب في ألسنة بعض أبنائها إلى أمنية، فيما لا يزال أهلها يجمعون أشلاء أعمارهم من تحت الركام. لا تتمنّوا للناس حربًا جديدة؛ فبعضهم لم ينتهِ بعد من دفن الحرب السابقة في صدره، وبعضهم لا يزال ينتظر عند بابٍ لن يطرقه أبوه مرةً أخرى.

عباس المعلم - كاتب سياسي