عبد الحميد كناكري خوجة: وحدةٌ فارسيةٌ عربية... لا إمبرياليةَ غربية!
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: وحدةٌ فارسيةٌ عربية... لا إمبرياليةَ غربية!

«حين تتعانق ذاكرة الحضارتين، وتتآلف إرادة الشعوب، وتصبح السيادة حصنًا في وجه الهيمنة.»

حضارتان... وجسور تتجاوز الزمن:

ليست العلاقة بين الفرس والعرب مجرّد جوار جغرافي، ولا حكاية عابرة في سجل السياسة؛ إنها ذاكرة حضارية تشابكت فيها الثقافات، وتلاقحت فيها المعارف، وتعانقت في رحابها اللغة بالفكر، والأدب بالفلسفة. فمن فارس الضاربة جذورها في أعماق التاريخ، إلى الجزيرة العربية التي انطلقت منها رسالة الإسلام، امتدت جسور التفاعل لتسهم في تشكيل واحدة من أغنى التجارب الحضارية في تاريخ الإنسانية. إن الوحدة الفارسية العربية تجسيد لروابط حضارية عميقة، ودعوة إلى استنهاض طاقات التكامل بين شعبين عريقين، جمعتهما وشائج التاريخ والثقافة والمعرفة. فالأمم العظيمة تزداد قوة حين تتكامل خبراتها، وتتلاقح أفكارها، وتتضافر جهودها في سبيل النهضة والاستقلال وصناعة مستقبل يليق بأمجادها الحضارية.

«فارس العريقة... حين تصبح المعرفة إرثًا إنسانيًا»

من الإمبراطورية الأخمينية، التي برزت في القرن السادس قبل الميلاد، إلى العهد الساساني، تركت الحضارة الفارسية آثارًا بارزة في الإدارة والعمران والفنون وتنظيم شؤون الدولة. ولم تكن تلك التجربة مجرّد قصور منقوشة على جدار الزمن، بل إرثًا ثقافيًا يروي قدرة الإنسان على التنظيم والإبداع وصناعة الجمال. ومع انتشار الإسلام في بلاد فارس خلال القرن السابع الميلادي، دخلت المنطقة طورًا جديدًا من التفاعل الحضاري. حافظت الثقافة الفارسية على حيويتها، وتفاعلت مع اللغة العربية والتراث الإسلامي، وأسهم علماء وأدباء من أصول وبيئات متعددة في إثراء ميادين الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والأدب. ويبرز محمد بن زكريا الرازي (نحو 865–925م)، الطبيب الذي ترك مؤلفات مؤثرة، من أشهرها «الحاوي في الطب». ويأتي بعده ابن سينا (980–1037م)، صاحب «القانون في الطب»، الذي ظل مرجعًا مهمًا في تاريخ الطب، و«كتاب الشفاء» الذي تناول فيه الفلسفة وعلومًا أخرى. أما أبو الريحان البيروني (973–1048م تقريبًا)، فقد جمع بين الفلك والرياضيات والجغرافيا ودراسة ثقافات الشعوب، مقدّمًا نموذجًا للعقل الباحث الذي لا يكتفي بالموروث، بل يختبر المعرفة بالملاحظة والمقارنة. ويطل عمر الخيام (1048–1131م تقريبًا) عالمًا في الرياضيات والفلك وشاعرًا. وفي القرن الثالث عشر، أسهم نصير الدين الطوسي (1201–1274م) في تطوير الدراسات الفلكية والرياضية، وارتبط اسمه بمرصد مراغة. كما ترك كمال الدين الفارسي، المتوفى نحو عام 1320م، أعمالًا مهمة في البصريات ودراسة الضوء والألوان. لم تكن هذه الإنجازات ثمرة عزلة ثقافية، بل نتاج فضاء علمي واسع تفاعلت فيه العربية والفارسية وغيرهما من اللغات. وهنا تكمن عظمة التجربة: لم تكن الحضارة الإسلامية ملكًا حصريًا لشعب واحد، وإنما بناءً شاركت فيه أمم متعددة، أضافت كل منها لبنةً إلى صرح المعرفة الإنسانية.

«الأخوّة العربية الفارسية وحدةُ التاريخ وقوةُ المستقبل»

إن الروابط التاريخية بين العرب والإيرانيين تمثل رصيدًا حضاريًا ثريًا، قادرًا على إلهام أجيال جديدة من التعاون والتكامل. وقد أثبت التاريخ أن تفاعل الحضارتين العربية والفارسية أسهم في إثراء الثقافة الإسلامية والإنسانية، وأن التعاون بين الشعوب يفتح آفاقًا واسعة للنهضة العلمية والثقافية والاقتصادية. ويمثل التقارب بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدول العربية فرصة مهمة لتعزيز التعاون في التعليم والبحث العلمي والطاقة والتكنولوجيا والثقافة، وتوسيع مجالات الشراكة التي تخدم مصالح الشعوب وتدعم التنمية والاستقلال. كما يشكل التضامن في القضايا العادلة، وفي مقدمتها قضية الأرض المغتصبة من الكيان، أساسًا لتعزيز التفاهم وتوحيد الجهود في مواجهة التحديات المشتركة. إن الأخوّة العربية الفارسية ليست مجرد استعادة لصفحات مشرقة من التاريخ، بل رؤية مستقبلية تتطلع إلى منطقة تتكامل فيها الإمكانات، وتتبادل فيها الشعوب الخبرات، وتترسخ فيها روابط الاحترام والتضامن، بما يعزز مكانة الأمة وحضورها الحضاري.

«الإمبريالية الغربية... حين تتناقض الشعارات مع الوقائع»

إن نقد الهيمنة الغربية لا يستلزم إنكار منجزات المجتمعات الغربية العلمية والفكرية، ولا اختزال شعوبها في سياسات حكوماتها؛ فالحضارات أكثر اتساعًا من مواقف السلطات المتعاقبة. غير أن التقدم التقني لا يمنح هذه الدول الكبرى حق إخضاع الآخرين، ولا يبرر التدخل في شؤون الشعوب أو مصادرة حقها في اختيار مستقبلها. لقد خلّف الاستعمار الأوروبي آثارًا عميقة في مجتمعات كثيرة، من استغلال الموارد إلى فرض السيطرة السياسية والاقتصادية. وفي العصر الحديث، أثارت التدخلات العسكرية وسياسات الهيمنة التي مارستها قوى كبرى انتقادات واسعة، وأظهرت التناقض بين الشعارات المعلنة والممارسات التي تنتقص من استقلال الدول وحقوق الشعوب. وتظل فلسطين امتحانًا أخلاقيًا وسياسيًا صارخًا. فالاحتلال الإسرائيلي والاستيطان وتهجير الفلسطينيين ومعاناتهم تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لا يجوز أن تحكمها ازدواجية المعايير. كما أن الدعم العسكري والسياسي الأمريكي للغاصب الإسرائيلي يستحق المساءلة، خصوصًا عندما يرتبط بعمليات تُلحق أضرارًا جسيمة بالمدنيين وتفاقم الكارثة الإنسانية. إن الدفاع عن حقوق الشعوب المقهورة بمثابة موقف مبدئي يستند إلى العدالة وحقها في الحرية وتقرير المصير. كما أن مساندة الشعوب التي تواجه الاحتلال وتسعى إلى صون سيادتها واستقلالها تعبير عن الالتزام بحقوق الإنسان والقانون الدولي، بعيدًا عن الانتقائية التي تجعل الحقوق مرتبطة بموازين القوة. وفي المجال الثقافي، تظل صيانة كرامة الإنسان ومقاومة الاستغلال وتعزيز القيم الإنسانية المشتركة من أهم معايير التقدم الحضاري. فالتنوع الثقافي مصدر ثراء للمجتمعات، والتفاعل بين الحضارات سبيل لتبادل المعرفة وتوسيع آفاق الإبداع، بما يخدم الإنسان ويحفظ كرامته وحقوقه.

«من أمجاد الماضي إلى كرامة المستقبل»

إن الحضارة التي تستحق الخلود ليست التي تكتفي باستعادة أمجادها، بل التي تحوّل ذاكرتها إلى معرفة، ومعرفتها إلى نهضة، وقوتها إلى مسؤولية. ومن هنا، فإن التقارب الفارسي العربي فرصة تاريخية لتعزيز الشراكة الحضارية، وتوسيع التعاون العلمي والثقافي والاقتصادي، وترسيخ التضامن بين الشعوب، بما يفتح أمام الأجيال أبواب العلم والتنمية والازدهار. فلتكن الأخوّة العربية الفارسية عهدًا على التكامل والتضامن، واستلهام أمجاد التاريخ لبناء مستقبل أكثر إشراقًا، والدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان، وتعزيز استقلال المنطقة وكرامتها. فحين تتصافح الحضارات، تتلاقى الإرادات، وتتضافر الطاقات، وتصبح الذاكرة المشتركة منطلقًا لمستقبل تصنعه الشعوب بثقة ووعي واقتدار.

كاتب دمشقي حر في الغربة.