د . مهدي مبارك عبد الله
تواجه المملكة الأردنية الهاشمية في الآونة الأخيرة نمطاً غير تقليدي من المهددات الأمنية التي تجاوزت الأشكال الكلاسيكية للصراعات العسكرية والسياسية حيث تتجه الأنظار اليوم نحو حرب مخدرات شرسة وغير معلنة حيث تشير المعطيات والتقارير الاستقصائية إلى أن شبكات وعصابات إجرامية تنطلق من الداخل الإسرائيلي ومن مناطق نفوذها الجديدة في الجنوب السوري تقف وراء محاولات مستمرة وبغيضة لإغراق الساحة الأردنية بالمواد المخدرة والسموم الفتاكة ولم تعد عمليات التهريب هذه تعتمد على الوسائل البدائية أو التسلل الفردي بل انتقلت العصابات الإسرائيلية إلى استخدام وسائل تكنولوجية متطورة للغاية لتجاوز العقبات الجغرافية والمنظومات الأمنية المشتركة.
البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الأمنية الأردنية منذ مطلع عام 2026 تكشف عن استخدام هذه العصابات للطائرات المسيّرة رباعية المراوح والبالونات الموجهة لنقل الشحنات عبر الحدود وهي تكنولوجيا متطورة تُسخّر لتهريب مواد عالية الخطورة مستغلة الارتفاع الحاد في أسعارها داخل المملكة حيث نجحت قوات حرس الحدود مؤخرا في اعتراض وضبط كميات ضخمة وغير مسبوقة شملت أكثر من خمسة عشر ألف حبة كبتاغون ونحو عشرين ألف كيلوغرام من الميثامفيتامين الكريستالي النقي وما يقارب ستة آلاف قالب من الحشيش وهذه الأرقام الصادمة سلط تقرير استقصائي موسع نشرته صحيفة ديلي تلغراف البريطانية الضوء عليها حيث أكد أن خطوط التهريب المنظمة باتت تشكل هاجساً حقيقياً لعمّان .
جبهة المواجهة لا تقتصر على الحدود الغربية للأردن بل باتت تمتد لتشمل الحدود الشمالية المحاذية للجنوب السوري حيث يرى محللون عسكريون أن التدخل الإسرائيلي المباشر في جنوب سوريا ساهم بشكل طردي في انتعاش هذه التجارة غير المشروعة ومنذ التدخل العسكري الإسرائيلي وسيطرته الميدانية على أجزاء من الأراضي السورية الجنوبية عقب التحولات السياسية الكبرى وتشكيل حكومة أحمد الشرع الانتقالية عملت تل أبيب على توسيع دعمها المالي والعسكري لفصائل ومجموعات مسلحة محددة في محافظة السويداء وتحت غطاء هذا النفوذ وبفعل القيود الميدانية التي تكبّل قدرة الحكومة السورية المركزية على فرض سيادتها هناك تحولت أجزاء من السويداء إلى مراكز ومعامل حيوية لإنتاج وتصنيع المواد المخدرة ومن ثم إعادة توجيهها وتهريبها قسراً نحو الأراضي الأردنية.
العديد من الخبراء الأمنيون والسياسيون والمحللون الاستراتيجيون يرون أن سعي الشبكات الإجرامية لإغراق الأردن بالمخدرات يحمل أبعاداً استراتيجية خبيثة تتجاوز مجرد الربح المالي حيث تهدف هذه الحرب الصامتة إلى ضرب البنية الاجتماعية للمجتمع الأردني وتحديداً فئة الشباب من خلال نشر حبوب الكبتاغون بينهم والذين يمثلون عماد المستقبل مما ينهك الطاقات البشرية والاقتصادية للمملكة ويخلق تحديات أمنية واجتماعية داخلية تشغل الدولة عن ملفات إقليمية أخرى فضلاً عن استخدام ملف الجريمة المنظمة كأداة ضغط غير مباشرة على صانع القرار الاردني لتعديل مواقفه تجاه قضايا المنطقة ومحيطه العربي .
أبعاد هذا الملف وتطوراتها تجلت في شكل التراشق السياسي والإعلامي حيث تُبدي الأوساط العسكرية والسياسية الاردنية استياءً بالغاً من السياسة الإعلامية الإسرائيلية الانتقائية كما تؤكد مصادر أردنية مطلعة أن تل أبيب تسعى جاهدة لتضخيم حوادث تهريب الأسلحة الفردية من الأردن إلى ضفة الغربية بهدف خلق انطباع دولي بوجود تهديد أمني مستمر يهدد عمقها ومن ثم تبرير تعزيز نفوذها العسكري وتشديد الخناق في المناطق الحدودية بينما تتعمد إسرائيل فرض تعتيم كامل وتتجاهل تماماً الجهود الأردنية الضخمة في إحباط شبكات تهريب المخدرات القادمة من جهتها في وقت يكتفي فيه الجيش الإسرائيلي بنفي هذه الاتهامات مدعياً أنه يفرض إجراءات أمنية صارمة على طول حدوده الشرقية لمنع التسلل والأنشطة غير القانونية .
أمام هذا التهديد المركب والعابر للحدود وضعت القوات المسلحة الأردنية استراتيجية أمنية ودفاعية مضادة اتسمت بالحسم والجاهزية العالية حيث تم تكثيف العمليات الميدانية وتسيير دوريات حدودية راجلة وآلية مكثفة على مدار الساعة لغلق كافة الثغرات المحتملة بالتزامن مع تطوير وتحديث أبراج المراقبة الحدودية وتزويدها بأنظمة رصد ليلي وحراري متطورة تكشف حركة البالونات والمسيّرات بدقة بالإضافة إلى التوسع في تشغيل واستخدام الطائرات المسيّرة التابعة لسلاح الجو الملكي الأردني وقوات حرس الحدود لرصد المتسللين وملاحقتهم وإحباط عمليات التهريب في مهدها داخل أراضي المنطلق قبل وصولها إلى العمق الأردني لتثبت اليقظة العسكرية الأردنية أنها الصخرة التي تتحطم عليها كافة المشاريع التخريبية.
كما ان هذه الاستراتيجية الميدانية تتكامل مع مساعٍ أردنية حثيثة لبناء منظومة ردع إقليمية ودولية قائمة على تعزيز التعاون الاستخباراتي وتنسيق المواقف مع القوى الكبرى وحلفاء المملكة في المنطقة حيث تبذل الدبلوماسية الأردنية جهوداً مكثفة لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه ما تتعرض له حدود الأردن الشمالية والغربية من استهداف ممنهج مع التركيز على كشف الأبعاد الجيوسياسية لهذه التجارة العابرة للحدود وتأثيرها المباشر على الأمن والسلم الإقليميين وهو ما يساهم في بناء جدار حماية سياسي يدعم الجهود العسكرية المبذولة على الأرض ويضيق الخناق الدولي على الشبكات الإجرامية ومن يقف وراءها.
عمليا نطاق المواجهة الأردنية اصبح يتسع ويمتد إلى ما وراء الأبعاد الأمنية والعسكرية الصرفة حيث تقود مؤسسات الدولة المختلفة حرباً توعوية وثقافية شاملة تستهدف تحصين المجتمع الأردني من الداخل عبر برامج إعلامية وتعليمية مكثفة تسلط الضوء على الأنماط الجديدة لترويج المخدرات والمواد التخليقية الفتّاكة وذلك بهدف رفع مستوى الوعي المجتمعي لدى العائلات والشباب وتحذيرهم من الوقوع في فخاخ الكسب السريع أو الاستهلاك الإدماني الذي تديره عصابات عابرة للحدود مما يمثل خط الدفاع الأول الذي يساند الطوق العسكري المشدد لحرس الحدود ويحرم الأطراف المعادية من تحقيق أهدافها التدميرية.
خطورة المشكلة تتزايد يوميا في ظل محاولات عصابات الاجرام المستمرة لتطوير عقاقير مخدرة مصنعة كيميائياً داخل المختبرات الحدودية وتعديل تركيبتها لتصبح أكثر فتكاً وأسرع إدماناً وهو ما يفرض تحدياً إضافياً يتطلب تحديثاً مستمراً لمنظومات الفحص والرصد البيولوجي والكيميائي لدى الأجهزة الأمنية الأردنية والعمل على ملاحقة خطوط الإمداد اللوجستية التي تغذي تلك المعامل بالمواد الأولية بما يضمن إحباط هذه المخططات قبل تحولها إلى تهديد يستعصي على الاحتواء ويحفظ للمملكة تفوقها الأمني والعملياتي في إحباط الجريمة المنظمة.
ختاما : وتأسيساً على ما تقدم فإن الأردن يقف اليوم شامخاً في وجه عاصفة من المؤامرات والمخططات الخبيثة التي تستهدف أمنه واستقراره وبنيته الاجتماعية مما يستدعي من كافة أبناء الشعب الأردني العظيم الوقوف صفاً واحداً كالبنيان المرصوص والتحلي بأقصى درجات الوعي واليقظة لتفويت الفرصة على المتربصين بهذا الوطن العزيز الحاضن لقضايا أمته وفي هذا المقام نرفع أسمى آيات الشكر والاعتزاز والتقدير لقواتنا المسلحة الباسلة الجيش العربي المصطفوي ولعيون الأردن الساهرة في حرس الحدود وكافة الأجهزة الأمنية الذين يقفون سداً منيعاً وصخرة عاتية تتحطم عليها أحلام العابثين مجددين العهد بأن يبقى الأردن حراً أهيباً محصناً بوعي شعبه الامين وعزيمة جيشه المظفر وحرص قيادته الحكيمة .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية