زراعة الأرز في الفضاء لأجيال متتالية
منوعات
زراعة الأرز في الفضاء لأجيال متتالية
19 تشرين الأول 2026 , 13:36 م

أكمل رواد فضاء صينيون على متن محطة تيانغونغ الفضائية ما وصفوه بأنه «حصاد الخريف» ضمن تجربة لزراعة الأرز في الفضاء . ووفقا للتقارير، نجح الرواد في جمع دفعة جديدة من الأرز وزراعتها وتخزينها داخل المحطة.

‏وأُعلن عن هذه الخطوة في 18 أكتوبر 2026، وهي تمثل مرحلة مهمة في مشروع يهدف إلى معرفة ما إذا كان من الممكن إكثار الأرز عبر أجيال متعاقبة بالكامل في الفضاء.

‏بدأت التجربة ببذور أُحضرت من الأرض وزُرعت في المدار. ثم تُركت لتنبت وتنمو حتى النضج والإزهار وإنتاج بذور جديدة في ظروف الجاذبية الصغرى.

‏ويستخدم الباحثون البذور التي جُمعت من النباتات الأولى لزراعة جيل ثان داخل المدار نفسه. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن النباتات الجديدة ستنمو من بذور تكوّنت في بيئة الجاذبية الصغرى، وليس على الأرض.

‏لماذا يدرس العلماء أجيال الأرز في الفضاء؟

‏بحسب الأكاديمية الصينية للعلوم، بدأت التجربة في وقت سابق من عام 2026، وتهدف إلى إكمال دورتين كاملتين من البذرة إلى البذرة، أي زراعة الأرز حتى إنتاج بذور جديدة، ثم استخدام هذه البذور لبدء دورة أخرى في الفضاء.

‏وليست هذه المرة الأولى التي يُزرع فيها الأرز على متن محطة فضائية، إذ تحقق ذلك في عام 2022. لكن البذور الناتجة عن تلك النباتات أُعيدت إلى الأرض، حيث تمكن الباحثون من زراعة ثلاثة أجيال أخرى.

‏أما التجربة الحالية، فتركز على دراسة الاستقرار الوراثي لنباتات الأرز في ظروف الجاذبية الصغرى، ومعرفة ما إذا كانت الزراعة المتكررة في الفضاء تؤدي إلى تغييرات في النباتات مع مرور الأجيال.

‏فالكائنات الحية على الأرض تطورت في ظل تأثير الجاذبية، ولذلك قد يؤثر غياب الجاذبية الأرضية، أو انخفاض تأثيرها إلى حد كبير، في نمو النباتات وتطورها ونضجها وتكاثرها.

‏ولا يقتصر اهتمام الباحثين على التغيرات الجينية التي قد تحدث في الحمض النووي، بل يشمل أيضا التغيرات فوق الجينية، وهي تغيرات تؤثر في طريقة تشغيل الجينات أو تعطيلها من دون أن تتطلب بالضرورة تغييرا في تسلسل الحمض النووي نفسه.

‏ويأمل الفريق في تحديد كيفية تكيف الأرز مع الزراعة عبر أجيال متعاقبة في الفضاء، وما إذا كانت النباتات ستكتسب خصائص تؤثر في نموها وإنتاجها بعد تكرار دورات الزراعة.

‏مقارنة البذور الأرضية ببذور زُرعت سابقا في الفضاء

‏يقارن الباحثون أيضا بين بذور الأرز المزروعة على الأرض بصورة اعتيادية، ونسل نباتات الأرز التي سبق أن زُرعت في الفضاء عام 2022.

‏ومن المفترض أن تساعد هذه المقارنة على تحديد ما إذا كان التعرض السابق لظروف الجاذبية الصغرى يترك آثارا مستمرة في النباتات، يمكن أن تؤثر في نمو الأجيال اللاحقة وتطورها.

‏وإذا ظهرت اختلافات واضحة بين المجموعتين، فسيحتاج العلماء إلى دراسة أسبابها وتحديد ما إذا كانت مرتبطة بالتغيرات الوراثية أو فوق الجينية أو بعوامل أخرى.

‏وقد تساعد هذه النتائج مستقبلا على اختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للزراعة في البيئات الفضائية، وتطوير أساليب إنتاج غذائي أكثر استقرارا للبعثات الطويلة.

‏طريقتان لإنتاج الأرز في الفضاء

‏إلى جانب دراسة التكاثر عبر البذور، يختبر الفريق الصيني طريقتين لزراعة المحاصيل في ظروف الجاذبية الصغرى، بهدف تحديد الطريقة الأكثر فاعلية لإنتاج الغذاء في الفضاء.

‏أولا: التكاثر الجنسي عبر البذور

‏تعتمد الطريقة الأولى على التكاثر الجنسي للنباتات، من خلال نمو النبات حتى الإزهار وإنتاج البذور، ثم زراعة تلك البذور للحصول على جيل جديد.

‏وتتيح هذه الطريقة اختبار قدرة الأرز على إكمال دورة حياته وتكرارها في الفضاء، كما تساعد على دراسة التغيرات التي قد تظهر عبر الأجيال المتعاقبة.

‏لكن نجاح دورة واحدة من الزراعة وإنتاج البذور لا يكفي وحده لإثبات أن المحصول قادر على الاستمرار بصورة مستقرة لعدد كبير من الأجيال. ولهذا يسعى الباحثون إلى إكمال دورتين متتاليتين على متن المحطة.

‏ثانيا: إعادة النمو بعد الحصاد

‏تتمثل الطريقة الثانية في أسلوب زراعي يُعرف باسم إعادة النمو بعد الحصاد، أو إنتاج محصول ثان من النبات نفسه، ويُشار إليه بالإنجليزية باسم Ratooning.

‏ويعتمد هذا الأسلوب على حصاد الأرز مع الإبقاء على نظام الجذور الخاص بالنبات الأصلي، ما يسمح للنبات بإنتاج براعم جديدة يمكن أن تنمو وتنتج كمية إضافية من الأرز.

‏وقد يكون هذا الأسلوب أكثر كفاءة في بعض الظروف، لأنه يقلل الحاجة إلى إعادة زراعة المحصول من البداية بعد كل حصاد.

‏فإذا تمكن النبات نفسه من إنتاج عدة محاصيل متعاقبة بدلا من محصول واحد، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة كفاءة استخدام الموارد وتقليل الوقت والجهد اللازمين لزراعة الغذاء في الفضاء.

‏ومع ذلك، لا تزال التجربة تهدف إلى تحديد مدى نجاح هذه الطريقة في ظروف الجاذبية الصغرى، وما إذا كانت ستتفوق على الزراعة التقليدية عبر البذور أو ستعمل بصورة أفضل عند الجمع بين الأسلوبين.

‏خطوة نحو إنتاج الغذاء في الرحلات الفضائية الطويلة

‏يتمثل الهدف النهائي من التجربة في تطوير وسائل لإنتاج الغذاء في الفضاء، بما يقلل اعتماد رواد الفضاء على الإمدادات القادمة من الأرض.

‏وتزداد أهمية هذه المسألة مع التخطيط للبعثات الفضائية الطويلة، إذ يتطلب نقل الغذاء إلى الفضاء موارد وعمليات لوجستية مستمرة. وقد يتيح إنتاج المحاصيل داخل المركبات أو المحطات الفضائية توفير جزء من احتياجات الطواقم الغذائية محليا.

‏لكن زراعة الأرز بنجاح على متن محطة فضائية لا تعني بالضرورة إمكانية نقل التقنية نفسها مباشرة إلى القمر أو المريخ.

‏فالظروف على محطة فضائية تختلف كثيرا عن الظروف على سطح جرم سماوي آخر، بما في ذلك اختلاف مستويات الجاذبية، والتعرض للإشعاع، والبيئة المحيطة، والموارد المتاحة. كما أن نجاح الزراعة يتطلب توفير الماء والضوء والعناصر الغذائية ودرجات الحرارة المناسبة.

‏لذلك، تمثل تجربة الأرز خطوة بحثية مهمة لفهم كيفية نمو المحاصيل وتكاثرها خارج الأرض، لكنها لا تقدم بمفردها حلا نهائيا لمشكلة إنتاج الغذاء على القمر أو المريخ.

‏ما الذي يأمل العلماء في معرفته؟

‏يسعى الباحثون من خلال هذه التجربة إلى الإجابة عن أسئلة أساسية، أبرزها ما إذا كان الأرز يستطيع إكمال دورات متعاقبة من الزراعة وإنتاج البذور في الفضاء، وما إذا كانت ظروف الجاذبية الصغرى تؤثر في استقراره الوراثي أو في طريقة عمل جيناته.

‏كما يختبرون ما إذا كان الإبقاء على جذور النبات بعد الحصاد يمكن أن يوفر طريقة أكثر كفاءة لإنتاج محاصيل إضافية.

‏وستساعد نتائج هذه التجارب على توسيع المعرفة العلمية المتعلقة بالزراعة خارج الأرض، وتحديد التحديات التي ينبغي تجاوزها قبل الاعتماد على إنتاج المحاصيل لتوفير الغذاء في الرحلات الفضائية طويلة الأمد.