قد يتحول بروتين معروف بدوره في تعزيز نمو السرطان إلى حليف غير متوقع في علاجه. فقد أظهرت تجارب مخبرية وتجارب على الفئران أن تنشيط هذا البروتين داخل خلايا مناعية معدلة وراثيا يمكن أن يحد من نمو الأورام .
وأصبح سرطان القولون والمستقيم السبب الرئيسي للوفاة المرتبطة بالسرطان لدى الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 50 عاما. وفي المقابل، قد لا تحقق العلاجات الكيميائية وأدوية العلاج المناعي الحديثة النتائج المطلوبة في مواجهة الأنواع الأكثر شيوعا من هذا المرض
ودفع ارتفاع عبء المرض بين الشباب الباحثين في معهد كولد سبرينغ هاربور إلى دراسة إمكانية تعزيز قدرة الخلايا المناعية على مكافحة السرطان من خلال تغيير الطريقة التي تستخدم بها الطاقة.
وفي دراسة نشرت في مجلة Nature Immunology، وجد الفريق أن تنشيط بروتين يشارك في حرق الدهون ساعد الخلايا المناعية المعدلة على إبطاء نمو الأورام أو إيقافه في تجارب مخبرية وعلى الفئران.
والبروتين المعني هو PPARD، واسمه الكامل مستقبل دلتا المنشط بمكاثرات البيروكسيسوم، وهو بروتين يساهم في تنظيم كيفية استخدام خلايا الجسم للدهون.
ونشّط الباحثون هذا البروتين داخل الخلايا التائية المعدلة وراثيا والمعروفة باسم CAR T، وهي خلايا مناعية معدلة تستخدم بالفعل في بعض علاجات السرطان المناعية.
بروتين يساعد السرطان على النمو يصبح مفتاحا لتعزيز قدرة الخلايا المناعية على تدمير الأورام
تجارب على أورام بشرية مصغرة وفئران
لاختبار قدرة الخلايا التائية المعدلة على مهاجمة سرطان القولون والمستقيم البشري، استخدم الباحثون عضيات خلوية، وهي نماذج مصغرة للأورام تنمو انطلاقا من عينات أنسجة مأخوذة من المرضى.
كما اختبروا الخلايا المناعية المعدلة على خلايا سرطانية بشرية في المختبر، وعلى خلايا سرطانية بشرية زُرعت داخل الفئران.
وأظهرت التجارب تباطؤ نمو الأورام أو توقفه في هذه النماذج المختلفة.
كذلك تحقق الباحثون من نتائجهم في أنواع أخرى من الأورام، شملت سرطان الثدي وسرطان المبيض وسرطان الجلد الميلانيني.
وتشير النتائج إلى أن تنشيط البروتين PPARD في الخلايا المناعية قد يعزز قدرتها على مهاجمة الأورام، لكن هذه النتائج ما تزال تجريبية ولم تثبت فعاليتها أو سلامتها لدى المرضى.
كيف يغير البروتين دور الخلايا المناعية؟
يعمل البروتين PPARD بوصفه عاملا منظما للنسخ الجيني، أي إنه يساعد على التحكم في نشاط الجينات داخل الخلايا. وعادة ما يرتبط هذا البروتين بتعزيز نمو السرطان.
لكن فكرة استخدامه لتعزيز قدرة الخلايا المناعية استندت إلى مفهوم أوسع يتعلق بالكفاءة البيولوجية للخلايا.
ويعرف الأطباء منذ فترة طويلة أن اللياقة البدنية والحالة الصحية العامة تؤثران في نتائج علاج المرضى. ويرى سيمير بياض، الأستاذ المساعد في معهد كولد سبرينغ هاربور، أن هذا المفهوم يمكن أن يمتد إلى مستوى الخلايا نفسها، بما في ذلك قدرتها على استخدام الطاقة وأداء وظائفها.
وقال بياض: «افترضنا أن العوامل التي تحدد كفاءة الخلايا السرطانية وخلايا جهازنا المناعي قد لا تكون مختلفة كثيرا. فهي تعمل في العالم نفسه، وتخضع للقواعد الكيميائية والفيزيائية نفسها، ولذلك ليس من المستغرب أن تتطور بطرق متشابهة».
وقبل اختبار هذه الاستراتيجية في الخلايا التائية المعدلة، درس مختبر بياض دور البروتين PPARD في نموذج فأري لسرطان القولون والمستقيم.
وعلى الرغم من أن الخلايا السرطانية نفسها تحتوي على هذا البروتين، فإن تنشيطه في الخلايا المناعية غيّر البيئة المحيطة بالورم، من بيئة تساعد على دعم السرطان إلى بيئة تعمل ضده.
وأوضح بياض أن الأمر يتعلق بكفاءة الخلايا، قائلا إن ما تتناوله الخلايا يؤثر في طبيعتها ووظائفها، وإن زيادة اعتماد الخلايا المناعية على حرق الدهون تجعلها أكثر قدرة على مكافحة السرطان.
تعزيز الخلايا التائية لمواجهة الأورام الصلبة
تستخدم علاجات الخلايا التائية المعدلة وراثيا CAR T في علاج بعض سرطانات الدم، لكنها حققت نجاحا محدودا حتى الآن في مواجهة الأورام الصلبة، مثل أورام القولون والمستقيم.
ويبحث العلماء عن طرق لتحسين قدرة هذه الخلايا على الوصول إلى الأورام الصلبة ومهاجمتها بفاعلية أكبر.
وتوضح التجارب التي أجراها فريق بياض أن تنشيط البروتين PPARD قد يكون أحد الأساليب الممكنة لتعزيز كفاءة هذه الخلايا.
وفي إحدى التجارب، قارن الباحثون بين الخلايا التائية المعدلة التي جرى تنشيط البروتين فيها وتلك التي لم يُنشط فيها، باستخدام نماذج مصغرة لأورام سرطان القولون والمستقيم.
وظهرت الخلايا التائية باللون الأخضر، بينما ظهرت العضيات الورمية باللون الأحمر. واستخدم الباحثون صبغة زرقاء لقياس مدى فاعلية مجموعات الخلايا المختلفة في القضاء على العضيات السرطانية.
وشبّه بياض الدورين المتعاكسين للبروتين PPARD بالقوة في سلسلة أفلام «حرب النجوم»، إذ يمكنه أن يعزز المرض كما يفعل دارث فيدر عندما ينفذ إرادة الإمبراطور، أو أن ينقلب ضد المرض كما فعل أناكين سكاي ووكر عندما اختار الجانب المضيء.
وقال بياض: «إنه الصراع التقليدي بين الخير والشر. كيف يمكن للخير أن ينتصر في النهاية؟ قد يكون تنشيط البروتين PPARD في الخلايا المناعية هو الطريق إلى ذلك».
هل يمكن تطبيق الفكرة على أمراض أخرى؟
لا تزال النتائج في المرحلة التجريبية، لكن بياض يرى أنها قد تمثل بداية لمسار أوسع لتحسين فاعلية العلاج المناعي للسرطان، ووصفها بأنها «قمة جبل الجليد».
ويعمل مختبره حاليا على تطبيق هذه الاستراتيجية في دراسة الانتباذ البطاني الرحمي، وهو مرض التهابي مزمن يصيب نحو امرأة واحدة من كل عشر نساء، وما زالت الحاجة قائمة إلى علاجات أكثر فاعلية له.
وقال بياض إن تعزيز كفاءة الخلايا المناعية قد يساعد أيضا في التعامل مع حالات أخرى يعجز فيها الجهاز المناعي عن التخلص من الخلايا المريضة.
ومع ذلك، يتطلب الانتقال من النتائج المخبرية والتجارب على الحيوانات إلى علاج متاح للمرضى إجراء دراسات إضافية لتقييم الفاعلية والسلامة وتحديد أفضل طريقة لتطبيق هذا النهج لدى البشر.