حزب الله أمام أخطر اختبار للحكمة الاستراتيجية: حين يصبح تجنّب الحرب ضرورة لحماية القوة لا تخلّياً عنها؟؟
مقالات
حزب الله أمام أخطر اختبار للحكمة الاستراتيجية: حين يصبح تجنّب الحرب ضرورة لحماية القوة لا تخلّياً عنها؟؟
عباس المعلم
21 تشرين الأول 2026 , 16:51 م


يتصاعد الحديث عن احتمال دخول حزب الله مواجهة عسكرية واسعة إذا تعرّضت إيران لهجوم أميركي–إسرائيلي مشترك، غير أنّ السؤال الأكثر إلحاحاً لا ينبغي أن يكون عمّا إذا كان الحزب سيدخل الحرب، بل عمّا يمكن أن يجنيه من دخولها، وما قد يخسره جرّاء ذلك. فالتجارب القاسية التي راكمتها الأشهر الماضية، والتحوّلات الجيوسياسية والعسكرية التي عصفت بالمنطقة، تفرض مقاربة مختلفة تقوم على تغليب العقل الاستراتيجي على الاندفاع الميداني، وحساب النتائج لا الاكتفاء بمشروعية الدوافع. ومن بالغ الحكمة والمسؤولية أن يتجنّب الحزب، إلى أقصى الحدود الممكنة، الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمتلك ضمانات للتحكّم بمساراتها أو احتواء تداعياتها، خصوصاً أنّ الحروب لا تُقاس بشجاعة خوضها وحدها، بل بجدوى نتائجها وحجم الأثمان التي تفرضها.

وفي القراءة العسكرية البحتة، يصعب تصوّر أن تؤدي مواجهة جديدة يخوضها الحزب في الظروف الراهنة إلى تعديل جوهري في موازين القوى أو تغيير المعادلات القائمة، فيما تبقى احتمالات تداعياتها الكارثية على لبنان وبيئة الحزب مرتفعة للغاية. حتى الرهان على استثمار انشغال إسرائيل بحرب واسعة ضد إيران لم يعد خياراً مضمون الجدوى، في ظلّ الوقائع الميدانية المستجدّة جنوباً، وما يُطرح عن تمدّد الاحتلال وتدمير المناطق التي يسيطر عليها، والانتشار العسكري الإسرائيلي في محيط المداخل المؤدية إلى شمال الليطاني. وعليه، فإنّ الأولوية الاستراتيجية الأكثر إلحاحاً تكمن في إعادة ترميم التوازنات الداخلية، وتحصين البيئة الاجتماعية والاقتصادية، واستعادة عناصر المناعة السياسية والتنظيمية،

أما الخيار الأكثر واقعية ومسؤولية، فيتمثّل في اعتماد استراتيجية صبرٍ محسوب تمتد، إن أمكن، لعامين على الأقل، يكون عنوانها حماية ما تبقّى من المكتسبات، وتعزيز الحضور السياسي والشعبي والتنظيمي، وإعادة بناء عناصر القوة بعيداً عن الاستنزاف العسكري المفتوح. وليس المطلوب من الحزب التخلّي عن ثوابته أو التسليم بالوقائع المفروضة، بل إعادة صياغة أولوياته وأدواته بما يتلاءم مع التحوّلات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الثلاث الماضية. فالثبات على المبادئ لا يعني الجمود في الوسائل، والتمسّك بالقوة لا يستوجب استخدامها في كل مواجهة. ولعلّ الاختبار الأصعب أمام قيادة الحزب اليوم ليس إثبات قدرتها على خوض حرب جديدة، بل إثبات قدرتها على تجنّب حرب لا تخدم أهدافها، وحماية مجتمعها من أثمان لا طاقة له باحتمالها. ففي المنعطفات التاريخية الكبرى، قد تكون الشجاعة في ضبط القوة أشدّ ندرةً وأعظم أثراً من الشجاعة في إطلاقها، وقد يصبح الامتناع عن الحرب، حين تنتفي جدواها، أرقى أشكال المسؤولية الوطنية والاستراتيجية.

عباس المعلم- كاتب سياسي