أعلن علماء روس عن تطوير مركبات دوائية جديدة قد تساعد على تقليل الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي ، من خلال استهداف الخلايا السرطانية بآليات متعددة. وقدم أرتيوم غوشتشين، رئيس مختبر كيمياء المركبات المعقدة في معهد نيكولايف للكيمياء غير العضوية التابع لفرع سيبيريا في الأكاديمية الروسية للعلوم، هذه الأبحاث خلال مشاركته في المشروع الدولي «علماء المستقبل» في صربيا.
وأوضح غوشتشين، في تصريحات لوكالة ريا نوفوستي، أن نحو ثلثي مرضى السرطان يخضعون للعلاج الكيميائي، الذي يعتمد على مواد قوية تستهدف الخلايا الورمية. لكن هذا العلاج يواجه تحديين رئيسيين: إذ يمكن أن تلحق مواده الفعالة الضرر بالخلايا السليمة إلى جانب الخلايا السرطانية، كما تستطيع الخلايا الخبيثة تطوير مقاومة للأدوية بمرور الوقت.
لماذا يحتاج العلاج الكيميائي إلى أدوية جديدة؟
تعتمد فعالية العديد من أدوية العلاج الكيميائي على مكونين أساسيين: المعدن، الذي يكون البلاتين في كثير من الحالات، والروابط الكيميائية التي تحيط بذرة المعدن وتؤثر في طريقة تفاعله مع أنسجة الجسم.
ويعد سيسبلاتين أحد الأدوية المعروفة في هذا المجال، إذ يستخدم منذ سبعينيات القرن العشرين، ويعمل على إتلاف الحمض النووي (DNA) للخلايا، ما يعيق قدرتها على مواصلة الانقسام والتكاثر.
لكن تأثيره لا يقتصر دائما على الخلايا السرطانية، كما يمكن أن تطور بعض الأورام مقاومة له. ولهذا يسعى الباحثون إلى ابتكار مركبات جديدة تزيد القدرة على استهداف الورم، وتحد من الأضرار التي قد تصيب الأنسجة السليمة.
مركبات معدنية تعمل بآليات متعددة
يعمل الباحثون الروس على تطوير مركبات جديدة للعلاج الكيميائي تعتمد على معادن نبيلة وروابط كيميائية أكثر تعقيدا، تعرف باسم «بيس إيمينوأسينافثينات» (BIAN).
ووفقا لغوشتشين، أظهرت المركبات التي طورها الفريق في مراحل البحث الأولى آلية عمل متعددة الأهداف داخل الجزيء الواحد، على خلاف الأدوية التقليدية التي قد تعتمد بصورة أساسية على آلية محددة لإتلاف الخلايا السرطانية.
وأوضح أن هذه المركبات يمكن أن تؤثر في الخلايا السرطانية بطرق متزامنة، وهو ما قد يساعد على تعزيز تأثيرها العلاجي والحد من قدرة الخلايا على مقاومة الدواء. وأشار إلى أن باحثين صربا أبدوا اهتماما بالتعاون مع نظرائهم الروس في هذا المجال.
كيف تستهدف المركبات الجديدة الخلايا السرطانية؟
شرح غوشتشين أن المعقدات المعدنية الجديدة يمكن أن تؤثر في الخلايا السرطانية من خلال عدة آليات مترابطة.
أولا، ترتبط هذه المركبات بالحمض النووي للخلايا عبر ذرة المعدن. كما يمكنها التداخل بين أزواج القواعد المكونة للحمض النووي، وهي عملية تعرف باسم «التداخل بين القواعد» أو «الاستقحام الجزيئي»، وتساعد بنيتها الكيميائية على حدوثها.
ثانيا، تعمل المركبات بوصفها عوامل محفزة للأكسدة، ما يؤدي إلى زيادة الإجهاد التأكسدي داخل الخلية إلى مستويات قد تكون مدمرة لها.
وثالثا، يمكن أن تتسبب في إتلاف الميتوكوندريا، وهي أجزاء داخل الخلية تؤدي دورا أساسيا في إنتاج الطاقة وتنظيم عدد من العمليات الخلوية.
ويرى الباحثون أن الجمع بين هذه التأثيرات قد يتيح مهاجمة الخلايا السرطانية بطرق متعددة، بدلا من الاعتماد على مسار واحد فقط.
انتقائية أعلى وأضرار أقل في التجارب الأولية
أشار غوشتشين إلى أن المركبات الجديدة القائمة على الذهب وروابط BIAN أظهرت انتقائية أكبر تجاه الخلايا السرطانية في الاختبارات التي أجريت عليها.
وذكر أن مؤشر الانتقائية لهذه المركبات قد يصل إلى 20. ويستخدم هذا المؤشر لمقارنة التأثير السام في الخلايا السرطانية بالتأثير في الخلايا السليمة، لكن تفسير قيمته يعتمد على طريقة حسابه والاختبارات المستخدمة.
وفي الدراسات التي أجريت على الحيوانات الحية، لم يرصد الباحثون علامات واضحة على السمية الكلوية أو الكبدية، كما حافظت أنسجة الكبد والكلى على بنيتها الطبيعية وفقا للنتائج التي عرضها الباحث.
ومع ذلك، فإن غياب هذه العلامات في التجارب الحيوانية لا يثبت أن المركبات آمنة لدى البشر، إذ يتطلب تحديد سلامتها وجرعاتها المناسبة إجراء دراسات إضافية قبل الانتقال إلى الاستخدام السريري.
نتائج واعدة ضد أورام القولون لدى الفئران
أفاد الفريق البحثي بأن تجارب أجريت على فئران مصابة بأورام في القولون أظهرت تباطؤا ملحوظا في نمو الأورام بعد استخدام المركبات الذهبية الجديدة.
ووفقا لغوشتشين، لم تسجل التجارب سمية عامة واضحة أو فقدانا في وزن الحيوانات، كما أظهرت النتائج أن المركبات يمكن أن تحفز نوعا من موت الخلايا يعرف باسم «الموت الخلوي المناعي».
ويحدث هذا النوع من الموت عندما تطلق الخلية المحتضرة إشارات أو جزيئات محددة تنبه الجهاز المناعي إلى وجودها، ما قد يساعد على كشف الخلايا السرطانية أمامه وتحفيز الاستجابة المناعية ضد الورم.
وأوضح الباحث أن هذه العملية قد تساعد الخلايا التائية، وهي نوع من خلايا الجهاز المناعي، على التعرف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها.
وإذا تأكدت هذه النتائج في دراسات لاحقة، فقد تفتح المجال أمام تطوير أدوية تجمع بين التأثير المباشر في الخلايا السرطانية وتحفيز استجابة الجهاز المناعي ضدها.
هل أصبحت الأدوية جاهزة لعلاج المرضى؟
على الرغم من النتائج المشجعة التي أبلغ عنها الباحثون، فإن المركبات لا تزال في مرحلة البحث قبل السريري، وفقا للمعلومات الواردة في التصريحات المنشورة.
فالنجاح في التجارب المخبرية وعلى الحيوانات لا يضمن بالضرورة تحقيق النتائج نفسها لدى البشر. ولا بد من إجراء دراسات إضافية لتقييم فعالية المركبات وسلامتها، وتحديد الجرعات المناسبة، وفهم آثارها الجانبية المحتملة، قبل اختبارها في تجارب سريرية على المرضى.
وأكد غوشتشين أن النتائج الأولية تمثل خطوة نحو تطوير علاجات مستقبلية متعددة الآليات للأورام الخبيثة، لكن تحديد قيمتها الطبية الفعلية سيعتمد على نتائج الأبحاث اللاحقة.
مشروع دولي لدعم الباحثين الشباب
قدم غوشتشين أبحاثه في صربيا ضمن مشروع «علماء المستقبل»، الذي يستهدف طلاب المرحلة الثانوية والجامعات وطلاب الدراسات العليا والباحثين الشباب من خارج روسيا، ممن يرغبون في متابعة أحدث الأبحاث العلمية واستكشاف المسارات التعليمية والمهنية في مجال العلوم.
ويُنفذ المشروع خلال العقد الروسي للعلوم والتكنولوجيا، بمبادرة ودعم من وزارة العلوم والتعليم العالي الروسية، وبمشاركة وزارة الخارجية الروسية والوكالة الفيدرالية للتعاون الإنساني الدولي. ويتولى معهد بوشكين الحكومي للغة الروسية تنظيم المشروع.