‏اكتشاف مقبرة حوت في أعماق القطب الشمالي يكشف نظاما بيئيا خفيا
منوعات
‏اكتشاف مقبرة حوت في أعماق القطب الشمالي يكشف نظاما بيئيا خفيا
23 تشرين الأول 2026 , 15:31 م

عثر علماء نرويجيون على بقايا حوت مدفونة في قاع المحيط المتجمد الشمالي ، بعدما لاحظوا تجمعا غير مألوف من الديدان البحرية خلال رحلة استكشافية باستخدام مركبة تعمل عن بعد.

‏وفي وقت سابق من عام 2026، كان فريق من الباحثين التابعين لجهات حكومية نرويجية يستكشف قاع البحر بواسطة مركبة يتم التحكم فيها عن بعد، عندما لاحظ بقعة مختلفة عن التضاريس المحيطة بها. وأدى فحص الموقع وأخذ عينات من الرواسب إلى اكتشاف عظام وأسنان وسط تجمع غني بالكائنات البحرية الصغيرة.

‏كومة من الديدان تكشف السر

‏كان قاع البحر يبدو متجانسا إلى حد كبير، لكن الباحثين لاحظوا في إحدى المناطق تجمعا كثيفا من الديدان الأنبوبية، وهي كائنات طويلة ورفيعة تعيش في الرواسب البحرية أو فوقها.

‏وعندما استخدمت المركبة أداة لجمع عينة من قاع البحر، ظهرت سحابة سوداء كثيفة حجبت الرؤية لفترة وجيزة. وبعد انقشاعها، تمكن الباحثون من رؤية بيئة غنية بالكائنات الصغيرة المتحركة، تنتشر بين عظام وأسنان متناثرة.

‏وجمع الفريق عينة من الموقع داخل حاوية مخصصة في المركبة، ثم أعادها إلى سطح البحر لتحليلها.

‏وكتب الباحثون في سجل الرحلة العلمية، الذي نشر على الإنترنت في مايو، أن رائحة العينة لم تكن سيئة بالقدر المتوقع، لكنهم استخدموا أقنعة واقية من الغاز احتياطا. وأضافوا أنهم شعروا وكأنهم علماء آثار حقيقيون يستكشفون أعماق المحيط.

‏وسرعان ما اتضح أن العظام والأسنان تعود إلى حوت نافق، وأن الفريق اكتشف ما يشبه مقبرة للحيتان في قاع البحر.

‏لماذا ظهرت سحابة سوداء من الرواسب؟

‏يمكن أن تظهر سحب سوداء عند تحريك الرواسب البحرية التي تحتوي على كميات كبيرة من المواد العضوية المتحللة.

‏وتشير هذه الظاهرة أحيانا إلى نشاط بكتيري مرتفع واستهلاك كميات كبيرة من الأكسجين، إذ تعمل الكائنات الدقيقة على تحليل المواد العضوية المتراكمة في الرواسب.

‏وفي المواقع التي تتراكم فيها بقايا الكائنات الكبيرة، مثل الحيتان، قد تنشأ ظروف كيميائية وبيولوجية خاصة تدعم مجتمعات من الكائنات التي تتغذى على المواد المتحللة أو تعيش في البيئة المحيطة بها.

‏لكن لون السحابة وحده لا يكفي لتحديد تركيب الرواسب أو طبيعة التفاعلات التي تجري فيها؛ إذ يحتاج ذلك إلى تحليل العينات.

‏ما المقصود بسقوط الحيتان؟

‏يطلق العلماء مصطلح «سقوط الحيتان» على الحالة التي تصل فيها جثة حوت نافق إلى قاع البحر، لتصبح مصدرا غذائيا مهما للكائنات البحرية.

‏وعلى غرار الواحة في الصحراء، توفر هذه الجثث موردا مركزا من الغذاء في بيئة أعماق البحار التي قد تكون فقيرة بالمواد العضوية المتاحة.

‏ومع تحلل اللحم والأنسجة، ثم العظام بمرور الوقت، تستفيد أنواع مختلفة من الكائنات من هذا المورد. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تنوع الأنواع في المنطقة، كما يمكن أن توفر هذه المواقع نقاطا تساعد بعض الكائنات على الانتشار بين أجزاء متباعدة من قاع المحيط.

‏ولا يقتصر دور سقوط الحيتان على توفير الغذاء، بل يشمل أيضا المساهمة في تخزين الكربون داخل أعماق البحر، والمشاركة في دورات عناصر مهمة مثل الكبريت والنيتروجين والفوسفور.

‏عظام قد تختفي تحت الرواسب

‏لا تكون بقايا الحيتان واضحة دائما على سطح قاع البحر. فقد تغوص العظام تحت الرواسب مع مرور الوقت، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة خلال المسوحات البحرية.

‏ويظهر الاكتشاف الجديد في القطب الشمالي كيف يمكن لموقع يبدو عاديا أن يخفي بقايا حيوان ضخم ونظاما بيئيا مرتبطا به.

‏وقد تصبح هذه المواقع عرضة للاضطراب أو التدمير إذا جرت أعمال الحفر أو التعدين في قاع البحر من دون التعرف إلى خصائصها البيئية مسبقا.

‏وأشار الباحثون إلى واقعة أخرى حدثت خلال رحلة استكشافية قبالة سواحل أستراليا عام 2017، عندما جرى سحب بقايا حوت طبيعي من قاع البحر على عمق يقارب ألف متر.

‏وتوضح هذه الأمثلة أن بقايا الحيتان قد لا تكون مرئية بسهولة، وأن بعض الموارد الغذائية المهمة للكائنات البحرية في الأعماق يمكن أن تتضرر بفعل الأنشطة البشرية قبل أن يكتشفها العلماء.

‏التعدين في أعماق البحار يثير مخاوف بيئية

‏يحتوي قاع المحيط على موارد معدنية ذات قيمة اقتصادية، لكنه يضم أيضا أنظمة بيئية لا يزال العلماء يفتقرون إلى معلومات كافية عنها.

‏ويخشى بعض الباحثين في علوم البحار أن تؤدي عمليات التعدين في الأعماق إلى تدمير موائل حساسة، وإزعاج الكائنات التي تعتمد على موارد غذائية نادرة، فضلا عن تغيير خصائص الرواسب والبيئة المحيطة بها.

‏وتزداد المخاوف عندما تكون المواقع البيئية المهمة مدفونة تحت الرواسب أو يصعب رصدها بالمسوحات التقليدية.

‏وأوضح فريق برنامج «MAREANO» النرويجي لرسم خرائط قاع البحر أن التدفقات النادرة للمواد العضوية، مثل بقايا الحيتان، تدعم مجتمعات متخصصة من الكائنات البحرية، قد تكون مؤقتة الوجود في الموقع. وأضاف أن كيفية انتشار هذه الكائنات وتوزعها وأدوارها البيئية وترابط تجمعاتها عبر أعماق المحيط لا تزال غير مفهومة بالكامل.

‏وهذا يعني أن تدمير موقع واحد قد يؤثر في شبكة بيئية أوسع، وليس فقط في الكائنات التي تعيش مباشرة فوق البقايا.

‏اكتشاف يسلط الضوء على ما لا نعرفه عن أعماق المحيط

‏يؤكد اكتشاف بقايا الحوت أن قاع البحر قد يخفي موائل مهمة لا يمكن التعرف إليها من خلال المظهر الخارجي وحده.

‏كما يبرز الدور الذي تؤديه الحيتان النافقة في دعم الحياة البحرية، من خلال توفير الغذاء والمساهمة في دورات العناصر وتخزين الكربون.

‏ويرى الباحثون أن حماية هذه البيئات تتطلب مزيدا من الاستكشاف ورسم الخرائط البحرية، حتى يمكن تحديد الموائل الحساسة قبل تنفيذ الأنشطة الصناعية في أعماق المحيط.

‏ومع التوسع المحتمل في التعدين البحري، تزداد أهمية فهم هذه النظم البيئية التي لا تزال أجزاء واسعة منها غير معروفة، لتجنب إتلاف موارد طبيعية قد تكون أساسية لاستمرار الحياة في أعماق البحار.

الأكثر قراءة بين الحرب واللاحرب
بين الحرب واللاحرب
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً