الإرهاب لا يأتي من فراغ… والفاتورة سيدفعها الجميع
مقالات
الإرهاب لا يأتي من فراغ… والفاتورة سيدفعها الجميع
ميرنا عجيب
24 تشرين الأول 2026 , 19:47 م

حين تُفتح أبواب الدول أمام المقاتلين الجهاديين، ويُعاد تقديمهم بوصفهم جزءاً من ترتيبات سياسية جديدة، لا يختفي الفكر الذي يحملونه، ولا تُمحى مخاطره بقرار سياسي.

ما يحدث هو أن قنبلة موقوتة تُزرع في قلب المنطقة، فيما ينشغل أصحاب القرار بحسابات النفوذ والمصالح، وكأن المجتمعات التي ستواجه تداعيات هذا الخيار ليست سوى تفاصيل هامشية في صفقات أكبر منها.

اليوم، لم يعد السؤال إن كان تمدد الفكر الجهادي سيترك آثاراً تتجاوز الحدود السورية، بل إلى أي مدى ستصل هذه التداعيات، ومن سيدفع ثمنها؛ وما جرى في الأردن، يعيد فتح ملف بالغ الخطورة: ماذا يحدث حين يُعاد تدوير التطرف سياسياً، ويُترك خطاب الكراهية لينمو، ثم يُطلب من الجميع التصرف بدهشة عندما تظهر النتائج؟

فالإرهاب ليس حادثة منفصلة عن سياقها، بل قد يكون النتيجة المتوقعة لخيارات جرى تسويقها باعتبارها حلولاً سياسية، من دون حساب كلفتها الأمنية والإنسانية على سوريا والمنطقة بأكملها.

منذ وصول السلطة ذات الخلفية الجهادية إلى الحكم في سوريا، دخلت البلاد مرحلة شديدة الخطورة، ليس فقط بسبب طبيعة السلطة وتاريخها، وإنما أيضاً بسبب الطريقة التي جرى فيها التعامل مع هذا التحول إقليمياً ودولياً.

آلاف المقاتلين الأجانب، والمحليين؛ الذين حملوا معهم تجارب وأفكاراً جهادية متطرفة، أصبحوا جزءاً من المشهد السوري، وسط تسهيلات وترحيب عربي ودولي، وكأن تغيير مواقعهم ورفع بعض القيود عنهم كافيان لتحويلهم إلى عامل استقرار.

لكن من قرر أن المقاتل المتشبع بالفكر الجهادي يتحول تلقائياً إلى مواطن ملتزم بالقانون لمجرد تغير موقعه؟ ومن ضمن أن الأفكار التي حملها معه ستختفي بمجرد دخوله مؤسسات السلطة أو حصوله على موقع فيها؟

المشكلة ليست فقط في وجود هؤلاء المقاتلين، وإنما في الاعتقاد بأن احتواءهم سياسياً كفيل بإنهاء الخطر، من دون محاسبة حقيقية، أو مراجعة فكرية جدية، أو ضمانات تحمي المجتمع من التطرف والعنف.

والأخطر أن هذا التحول جرى وسط تهليل من أطراف عربية وغربية، تعاملت مع سوريا وكأنها ساحة لتصفية الحسابات وإعادة ترتيب النفوذ، أكثر مما هي بلد يضم ملايين المدنيين الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمهم وأمنهم ومستقبلهم.

وهنا نستطيع القول انه حين تتحول مصالح الدول إلى المعيار الوحيد للسياسة، تصبح حياة السوريين وربما المدنيين في المنطقة تفصيلاً قابلاً للتجاهل، وتتحول المخاطر المؤجلة إلى فاتورة يدفعها الناس، لا أصحاب الصفقات.

وما نشهده اليوم من تصاعد لخطاب الكراهية والشيطنة والتخوين داخل سوريا لا يمكن فصله عن هذا المشهد خاصة عندما يُقدَّم المختلف باعتباره عدواً، وتُستخدم الشعارات الدينية والسياسية لتبرير الإقصاء والتحريض، وحين يُترك أصحاب الخطاب المتطرف لملء الفضاء العام، يصبح السؤال ليس ما إذا كان التطرف سينتج عن هذه البيئة، وإنما متى وأين سيظهر، ومن سيكون ضحيته التالية.

وهنا تحديداً، لا يمكن تجاهل ما جرى في الأردن. فالحادثة، مع ضرورة انتظار نتائج التحقيقات الرسمية وعدم استباقها أو الجزم بارتباطها بأي جهة، تفرض أسئلة جدية عن المخاطر الأمنية التي قد تنتج عن تمدد الفكر الجهادي وشبكاته في المنطقة. وإذا ثبت وجود ارتباط بين الحادثة ومسارات التطرف العابرة للحدود، فلن تكون مجرد واقعة أمنية معزولة، بل مؤشراً يستحق التوقف عنده ملياً.

المشكلة أن الخطر الذي يجري التساهل معه اليوم داخل سوريا، ليس بالضرورة أن يبقى محصوراً داخل حدودها غداً فالأفكار المتطرفة لا تعترف بالحدود السياسية، والشبكات الجهادية لا تتوقف عند خرائط الدول، ومن يعتقد أنه قادر على استخدام هذه القوى لتحقيق أهدافه ثم ضبط حركتها إلى الأبد، يراهن على وهم خطير.

لكن ثمة وجهاً آخر للمشهد لا يقل خطورة: إسرائيل، التي تواصل توسيع تدخلها العسكري داخل الأراضي السورية، قد تجد في تنامي خطر الجماعات الجهادية ذريعة إضافية لتبرير توغلات أوسع وعمليات عسكرية جديدة تحت عنوان محاربة الإرهاب.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: خطر التطرف الحقيقي، الذي يستوجب مواجهة جادة، وتوظيف هذا الخطر سياسياً وعسكرياً لتبرير الاحتلال أو فرض وقائع جديدة على الأرض.

فوجود جماعات متطرفة لا يمنح إسرائيل شرعية لانتهاك السيادة السورية، مثلما أن رفض الاحتلال لا يعني إنكار خطر الجهادية أو التهوين من تهديدها.

بهذا المعنى، تواجه سوريا اليوم خطرين متداخلين: خطر داخلي يتمثل في تمدد الفكر المتطرف وتطبيع خطاب الكراهية، وخطر خارجي يتمثل في إمكانية استغلال هذا الواقع لفرض مزيد من الوقائع العسكرية والسياسية على الأرض؛ وبين الخطرين، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف، وهم أول من يدفع الثمن.

أما السلطة السورية، فلا يكفيها أن تصدر بيانات الاستنكار بعد كل حادثة، ولا أن تتبرأ من خطاب التحريض حين يصبح عبئاً عليها فمسؤوليتها تبدأ من منع التحريض، ومحاسبة المحرّضين، ومواجهة التنظيمات المتطرفة، وضمان ألا تتحول مؤسسات الدولة إلى غطاء لأي فكر يهدد حياة السوريين وحقوقهم، أياً كانت هوية ضحاياه.

كذلك، لا يجوز اختزال المسؤولية في أفراد ينفذون الجرائم، مع تجاهل من يهيّئون المناخ لها، أو يبررونها، أو يروّجون لخطاب يقسم المجتمع بين مؤمن وخائن، ووطني وعميل، ومن يستحق الحياة ومن يستحق الإقصاء.

فالإرهاب لا يبدأ دائماً برصاصة، بل قد يبدأ بكلمة تحرّض، ومنبر يشيطن، وخطاب يقنع الناس بأن المختلف خطر يجب التخلص منه. وحين تتراكم هذه العناصر، يصبح العنف احتمالاً متوقعاً، لا مفاجأة تستدعي تمثيل الصدمة.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: من يقف خلف هذه العملية أو تلك؟ بل أيضاً: من يصنع البيئة التي تسمح للتطرف بالنمو؟ ومن منح أصحاب هذا الفكر المساحة والنفوذ؟ ومن سيحاسبهم قبل أن تتحول المنطقة كلها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات؟

فإذا كانت الدول التي سهّلت هذا المسار قد فعلت ذلك انطلاقاً من حسابات سياسية ومصالح آنية، فإن هذه المصالح لن تحميها بالضرورة من نتائج خياراتها.

وإذا كانت السلطة في سوريا تعتقد أن بإمكانها احتواء التطرف أو استخدامه من دون أن تتحمل تبعاته، فهي ترتكب خطأ قد يدفع السوريون وجيرانهم ثمنه سنوات طويلة.

لا يمكن صناعة الخطر، والتساهل معه، ثم الادعاء بالدهشة عندما ينفجر ولا يمكن ترك الكراهية تكبر، ثم الاكتفاء بلعن الإرهاب حين يحصد أرواح الأبرياء.

الرحمة للضحايا، والعدالة لهم، والمحاسبة لكل من يثبت تورطه في الجريمة أو التحريض عليها أما تحويل المأساة إلى مادة للمزايدات، أو استخدامها لتبرير احتلال جديد، أو التغطية على أسباب التطرف الحقيقية، فلن يمنع الكارثة المقبلة.

لأن الخطر لا يكمن فقط بمن يحمل السلاح وينفذ الجريمة، بل أيضاً فيمن يزرع الحقد، ومن يفتح له الأبواب، ومن يراهن عليه لتحقيق مصالحه، ثم يتصرف وكأن النار ستبقى دائماً في بيت الآخرين.