اكتشف العلماء نوعا فرعيا مميزا من الخلايا في غدة البروستاتا ، قد يساعد على حل لغز سبب تضخم هذه الغدة لدى الرجال مع التقدم في العمر.
وتعرف هذه الحالة باسم تضخم البروستاتا الحميد، وهي ظاهرة شائعة تميل إلى الحدوث في منطقة محددة من الغدة، لكن العلماء لا يفهمون حتى الآن بصورة كاملة سبب تركزها في هذه المنطقة دون غيرها.
وفي دراسة جديدة، حدد باحثون في جامعة جونز هوبكنز مجموعة من الخلايا التي تكثر حول الإحليل، ولا سيما في حالات تضخم البروستاتا الحميد.
واستخدم الفريق تقنية تسلسل الحمض النووي الريبي (RNA) على مستوى الخلية الواحدة، لتحديد هذه المجموعة ودراسة خصائصها الجزيئية. ونشرت النتائج في مجلة «ذا جورنال أوف باثولوجي» (The Journal of Pathology).
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، فاسان ياغناسوبرامانيان، إن تضخم البروستاتا الحميد يصيب ملايين الرجال حول العالم، لكن العلماء لا يزالون لا يفهمون تماما سبب تطوره بصورة أساسية في منطقة تعرف باسم «المنطقة الانتقالية»، بينما تبقى مناطق أخرى من الغدة أقل تأثرا نسبيا.
وتحيط المنطقة الانتقالية بالإحليل، وهو الأنبوب الذي ينقل البول من المثانة إلى خارج الجسم. وعندما تتضخم هذه المنطقة مع التقدم في العمر، قد تضغط على الإحليل وتضيّق مجرى البول، ما يؤدي إلى بطء التبول وتقطع تدفقه.
ويعد تضخم البروستاتا الحميد أكثر مشكلات البروستاتا شيوعا لدى الرجال الذين تزيد أعمارهم على 50 عاما. ورغم أن التغيرات الهرمونية والالتهابات وزيادة نمو الخلايا قد تؤدي دورا في حدوثه، فإن الآليات الخلوية الدقيقة التي تقف وراء الحالة لا تزال غير مفهومة بالكامل.
تضخم البروستاتا ينتج عن زيادة عدد الخلايا
أوضح اختصاصي المسالك البولية تشارلز ويلفير، من كلية ألباني الطبية، الذي لم يشارك في الدراسة الجديدة، أن تضخم البروستاتا الحميد لا ينتج ببساطة عن تورم الخلايا.
وقال ويلفير في مقابلة سابقة ضمن بودكاست مؤسسة رعاية المسالك البولية إن الحالة تعني زيادة عدد الخلايا داخل البروستاتا، وليس بالضرورة زيادة حجم كل خلية على حدة.
ويحاول الاكتشاف الجديد تحديد الخلايا التي قد تكون مسؤولة عن هذه الزيادة.
خلايا WIF1+ تتركز في المنطقة الانتقالية
حلل الباحثون في جامعة جونز هوبكنز أنسجة غير سرطانية من البروستاتا لدى 10 رجال مصابين بسرطان البروستاتا. وجاءت العينات من المناطق الرئيسية الثلاث للغدة، ثم درس الفريق نشاط الجينات في ما يقرب من 130 ألف خلية منفردة، لتحديد الجينات النشطة وتلك غير النشطة.
وأظهرت النتائج وجود مجموعة خلوية مميزة في أنسجة المنطقة الانتقالية وفي عينات المصابين بتضخم البروستاتا الحميد، بينما كانت هذه الخلايا نادرة في المناطق الأخرى من الغدة.
وتنتمي هذه الخلايا إلى نوع فرعي من الخلايا القاعدية، وأطلق عليها الباحثون اسم WIF1+. وتتميز عن بقية الخلايا القاعدية بخصائص جزيئية وموقع تشريحي مختلفين.
كما كشفت تحليلات تسلسل الحمض النووي الريبي وتقنيات صبغ الأنسجة أن هذه الخلايا تتركز بدرجة ملحوظة في المنطقة الانتقالية من البروستاتا البشرية، وتمتلك نمطا مميزا من التعبير الجيني.
كيف يمكن لهذه الخلايا أن تسهم في تضخم البروستاتا؟
وجد الباحثون أن بعض الجينات المرتبطة بخلايا WIF1+ تستجيب للأندروجينات، وهي هرمونات تشمل التستوستيرون، كما تشارك في مسارات الإشارات الخلوية التي تؤثر في نمو البروستاتا وتطورها.
وكتب مؤلفو الدراسة أن الخصائص الجزيئية لهذه الخلايا، وتوزيعها داخل مناطق الغدة، وارتباطها بمسارات بيولوجية محددة، تشير إلى احتمال مساهمتها في تطور تضخم البروستاتا الحميد، من خلال تعزيز إعادة تشكيل الأنسجة الظهارية والأنسجة الداعمة المحيطة بها.
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، رولين وانغ، إن التحليل كشف عن خصائص جزيئية مرتبطة بإعادة تشكيل الأنسجة، قد تسهم في تضخم البروستاتا، فضلا عن قدرة هذه الخلايا على التواصل مع الخلايا المجاورة. وقد يساعد ذلك على تكوين البيئة البيولوجية المميزة للمنطقة الانتقالية.
لكن الباحثين لا يؤكدون أن هذه الخلايا تسبب التضخم بصورة مباشرة؛ إذ تشير النتائج الحالية إلى ارتباط محتمل يستدعي مزيدا من البحث.
هل تفسر الخلايا الجديدة انخفاض حدوث السرطان في المنطقة الانتقالية؟
طرح الباحثون أيضا فرضية أخرى، مفادها أن خلايا WIF1+ قد تساعد على تفسير سبب بدء سرطان البروستاتا بمعدل أقل في المنطقة الانتقالية مقارنة ببعض المناطق الأخرى.
ويعتقد الفريق أن هذه الخلايا قد تسهم في الحد من الالتهاب والتأثير في مسار إشارات خلوية يعرف باسم WNT، وهو مسار يشارك في تنظيم نمو الخلايا وتطور الأنسجة.
غير أن هذه الفرضية تحتاج إلى دراسات إضافية للتحقق منها، ولا تثبت النتائج الحالية أن هذه الخلايا تحمي من السرطان أو تمنع نشأته.
نتائج إضافية تدعم الاكتشاف
عندما حلل وانغ وزملاؤه مجموعات بيانات متاحة للعموم، وجدوا أدلة إضافية تتفق مع نتائجهم الأولية.
فقد أظهرت أنسجة البروستاتا المتضخمة زيادة في وفرة خلايا WIF1+ القاعدية، كما تبين أن نمط التعبير الجيني لهذه الخلايا يختلف بصورة واضحة.
ويرى وانغ أن هذه النتائج تثير احتمال مساهمة الخلايا في العمليات الموضعية التي تجعل المنطقة الانتقالية أكثر عرضة للإصابة بتضخم البروستاتا الحميد.
ومع ذلك، لا يزال هذا التفسير فرضية علمية، ويؤكد الباحثون ضرورة إجراء دراسات مستقبلية لتحديد الوظائف الفعلية لهذه الخلايا ومعرفة ما إذا كانت تؤدي دورا مباشرا في تطور التضخم.
هل يمكن أن تصبح هذه الخلايا هدفا لعلاجات جديدة؟
إذا أثبتت الأبحاث المستقبلية أن خلايا WIF1+ تؤدي دورا مباشرا في تضخم البروستاتا الحميد، فقد تصبح أهدافا محتملة لتطوير أدوية جديدة تستهدف الآليات الخلوية المسؤولة عن نمو الغدة.
وقد يساعد فهم هذه الخلايا ومسارات الإشارات التي تتحكم فيها على تطوير علاجات أكثر دقة في المستقبل.
لكن الدراسة الحالية لا تقدم علاجا جاهزا، ولا تثبت أن استهداف هذه الخلايا سيمنع تضخم البروستاتا أو يعالجه. وتبقى الخطوة التالية هي إجراء تجارب وظيفية تحدد دورها بدقة في نمو أنسجة الغدة.
ونشرت الدراسة في مجلة «ذا جورنال أوف باثولوجي» (The Journal of Pathology)، بعد مراجعتها وتدقيقها علميا.