هل يستمر الربيع الاوروبي ؟
مقالات
هل يستمر الربيع الاوروبي ؟
م. زياد أبو الرجا
26 تشرين الأول 2026 , 08:33 ص

سته عشر عاما تفصل بين مصادرة عربة الفواكه الخاصة بمحمد البوعزيزي المواطن التونسي الذي اضرم النار في جسده احتجاجا على ذلك وبين نهب ومصادرة وتخريب محلات ومعارض لويس فيتون و شانيل وايرميس Hermes وبقية الماركات الفرنسية المشهورة عالميا.عادت حركة السترات الصفراء للظهور في الشوارع في اكتوبر هذا العام بعد نحو ثماني سنوات على انطلاقتها الأولى في نوفمبر عام ٢٠١٨ لتشهد المدن الفرنسية موجة احتجاجات واسعة ضد غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية،ليس لهذه الحركة التي امتدت افقيا قيادة رسمية واضحة، وانضم اليها العمال واصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، وسكان المناطق الريفية وشبه الحضرية اما الأسباب الحالية التي تجددت فيها المظاهرات في اكتوبر ٢٠٢٦ نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة والقدرة الشرائية.وانضم إلى الحراك الجديد شرائح متنوعة شملت طلاب المدارس الثانوية، والمزارعين، ونشطاء المناخ بجانب العمال واصحاب السترات الصفراء. وشهدت بعض المدن والعاصمة باريس مواجهات واشتباكات بين المتظاهرين والشرطة بالإضافة إلى اعمال نهب وتخريب . وجه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون اتهامات لمجموعات من اليسار المتطرف بالتحريض وتأجيج أعمال العنف التي تستهدف مؤسسات الدولة. دعت قيادات الحركة والنقابات إلى مواصلة الاحتجاجات والاضرابات العامة وسط اجراءات امنية مشددة، وحظر تجول محلي في بعض المناطق لاحتواء الاضطرابات.دخل الرئيس الامريكي دونالد ترامب على الخط واعلن ان المهاجرين هم من يؤججون هذه الاضطرابات. وقد زعم ترامب ان فرنسا تتعرض ل(( الغزو والنهب والحرق حتى التدمير على يد مهاجرين وجهاديين وشيوعيين يكرهون المسيحية والحضارة الغربية ذاتها)) ،

في ايطاليا اندلعت موجة احتجاجات منذ منتصف أكتوبر اتسمت بالعنف ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء اسعار الوقود . وقد امتدت هذه الحركة الاحتجاجية لتشمل كبرى المدن والشمال الصناعي وصولا إلى شل قطاعات حيوية في جنوب البلاد. وشهدت مدينة ميلانو( عاصمة الموضة الايطالية ) مواجهات عنيفة ادت إلى إصابة عناصر الشرطة واعتقال مدنيين. وتحولت التظاهرات إلى اعمال تخريب وتحطيم واجهات المحال التجارية الفاخرة ونهبها،وامتد التوتر إلى مدن الشمال الأخرى مثل تورينو . وفي الجنوب بدأ سائقو الشاحنات في جزيرة صقلية احتجاجات واسعة ضد ارتفاع اسعار الوقود بسبب ازمات الشرق الاوسط.

شهدت بلجيكا موجة عارمة من الاحتجاجات الطلابية والعمالية المناهضة لسياسات التقشف الحكومية وتخفيضات ميزانية التعليم، والتي تركزت في العاصمة بروكسيل ومدينة لييج الاقليمية وامتدت هذه الحركة الاحتجاجية إلى بلجيكا خاصة الأقليم الناطق بالفرنسية متأثرة باحتجاجات مماثلة بدات في فرنسا المجاورة. شهدت مدينة برشلونة الاسبانية احتجاجات ليلية وفوضى ونهب متاجر وسط مخاوف من تكرار مشاهد الاضطرابات التي تشهدها فرنسا.

تصريحات المسؤولين وخاصة رئيس الجمهورية ايمانويل ماكرون ووزير الداخلية لوران نوتيز التالية: نظرة سريعة . على سلسلة الاخبار الاخيرة المتعلقة بالاحتجاجات والاضطرابات في فرنسا وتصريحات المسؤلين وخاصة رئيس الجمهورية ايمانويل ماكرون ووزير الداخلية لوران نونير التالية

وزير الداخلية الفرنسي لوران نوتيز: توقيف نحو 1000 شخص خلال الاحتجاجات في فرنسا مع توقعات بارتفاع الحصيلة.

وزير الداخلية الفرنسي يعلن اعتقال 135 شخصا على خلفية الاحتجاجات ومصادرة اسلحة متنوعة.

وصف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون حادث اطلاق النار الذي وقع يوم الجمعة في ضواحي العاصمة باريس بانه (( هجوم ارهابي خطط له بدافع عنصري )) معتبرا أنه يشكل (( نقطة تحول )) في تاريخ فرنسا، وقال ماكرون للصحفيين أن ما حدث اليوم يمثل نقطة تحول للجمهورية ولبلدنا،لانها المرة الاولى التي نشهد فيهاعملا ارهابيا وعنصريا خطط له بهدف قتل مواطنينا واطفالنا بسبب لون بشرتهم او معتقدهم الديني.واعتبر ماكرون ان فرنسا تواجه ((منعطفا )) . داعيا الى (( عدم التنازل وعدم خفض الراس في مواجهة الافكار التي بدأت تترسخ على حد تعبيره، واعرب ماكرون الذي وصل إلى موقع الحادثة عن تضامنه مع جميع الاشخاص الذي يبذلون جهودا ميدانية )) ، كما اجتمع برئيس البلدية وفرق الاغاثة وعدد من سكان المدينة. ووصف وزير الداخلية الفرنسي الحادثة بانها عمل ارهابي . مؤكدا جدية التحقيقات الجارية.

تعيش فرنسا حالة تأهب قصوى استعدادا ليوم جديد من الاحتجاجات في انحاء البلاد السبت، بعد اسبوع على اضطرابات كانت من بين الاسواء التي شهدتها منذ عقود. وفرضت قيودا واسعة على التظاهرات في مختلف انحاء فرنسا، لكن من المتوقع أن يتجمع مئات الالاف من المحتجين في باريس ومدن اخرى في جولة ثانية من الاحتجاجات ينظمها طلاب ونقابات عمالية ومجموعات أوسع مناهضة للحكومة.وقالت وزارة الداخلية انها ستنتشر 70 الف شرطي لتعزيز الوجود الامني في المدن الفرنسية، بعدما اتهمت احزاب المعارضة الحكومة بالاخفاق في توقع حجم الاضطرابات التي وقعت في ١٧ أكتوبر. وقال وزير الداخلية لوران نوتيز(( لن تترك أي تجاوز يمر دون تصد ، واضاف لن تساهل مع المخربين والناهبين وكل من يرتكب اعمال عنف)) ، موضحا انه بمعزل عن الاحتجاجات المقررة رصدت دعوات عديدة إلى العنف على وسائل التواصل الاجتماعي صادرة من اليسار المتطرف واشد تياراته راديكالية.

عندما تغطي اجهزة ووسائل الاعلام الأوروبية اخبار الاضطرابات والاحتجاجات في فرنسا وايطاليا وبلجيكا وغيرها من الاقطار الاوروبية فانها تركز على ان غلاء المعيشة وتراجع الخدمات ،وان ذلك يعود إلى الحرب الدائرة في الشرق الاوسط،وتتجاهل عن سابق اصرار ان فرنسا والدول الأوروبية الأخرى قدمت مئات المليارات لحكومة كييف كي تواصل حربها مع روسيا.وان فرنسا وبشكل خاص بريطانيا تكنان العداء لروسيا منذ ايام روسيا القيصرية.وهما اللتان زودتا الامبراطورية العثمانية بالسلاح والعتاد والدعم اللوجستي في حرب القرم عام ١٨٥٣ -١٨٥٦

كيف نفهم زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمكان اطلاق النار الذي وقع يوم الجمعة في ضواحي باريس؟اراد ماكرون ان يوصل رسالة إلى الشعب الفرنسي وللعالم ان الاحتجاجات والاضطرابات. و ما رافقها من احداث اساسها الارهاب العنصري. واعتبر الحادث نقطة تحول في تاريخ فرنسا . اعتقد ان دولة مثل فرنسا الضليعة في احداث ما يسمى الربيع العربي وانخراط اجهزة استخباراتها

مع اجهزة الاستخبارات البريطانية بتوجيه المجموعات الارهابية لاطلاق النار على المدنيين و توجيه اصابع الاتهام للاجهزة الامنية التابعة للسلطة. وما اهتمام ماكرون بالحادث وتصريحاته من مكان اطلاق النار الا دليل على تورط اجهزة استخبارات السلطة الفرنسية تهدف إلى تشويه حركة الاحتجاجات ونفور الشعب منها.

نعود إلى السؤال هل يستمر الربيع الفرنسي ويتحول إلى ربيع اوروبي ؟

ان استمرار الاحتجاجات والاضطرابات في المدن الفرنسية للاسبوع الثاني على التوالي ومشاركة اكثر من نصف مليون متظاهر واعتقال اكثر فى الف شخص يدل على أن حركة الاحتجاجات لها قيادة تحركها وتنضم اليها شرائح جديدة من المجتمع الفرنسي، وان اتهام ماكرون لليسار الراديكالي لا اساس له من الصحة.لان اليسار ليست لديه قاعدة جماهيرية كما اليمين الفرنسي،لم يتجرأ الرئيس الفرنسي ان يتهم اليمين الفرنسي المتجذر جماهيريا ويعارض انخراط فرنسا في الحرب الأوكرانية بالتمويل والتسليح.اذا ما انخرطت قوى اليمين الفرنسي في قيادة حركة الاحتجاج ونسقت مع قوى اليمين في البلدان الأوروبية الأخرى فان حركة الاجتجاج ستتسع وتتمدد افقيا،وستؤثر بشكل جذري على الانتخابات المقبلة. من هنا تنبع خشية الرئيس ماكرون من سيطرة حزب اليمين واحزاب المعارضة.في ذات الوقت ان حركة الاحتجاجات الاوروبية تعتمد على قواها الذاتية،ولا يوجد غرف عمليات استخباراتية تدعمها من الخارج،كما كان الحال في ليبيا التي تولت فرنسا قيادة وتوجيه القبائل من غرفة العمليات باشراف الصهيوني الفرنسي برنارد هنري ليفي وعبد الجليل في مدينة بنغازي، وغرف العمليات المشتركة في دول الجوار السوري. لكنها ستحدث شرحا في بنية الاتحاد الاوروبي ومواقفه من الحرب الأوكرانية والعلاقات مع روسيا المصدر القريب للطاقة الرخيصة والالمنيوم والمعادن والثروات الأخرى التي لا غنى لاوروبا عنها .

مهندس / زياد ابو الرجا