مخاطر التربع على القمة
مقالات
مخاطر التربع على القمة
م. زياد أبو الرجا
27 تشرين الأول 2026 , 20:06 م

بعد مضي قرنين على مبدأ الرئيس الامريكي جيمس مونرو وانقضاء قرن على مبدأ ثيودور روزفلت تحولت خلالهما الولايات المتحدة الأمريكية من قوة اقليمية إلى قوة عالمية عظمى. لم ينافسها على السيطرة على العالم بعد الحرب العالمية الثانية الا المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي ، بعد انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي وحل حلف وارسو، صارت الولايات المتحدة الامريكية الدولة العظمى رقم واحد،في فئة خاصة بها إقتصاديا وعسكريا .

مسيرة قرنين من الزمن بدءا من مبدأ مونرو وسياسة عدم تدخل الولايات المتحدة الامريكية في النزاعات أو الشؤون الداخلية للقوى الاوروبية، واعتبار نصف الكرة الغربي منطقة مغلقة امام اي مشاريع استعمارية جديدة، واعتبار أي محاولة اوروبية لاخضاع او قمع اي دولة في النصف الغربي عملا عدائيا موجها ضد الولايات المتحدة ذاتها. تم الانتقال إلى مبدأ ثيودور روزفلت الذي اعتبر مجرد منع الاستعمار الاوروبي إلى تبرير التدخل العسكري الامريكي المباشر في دول امريكا اللاتينية.بدأت باحتلال جمهورية الدومينكان ونيكاراغوا وهاييتي في أوائل القرن العشرين.ومنذ ذلك الوقت تعتبر أمريكا اللاتينية حديقتها الخلفية، ومن يشق عصا الطاعة تعيده إلى الخطيرة اما بمساندة المعارضة التابعة لها او الانقلاب العسكري او اخر الدواء الكي باحتلال ذلك البلد.

انقلبث على مبدأ مونرو من عدم التدخل في النزاعات أو الشؤون الداخلية الأوروبية إلى الانخراط المباشر في الحرب العالمية الاولى الى جانب الحلفاء بريطانيا وفرنسا ضد المانيا ولكنها امتنعت عن الحرب ضد الامبراطورية العثمانية حفاظا على مصالحها في الشرق الأوسط، والسبب يعود إلى نصيحة مدير ومؤسس الجامعة الامريكية في لبنان الدكتور دانيال بليس الذي ذهب إلى باريس بناء لدعوة من الرئيس الامريكي حينها والمستشار له لمعرفته التامة بالشرق الأوسط وبالاوضاع في المنطقة.

دخلت الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية في ديسمبر عام ١٩٤١ ردا على الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر وتركزت على منطقة الباسيفيك ومن ثم إلى اوروبا مع الحلفاء حكومة فرنسا في المنفى وبريطانيا ودخلت في سباق مع الجيش الأحمر السوفياتي بعد الانزال في النورماندي ودحر الألمان من فرنسا. بعد ان دخل الجيش الاحمر مقر الرايخ الألماني تم تقسيم المانيا إلى قسمين جمهورية المانيا الشرقية والمانيا الغربية وتم تقسيم برلين إلى قسمين شرقي وغربي واقيم بعدها جدار برلين للفصل بينهما. وقعت أوروبا الغربية تحت مظلة الهيمنة الاقتصادية الامريكية من خلال مشروع ايزنهاور لاعادة اعمار اوروبا والمظلة العسكرية لحلف الناتو الذي تقوده امريكا. كما ورثت الولايات المتحدة المحميات البريطانية في الشرق الأوسط واسست ركائز استراتيجية من ثلاث دول تركيا الناتوية وإيران الشاهنشاهية وباكستان التي تحكمها الطغمة العسكرية للحد من النفوذ السوفياتي.

بعد تربع الولايات المتحدة على عرش العالم واصبحت القوة العظمى رقم واحد . صارت كما الوحش الذي انفلت من عقاله، وراحت تضرب ذات اليمين وذات الشمال وقضت على الاتحاد اليوغوسلافي وتنكرت لميثاق الامم المتحدة ومنظماتها المتعددة، ورعت ما يسمى الربيع العربي واطلقت العنان للكيان الصهيوني في فلسطين وايدت ضم القدس والجولان للكيان الصهيوني وتوسعه في لبنان وسورية، وحرب الابادة والتطهير العرقي في غزة ، ماذا نعني بالقوة العظمى رقم واحد؟

القوة العظمى رقم واحد تعني تلك القوة التي تسيطر على جزيرة كارولين اول جزيرة تشرق عليها الشمس

الى اقصى بقعة برية في الغرب،وهذا الذي نسميه (( فرط التمدد )) ، تمتلك الولايات المتحدة الامريكية ما يقارب سبعمائة قاعدة عسكرية خارج اراضيها حول العالم لحماية مصالحها التي حققتها خلال قرنين من الزمن . فهي. الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وخراجها يجب ان يصب في واشنطن وبورصة الوول ستريت في نيويورك لكن جدلية المادية التاريخية وتاريخ الامبراطوريات تعلمنا ان الدولة العظمى رقم واحد لا يمكنها تجنب الامتحانين التي واجهتهما الامبراطوريات السابقة ، طول العمر لكل قوة عظمى تحتل المكانة رقم واحد في الشؤون الدولية ، سواء في المجال العسكري الاستراتيجي الذي يحافظ على التوازن المعقول والمقبول وبين متطلبات الدفاع الملموسة. والوسائل التي تمتلكها للوفاء بتلك الالتزامات ، وما اذا كان ذلك بمثابة على سبيل العلاقة الحميمة او ما اذا كانت ذات صلة وثيقة، هل تستطيع الحفاظ على اسس تفوقها التكنولوجي والاقتصادي وقوتها.التأكل النسبي في مواجهة انماط الانتاج العالمي. هذا الامتحان للقدرات الامريكية سيكون الاعظم.انها تشبه اسبانيا الامبراطورية في اوائل القرن السابع عشر او الامبراطورية البريطانية في اوائل القرن العشرين الوريث لمجموعة واسعة من الالتزامات الاستراتيجية التي تم صنعها قبل عقود ، وعندما تصبح الدولة واثقة جدا من سياسات ، واقتصاد والقدرة العسكرية والنفوذ والتأثير في الشؤون الدولية، ونتيجة لذلك فإن الولايات المتحدة الآن معرضة للخطر لان الحفاظ على فرط التمددالذي تقوم به القوة العسكرية بحاجة دائمة لامدادات كافية من الثروة المستمدة من قاعدة انتاج مزدهرة،وتمويلات سليمة،ومن تكنولوجيا متطورة. والولايات المتحدة تعاني من ازمة الدين الذي تجاوز الاربعين تريليون دولار وما زال يواصل الارتفاع..

من المألوف جدا لمؤرخي صعود وانحطاط القوى العظمى السابقة لما يمكن تسميته(( فرط التمدد )) اي القول ان صناع القرار في واشنطن عليهم مواجهة الحقيقة الدائمة والمحرجة وهي ان مجموع التزامات الولايات المتحدة ومصالحها الدولية والتزاماتها هي اليوم اكثر بكثير من قدرتها على حمايتها جميعا في نفس الوقت. وخلافا للقوى العظمى السابقة، فإن ما يطلق عليه تقريبا، (( مشاكل استراتيجية فرط التمدد )) وهي تواجه احتمالية الفناء النووي، الحقيقة التي يشعر الناس فيها انها غيرت من طبيعة سياسات القوى الدولية، والولايات المتحدة أكبر قوة نووية ولكنها تعتبر ان المواجهة النووية غير مجدية.لان استخدام السلاح النووي غير قابل للاستعمال.وهذا هو السبب الذي جعل الدول تلجأ إلى انتاج الأسلحة التقليدية.

لكن اذا وجدت احتمالية انخراط القوى العظمى في حرب غير نووية سواء اقليمة أو على نطاق أوسع ، فأن تشابه الظروف الاستراتيجية بين الولايات المتحدة اليوم واسبانيا الامبراطورية او بريطانيا الادواردية ( عهد الملك ادوارد السابع ۱۹۰۱ - ۱۹۱۰ ).

الولايات المتحدة بحكم موقعها الجغرافي لا تواجه تهديد الغزو الخارجي بواسطة الجيوش لان غزوها غير ممكن. لكن مصالحها الممتدة في الخارج والتي جعلتها الدولة العظمى رقم واحد صار في الصعب الحفاظ عليها والدفاع عنها في ذات الوقت، وكذلك التخلي عن اي منها صعب جداً دون المخاطرة بمزيد من المخاطر الناتجة عن التفاعل المتسلسل. وكل واحدة من هذه المصالح كان معقول وملح للغاية لاسباب في تلك الايام وكان له ثمنه . لم يكن الصعود إلى القمة مفروشا بالورود ولا تحقق بالرضى الطوعي للشعوب والدول ، بل عبر حروب دامية ومؤامرات دنيئة وخسائر جسيمة في الارواح والأموال والسلاح وادوات الصراع المختلفة، فاخذ شكل نصف الموجة الجيبية. وكذلك الهبوط من القمة سيكون النصف الاخر للموجة الجيبية،وسيكلف غاليا في الارواح والاموال والسلاح ،وادوات الصراع. وبما ان سقوط الامبراطورية الامريكية سيكون مدويا،ولا يشبه سقوط الامبراطوريات السابقة أو سقوط الاتحاد السوفياتي

بسبب فارقين مهمين جدا الأول ان حصة الولايات المتحدة من القوة العالمية تنخفض أسرع نسبيا من الاتحاد السوفياتي في العقود السابقة اضافة الى القوة المطلقة خاصة في مجالات . الصناعة والتكنولوجيا ما زالت اضخم من تلك التي كانت لدى الاتحاد السوفياتي ، والفارق الثاني هو طبيعة عدم التدخل غير المنظم للغاية للمجتمع الامريكي التي تعطيه فرصة احسن للتكيف مع الظروف المتغيرة.

اذن علينا ان نفهم ان الولايات المتحدة دخلت النصف الثاني للموجة الجيبية للانحطاط الحتمي. وانها لا تستطيع الدفاع عن جميع مصالحها المكتسبة في ذات الوقت. وان التخلي عن بعضها ينطوي على مخاطر قد تسارع في عملية النزول عن القمة، وهي تواجه صعود التنين الصيني الاقتصادي والعسكري، وعودة روسيا كقوة عسكرية واقتصادية ذات موارد نفطية وغازية لا تنصب.وهي عاجزة عن الوصول إلى قلب اسيا الذي تحرس بوابته ايران وبعد اخفاق الحرب الصهيو - امريكية على ايران،وهي حرب اقليمية واسعة،والدمار الهائل للقواعد الامريكية في الخليج والشرق الأوسط بدانا نسمع تصريحات متكررة للرئيس الامريكي دونالد ترامب بان الصراع مع إيران سينتهي عاجلا وخاصة بعد زيارة وزير الخارجية الروسي لافروف لدول الخليج، وزيارته لطهران برفقه مائتي روسي من العاملين في محطة بوشهر التي تعمل بالطاقة النووية. مما يعني ان روسيا واثقة من عدم تجدد الحرب على ايران . وتصريحات الرئيس الامريكي بان ايران لن تمتلك السلاح النووي لاننا نجحنا في تدمير برنامج ايران النووي، هل هذا يعني ان لافروف حصل على ضمانه ايرانية بعدم تصنيع السلاح النووى يستطيع ان يعلن الرئيس الامريكي دونالد ترامب بانه حصل على ضمان من روسيا والصين بان ايران لن تلجأ إلى تصنيع قنبلة نووية؟ فينزل عن الشجرة. لكن بالمقابل تريد إيران ضمانات من روسيا والصين بان امريكا لن تعلن الحرب على ايران في المستقبل، وسترفع الحصار والعقوبات،وتفرج عن الاموال المجمدة، وان تخلي قواعدها في الشرق الأوسط وتوقف الحرب على غزة ولبنان واليمن. هل ستقدم امريكا على التضحية بتواجدها العسكري والامني في الخليج والشرق الاوسط عموما ؟ هل زيارة وزير الدفاع السعودي وقائد الجيش الباكستاني ورئيس الاستخبارات التركي للعاصمة الايرانية طهران هي استشعار للتخلي الامريكي عن حماية دول الخليج ؟ الايام القليلة القادمة ستحمل الجواب وبشكل محدد اذا ما حصل اجتماع القمة بين الرئيس الامريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شيجين بنج

مهندس/ زياد ابو الرجا

الأكثر قراءة الحرب على ساعة المحور، أم ساعة أميركا...! هل يمحو الليل كلام النهار!
الحرب على ساعة المحور، أم ساعة أميركا...!
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً