‏روسيا تعلن إجراء أول عملية في العالم لزرع جزء من الحبل الشوكي
منوعات
‏روسيا تعلن إجراء أول عملية في العالم لزرع جزء من الحبل الشوكي
27 تشرين الأول 2026 , 15:11 م

أُجريت في روسيا عملية جراحية غير مسبوقة لزرع جزء من الحبل الشوكي لدى مريض، في محاولة لاستعادة قدرة النسيج العصبي على نقل الإشارات عبر منطقة تضررت بشدة.

‏وأُجريت العملية يومي 14 و15 أكتوبر في معهد سكليفوسوفسكي لأبحاث طب الطوارئ في موسكو، باستخدام تقنية معقدة تُعرف باسم زرع جزء وعائي من الحبل الشوكي من متبرع آخر. واستُبدل الجزء المتضرر بالكامل بقطعة من الحبل الشوكي مأخوذة من متبرع متوفى، بهدف استعادة استمرارية النسيج وقدرته على توصيل الإشارات العصبية.

‏وبحسب مجلة «ناوكا ميل»، فإن التقنية تهدف إلى معالجة مشكلة لا يتوفر لها حتى الآن علاج مثبت يعيد بصورة موثوقة قدرة الحبل الشوكي على نقل الإشارات عبر منطقة الانقطاع. وإذا نجحت العملية في استعادة نقل المعلومات الحسية من أجزاء الجسم إلى الجهاز العصبي المركزي، فقد تمثل إنجازا مهما في جراحة إصابات الحبل الشوكي.

‏وقد قدم باحثون من جامعة بيروغوف الروسية تفاصيل العملية والتقنية المستخدمة، التي شاركوا في تنظيمها وتنفيذها بالتعاون مع الجراح الصيني شياوبينغ رين، صاحب هذه الطريقة الجراحية.

‏كيف تعرض المريض للإصابة؟

‏المريض رجل يبلغ من العمر 38 عاما، أُصيب عام 2022 بشظايا خلال قصف بقذائف الهاون، ما أدى إلى إصابة عموده الفقري وفقدانه القدرة على تحريك ساقيه وعضلات الجزء السفلي من جسمه.

‏ونظرا إلى شدة الإصابة، لم تكن الأساليب التقليدية لترميم الأنسجة كافية لمعالجة حالته. لذلك قرر الفريق الطبي اللجوء إلى تقنية زرع جزء وعائي من الحبل الشوكي، المعروفة اختصارا باسم vASCT.

‏وأوضح الباحثون أن الإصابات الناجمة عن الشظايا والانفجارات قد تؤدي إلى تشكل أنسجة ندبية وأكياس في موضع الضرر، ما يعوق انتقال الإشارات العصبية بين الأجزاء السليمة من الحبل الشوكي.

‏وللتعامل مع هذه المشكلة، تتطلب التقنية إزالة الأنسجة المتضررة بالكامل، ثم وصل الأجزاء السليمة باستخدام مقطع من الحبل الشوكي مأخوذ من متبرع متوفى.

‏ما التقنية المستخدمة في العملية؟

‏تعتمد الطريقة على بروتوكول لدمج أنسجة الحبل الشوكي يُعرف باسم «جيميني» (GEMINI)، وضع أسسه الجراحان سيرجيو كانافيرو وشياوبينغ رين عام 2013.

‏ويقوم البروتوكول على خطوتين أساسيتين:

‏إجراء قطع بالغ الدقة: يستخدم الجراح شفرة فائقة الرقة لتقليل الضرر الذي يلحق بالخلايا عند قطع الأنسجة العصبية.

‏استخدام البولي إيثيلين غليكول: تُوضع مادة البولي إيثيلين غليكول (PEG) على نهايات الأنسجة المقطوعة، بهدف المساعدة على استعادة سلامة الأغشية المتضررة للمحاور العصبية، وتقليل الإجهاد التأكسدي، وتوفير تأثير واق للأعصاب.

‏ويُعد عامل الوقت حاسما في هذه العملية؛ إذ ينبغي تطبيق المادة خلال مدة لا تتجاوز 10 دقائق من قطع الأنسجة، وفقا للبروتوكول المذكور.

‏وتشير البيانات التي يستند إليها الباحثون إلى أن البولي إيثيلين غليكول قد يساعد على دمج نحو 10 إلى 15% من حزم الألياف العصبية. ويرى أصحاب التقنية أن هذه النسبة قد تكون ذات أهمية لاستعادة قدر من الوظائف الحركية، لكن ذلك لا يعني أن استعادة الحركة لدى المريض مضمونة.

‏ماذا أظهرت التجارب السابقة؟

‏على الرغم من أن العملية الحالية وُصفت بأنها الأولى من نوعها في الممارسة الطبية العالمية، فإن التقنية لم تظهر فجأة، بل سبقتها سنوات من التجارب على الحيوانات، شملت الفئران والجرذان والكلاب والقرود.

‏وفي دراسة نُشرت عام 2018 في مجلة Surgery، أجرى الباحثون قطعا كاملا للحبل الشوكي لدى 12 كلبا. وتلقى سبعة منها مادة البولي إيثيلين غليكول، بينما تلقت الكلاب الخمسة الأخرى محلولا ملحيا.

‏وبعد شهرين، أظهرت الكلاب التي تلقت المادة تحسنا ملحوظا في حركة الأطراف الخلفية، في حين لم تسجل المجموعة الأخرى استعادة للحركة.

‏كما وُصفت تفاصيل التقنية في تجارب على كلاب البيغل في مجلة IBRO Neuroscience Reports عام 2024. وفي العام نفسه، نشرت مجلة CNS Neuroscience & Therapeutics دراسة تناولت تطبيق تقنية زرع الجزء الوعائي من الحبل الشوكي على 24 كلبا، جرى تنظيمها في أزواج من متبرع ومتلق.

‏وأظهرت تلك التجارب أن الجمع بين البولي إيثيلين غليكول والأدوية المثبطة للمناعة ساعد على استعادة استمرارية الحبل الشوكي وتحسين حركة الأطراف الخلفية لدى الحيوانات.

‏لكن نجاح التجارب الحيوانية لا يثبت بالضرورة أن التقنية ستؤدي إلى النتائج نفسها لدى البشر، إذ تختلف الاستجابة العصبية والمناعية بين الأنواع.

‏ماذا كشفت التجارب السريرية السابقة لدى البشر؟

‏أجرى فريق بقيادة شياوبينغ رين في الصين دراسة سريرية حصلت على الموافقات اللازمة، واختبر خلالها أساليب مختلفة لدى أشخاص يعانون شللا كاملا في الساقين.

‏وفي أحد فروع الدراسة، عولج 12 مريضا باستخدام مقاطع من العصب الربلي، وهو عصب يقع في منطقة الساق، لسد موضع الضرر. وسجل سبعة منهم تحسنا في الوظائف اللاإرادية.

‏أما في فرع آخر، فقد خضع ثمانية مرضى لإجراء جراحي يُعرف باسم الاستئصال النصفي الوعائي، وأظهرت النتائج ما يلي:

‏تحسن الوظائف الحركية لدى مريض واحد.

‏تحسن الوظائف اللاإرادية لدى سبعة مرضى.

‏انخفاض الألم المركزي لدى سبعة مرضى.

‏ظهور تحسن في الجهود الحركية المستثارة لدى مريض واحد.

‏استعادة استمرارية المادة البيضاء في الحبل الشوكي، وفقا للتصوير، لدى ثلاثة مرضى.

‏وتشير هذه النتائج إلى وجود مؤشرات أولية تستحق المزيد من البحث، لكنها لا تثبت حتى الآن فعالية التقنية الجديدة على نطاق واسع، ولا تعني أن جميع المرضى سيستعيدون الحركة أو الإحساس.

‏ووفقا للتقرير، سبقت العملية الحالية عدة مراحل بحثية، شملت أكثر من عشر سنوات من الدراسات قبل السريرية على أربعة أنواع من الحيوانات، وإعادة إنتاج أحد التأثيرات الأساسية بصورة مستقلة على يد فريق كوري بقيادة تشانغ يو كيم عام 2016، إضافة إلى إجراء دراسة سريرية مسجلة والحصول على موافقة لجنة الأخلاقيات، واختبار نموذج الزرع الوعائي بين متبرع ومتلق مع استخدام مثبطات المناعة.

‏ما الخطوات التالية بعد العملية؟

‏من السابق لأوانه تحديد مدى نجاح العملية لدى المريض؛ إذ سيحتاج الأطباء إلى متابعة حالته على مدى أشهر، وربما سنوات، لتقييم أي تغير في الحركة والإحساس والوظائف العصبية الأخرى.

‏وفي التجارب التي أُجريت على الكلاب، استمرت عملية التعافي طوال فترة متابعة بلغت ستة أشهر. وقد تكون متابعة المريض البشري أطول، نظرا إلى اختلاف طبيعة الإصابة والاستجابة للعلاج.

‏وتنطوي عمليات الزرع من متبرع آخر على مخاطر مهمة، أبرزها احتمال رفض الجسم للأنسجة المزروعة. كما أن استخدام الأدوية المثبطة للمناعة قد يزيد خطر الإصابة بالعدوى ومضاعفات أخرى.

‏ولهذا يخضع المريض لمراقبة طبية دقيقة، بينما يواصل الأطباء والباحثون تقييم حالته.

‏تعاون روسي صيني لتطوير الجراحة الترميمية

‏قالت ناتاليا مانتوروفا، رئيسة قسم الجراحة التجميلية والترميمية والتجميل وتقنيات الخلايا في معهد التعليم المستمر والتطوير المهني بجامعة بيروغوف، إن العملية تمثل خطوة جديدة في مسار تطوير زراعة الأنسجة والأعضاء الترميمية في روسيا.

‏وأضافت أن هذا التقدم يأتي بعد عملية زرع اليدين التي أُجريت في مارس 2026 في معهد سكليفوسوفسكي، مشيرة إلى أن الفريق يعمل على تطوير هذا المجال بالتعاون مع زملاء من الصين.

‏ويشمل التعاون إعداد مجموعات من الأطباء المقيمين وإرسالهم إلى الصين للتدرب على التقنيات الجديدة، بهدف نقل الخبرة وتطوير الممارسة الجراحية.

‏وترى مانتوروفا أن العمل المتدرج، بدءا من الدراسات قبل السريرية وصولا إلى تدريب الأطباء والتعاون الدولي، قد يتيح لهذا المجال مستقبلا واعدا في روسيا.

‏ومع ذلك، سيبقى التقييم الحقيقي لأهمية العملية مرتبطا بالنتائج التي ستظهر خلال المتابعة الطويلة للمريض، ولا سيما ما إذا كانت التقنية ستتمكن من استعادة انتقال الإشارات العصبية وتحسين الوظائف الحركية والحسية بصورة مستدامة.

المصدر: Наука Mail
الأكثر قراءة الحرب على ساعة المحور، أم ساعة أميركا...! هل يمحو الليل كلام النهار!
الحرب على ساعة المحور، أم ساعة أميركا...!
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً