‏الأنسجة المحيطة بالتكلسات الدقيقة في الثدي تحمل معلومات مهمة لتشخيص السرطان
دراسات و أبحاث
‏الأنسجة المحيطة بالتكلسات الدقيقة في الثدي تحمل معلومات مهمة لتشخيص السرطان
28 تشرين الأول 2026 , 15:41 م

كشفت دراسة علمية جديدة أن الأنسجة المحيطة بالتكلسات الدقيقة في الثدي قد توفر معلومات تشخيصية أكثر أهمية من الترسبات الكلسية نفسها عند التمييز بين الآفات الحميدة والخبيثة.

‏وتوصل الباحثون إلى هذه النتيجة بعد تحليل 3504 تكلسات دقيقة منفردة باستخدام التصوير المقطعي المحوسب المجهري عالي الدقة ثلاثي الأبعاد. ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Breast Cancer Research العلمية.

‏وأجرى الدراسة باحثون من جامعة بروكسل الحرة ومركز «إيميك» للأبحاث التكنولوجية، بالتعاون مع مستشفى جامعة بروكسل.

‏وتطرح الدراسة سؤالا مهما في مجال تصوير الثدي: هل تكمن المعلومات التي تساعد على تشخيص طبيعة الآفات في ترسبات الكالسيوم نفسها، أم في الأنسجة المحيطة بها مباشرة؟

‏ما التكلسات الدقيقة في الثدي؟

‏التكلسات الدقيقة هي ترسبات صغيرة من الكالسيوم تظهر في صور الثدي الشعاعية، بما في ذلك تصوير الثدي الشعاعي التقليدي والتصوير المقطعي الرقمي للثدي.

‏وتعد هذه التكلسات من العلامات التي يعتمد عليها الأطباء عند تقييم التغيرات المشبوهة في أنسجة الثدي وتحديد الحاجة إلى إجراء فحوص إضافية.

‏وتؤدي خصائص التكلسات، مثل شكلها وتوزيعها وتجمعها، دورا مهما في التقييم الطبي، لكنها لا تعني بالضرورة وجود سرطان؛ إذ يمكن أن تظهر في حالات حميدة أيضا.

‏وركزت الدراسات السابقة المعتمدة على الصور الطبية غالبا على خصائص التكلسات نفسها، أو على أنماط تجمعها. لكن مقدار المعلومات التشخيصية التي يمكن الحصول عليها من الأنسجة المحيطة بها مباشرة ظل أقل وضوحا، خصوصا في الصور ثلاثية الأبعاد عالية الدقة.

‏كيف درس الباحثون التكلسات والأنسجة المحيطة بها؟

‏حلل الباحثون 94 عينة من خزعات الثدي المحفوظة داخل قوالب البارافين، باستخدام التصوير المقطعي المحوسب المجهري عالي الدقة، الذي بلغت دقته المكانية نحو 8 ميكرومترات.

‏وتمكن الفريق من تحديد 3504 تكلسات دقيقة منفردة، ثم استخراج قياسات كمية من الصور، تعرف باسم «السمات الإشعاعية» أو خصائص تحليل الصور الطبية.

‏واستخدم الباحثون هذه القياسات لتدريب نماذج تعلم آلي تتنبأ بما إذا كانت الآفات المقابلة حميدة أم خبيثة، اعتمادا على نتائج الفحص النسيجي المرضي.

‏وعلى خلاف الأبحاث التي تركز على مجموعات التكلسات في صور التصوير الشعاعي المعتادة، تناولت هذه الدراسة كل تكلس على حدة، وعلى مستوى دقيق للغاية.

‏وللتأكد من أن النتائج تعكس المعلومات الموجودة في الأنسجة المحيطة، وليس مجرد اختلافات ناتجة عن طريقة معالجة الصور أو تحديد حدود التكلسات، أجرى الباحثون ثلاثة أنواع من التحليلات.

‏شملت هذه التحليلات توسيع نطاق المنطقة المستخدمة في معالجة الصورة مع الإبقاء على حدود التكلس ثابتة، وتوسيع حدود التكلسات أو تقليصها بصورة منهجية، ثم تحليل طبقات متحدة المركز من الأنسجة الواقعة داخل التكلس وحوله.

‏وكان التحليل الأخير مهما على نحو خاص، إذ استبعد الترسب الكلسي نفسه واعتمد على الأنسجة المحيطة وحدها، لاختبار مقدار المعلومات التشخيصية التي يمكن الحصول عليها من دون الاعتماد على التكلس.

‏الأنسجة المحيطة بالتكلسات تحقق أداء تشخيصيا أفضل

‏أظهرت النتائج تحسنا ملحوظا في قدرة النماذج على التمييز بين الآفات الحميدة والخبيثة عند تضمين المعلومات المستخلصة من الأنسجة المحيطة بالتكلسات.

‏فعندما وسع الباحثون نطاق معالجة الصورة حول التكلس، مع الإبقاء على حدوده المحددة كما هي، ارتفعت قيمة المساحة تحت منحنى خصائص تشغيل المستقبل (AUC) من 0.688 إلى 0.811.

‏كما أدى توسيع حدود التكلس بدرجة معتدلة لتشمل الأنسجة المجاورة إلى رفع القيمة من نحو 0.689 إلى 0.813.

‏أما النتيجة الأبرز، فكانت أن النماذج التي اعتمدت حصرا على خصائص طبقات الأنسجة المحيطة بالتكلسات حققت قيمة بلغت نحو 0.81، وهي نتيجة مماثلة تقريبا لأداء النماذج التي استخدمت معلومات التكلسات والأنسجة المحيطة بها معا.

‏وتشير هذه النتائج إلى أن الأنسجة المحيطة بالتكلسات كانت مصدرا رئيسيا للمعلومات التي ساعدت على التمييز بين الآفات في ظروف هذه التجربة.

‏ماذا تعني قيمة AUC؟

‏تستخدم المساحة تحت منحنى خصائص تشغيل المستقبل، المعروفة اختصارا باسم AUC، لتقييم قدرة النموذج على التمييز بين فئتين، مثل الآفات الحميدة والخبيثة.

‏وتعني القيمة الأعلى عموما قدرة أفضل على التمييز بين الفئتين ضمن البيانات التي جرى اختبار النموذج عليها. ومع ذلك، فإن هذه القيمة وحدها لا تثبت أن النموذج أصبح جاهزا للاستخدام السريري، ولا تعني أن نتائجه ستتكرر بالمستوى نفسه لدى جميع المرضى.

‏لماذا قد تغير هذه النتائج طريقة تحليل صور الثدي؟

‏تشير الدراسة إلى أن التركيز على الترسبات الكلسية وحدها قد يؤدي إلى إغفال معلومات تشخيصية مهمة موجودة في الأنسجة المحيطة بها مباشرة.

‏فبدلا من تحليل خصائص التكلس من حيث الشكل والحجم وحدهما، قد يتيح فحص المنطقة المحيطة به استخلاص معلومات إضافية عن طبيعة التغيرات المرضية في أنسجة الثدي.

‏ويرى الباحثون أن هذه النتيجة توفر أساسا علميا لتطوير مؤشرات حيوية تصويرية تعتمد على تحليل الخصائص الكمية للمنطقة الفاصلة بين التكلسات الدقيقة والأنسجة المجاورة.

‏وقد يساعد هذا التوجه مستقبلا على تحسين أساليب تحليل الصور الطبية وتطوير أدوات جديدة لدعم تقييم الآفات المشبوهة.

‏هل يمكن استخدام هذه الطريقة حاليا لتشخيص سرطان الثدي؟

‏رغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن الدراسة تندرج ضمن الأبحاث الأساسية التي استخدمت عينات خزعات خارج الجسم، مع الاستعانة بالتصوير المقطعي المحوسب المجهري ثلاثي الأبعاد.

‏وتتيح هذه التقنية دراسة التكلسات والأنسجة المحيطة بها بدقة مكانية تصل إلى مستوى الميكرومتر، وهي دقة لا توفرها عادة وسائل التصوير السريري التقليدية للثدي.

‏لذلك، لا تعني النتائج أن الأجهزة المستخدمة حاليا في الفحوص الروتينية تستطيع إظهار هذه التفاصيل نفسها، أو أن نماذج التعلم الآلي ستحقق تلقائيا مستوى الأداء ذاته عند تطبيقها على صور المرضى في المستشفيات.

‏كما أن الدراسة لا تثبت أن تحليل الأنسجة المحيطة بالتكلسات يمكن أن يحل محل الخزعة أو الفحص النسيجي المرضي.

‏ما الخطوات التالية؟

‏يحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات مستقلة للتحقق من النتائج، وإجراء تحليلات نسيجية أكثر تفصيلا لتحديد البنى النسيجية وأنواع الخلايا التي تسهم في إنتاج الإشارات التشخيصية التي رصدتها الصور.

‏وقد يساعد فهم الأساس البيولوجي لهذه الإشارات على تطوير مؤشرات تصويرية أكثر دقة، تمهيدا لدراسة إمكانية تطبيقها في الممارسة الطبية.

‏وجمعت الدراسة خبرات في تحليل الصور الطبية والذكاء الاصطناعي والأشعة وعلم الأمراض، بمشاركة أقسام ومختبرات متخصصة في جامعة بروكسل الحرة ومستشفى جامعة بروكسل.

‏الخلاصة: تشير الدراسة إلى أن المعلومات التشخيصية المتعلقة بالتكلسات الدقيقة في الثدي لا تقتصر على الترسبات الكلسية نفسها، بل قد توجد بدرجة مهمة في الأنسجة المحيطة بها. ومع أن النتائج واعدة في إطار البحث المخبري، فإن التحقق منها في دراسات مستقلة وتقييم إمكانية تطبيقها على التصوير السريري يظلان ضروريين قبل اعتمادها أداة تشخيصية في الممارسة الطبية.

المصدر: The GIST