«مضيق هرمز... سيادةٌ إيرانيةٌ تستحق الاحترام، ومصالح مشروعة تستوجب المراعاة؛ حكمةٌ تصون الحقوق، وحوارٌ يفتح الآفاق، وتفاهمٌ يحفظ المكانة ويدفع عن المنطقة مخاطر التصادم؛ فتبقى السيادة مصونة، والمصالح محفوظة، والسلام أفقًا ممكنًا وأملًا منشـودًا»
حين تتكلم الجغرافيا بلغة المصالح:
ليست الجغرافيا صمتًا تحدده الخرائط، ولا المضائق مجرد ممرات تعبرها السفن؛ فبعض المواقع يختزل في ضيقه اتساع العالم، ويحمل في مياهه أوزان الاقتصاد والسياسة والأمن، ويختزن في موقعه أسرار القوة ومفاتيح التأثير وموازين المصالح.
ومضيق هرمز من أهم هذه المواقع؛ فهو شريان حيوي لتجارة الطاقة وحركة الملاحة العالمية، وموضع تتقاطع عنده الاعتبارات الاستراتيجية والحسابات السياسية. ومن هنا، فإن قراءة واقعه بعقلية المواجهة وحدها تضيق بالأفق، أما مقاربته بحكمة سياسية ورؤية بعيدة فتفتح أبواب الحلول، وتمنح التفاهم فرصة تليق بمكانة المنطقة وثقلها في معادلات العالم.
فليست الحكمة أن نقرأ الجغرافيا بوصفها حدودًا جامدة، بل أن نفهمها باعتبارها لغةً للمصالح، ومجالًا للإرادات، وامتحانًا لقدرة السياسة على تحويل عناصر القوة من أسباب للتوتر إلى ركائز للاستقرار.
أولًا: السيادة والمسؤولية... تكاملٌ لا تناقض:
إن احترام سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومراعاة مصالحها المشروعة ليسا تفصيلًا عابرًا في حسابات المنطقة، بل هما من أسس فهم واقعها وموازينها. فإيران دولة ذات مكانة وثقل إقليمي، ولها مصالح واعتبارات استراتيجية لا يصح تجاهلها أو التقليل من شأنها؛ إذ لا تُبنى العلاقات الرشيدة بإنكار الوقائع، ولا تُصان الكرامة بتجاوز الحقوق، ولا تُدار الملفات الحساسة بمنطق الإملاء وفرض الإرادات.
إن السيادة ليست كلمة تُستحضر في الخطب ثم تُهمَل عند الاختبار، ولا قيمة سياسية تُقاس بمدى قبول الآخرين بها؛ بل هي عنوان للكرامة الوطنية، ومرتكز لصون المصالح، وأساس لأي تفاهم جاد يحترم مكانة الدولة وخصوصية قرارها. ومن هذا المنطلق، فإن التعاطي مع إيران يقتضي قراءة واعية لثقلها وموقعها، وفهمًا عميقًا لمصالحها المشروعة، بعيدًا عن الأحكام المتسرعة والحسابات الضيقة.
ولا تعني الحكمة تراجع طهران عن حقوقها، بل تعني حسن إدارتها؛ ولا يعني التفاهم التنازل عن الثوابت، بل إيجاد المسار الذي يحفظها ويحول دون استنزافها في مواجهات مفتوحة. فكم من موقف صانته البصيرة حين أحسنت تقدير اللحظة، وكم من مصلحة أضاعها التعنت حين توهّم أن التصعيد وحده سبيل إثبات القوة.
ثانيًا: إغلاقٌ أم إغراقٌ؟ بين الإيحاء والعاقبة:
ليس هذا التساؤل دعوةً إلى إغلاق المضيق، ولا تهديدًا بإغراق السفن، ولا إسنادًا للمسؤولية إلى طرف بعينه؛ بل هو استفهام بلاغي يلفت النظر إلى مخاطر التصعيد ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما قد يترتب عليه من عواقب تتجاوز حدود المكان وأطراف الخلاف.
فإذا وقع التصادم، لم تقتصر خسائره على لحظته الأولى، ولم تبقَ تداعياته حبيسة مياهه؛ بل قد تمتد إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة، واستقرار الاقتصادات، ومعايش الشعوب. وعندئذٍ لا تعود الأزمة مجرد خلاف سياسي قابل للاحتواء، بل تتحول إلى موجات متلاحقة من القلق والاضطراب، تتسع دوائرها كلما ضاقت مساحات التفاهم.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فالمضيق الذي يمنح الجغرافيا أهمية استثنائية قد يتحول، إذا غابت الحكمة، إلى بؤرة تتجاوز آثارها حدود الإقليم؛ وما يبدو في بدايته ورقة ضغط قد ينتهي إلى معادلة معقدة تتشابك فيها الخسائر وتتعاظم فيها الأكلاف.
ومن ثم، فإن التحذير من عواقب التصادم ليس تهويلًا، بل تقدير للمآلات؛ وليس انحيازًا إلى الخوف، بل انحياز إلى العقل. فالقوة ليست في استدعاء المخاطر، وإنما في إدراك حدودها، وليست في اختبار العواقب، وإنما في امتلاك الحكمة التي تحول دون وقوعها.
ثالثًا: من ضيق الممر إلى سعة الأفق:
إن المطلوب هو مقاربة سياسية تعترف بمكانة إيران، وتحترم سيادتها، وتراعي مصالحها المشروعة، وتفتح أمام التفاهم أبوابًا أوسع من منافذ التصعيد. فالحوار لا ينتقص من المكانة، والتفاهم لا ينتقص من السيادة، والحكمة لا تعني التفريط في الحقوق؛ بل قد تكون أرفع سبل صونها وأجدى طرق حفظها.
وما أحوج المنطقة إلى عقل سياسي يدرك أن إدارة الخلاف ليست استسلامًا، وأن ضبط الإيقاع ليس ضعفًا، وأن التروي في لحظات الاحتقان قد يكون أشد أثرًا من اندفاع تحكمه الانفعالات. فليست كل قوة بحاجة إلى استعراض، ولا كل أزمة بحاجة إلى مواجهة، ولا كل خلاف يستدعي أن تُستنفد في سبيله فرص الحلول.
وكلما اتسعت مساحة التفاهم، ضاقت فرص سوء الحسابات؛ وكلما تقدمت الحكمة، تراجعت احتمالات الانزلاق إلى مسارات مجهولة. وهكذا تصبح السياسة فنًّا لصون المصالح لا تبديدها، وإدارة التوازنات لا تفجيرها، وفتح النوافذ حين توشك الأبواب أن تُغلَق.
الخاتمة:
السيادة بالحكمة، والمكانة بالتفاهم:
يبقى مضيق هرمز محكًّا للحكمة وحسن التدبير، وميزانًا لقدرة السياسة على تحويل الخلاف من مسار المواجهة إلى أفق المعالجة. فلا الإغلاق قدر محتوم، ولا الإغراق مصير محمود؛ بل إن البصيرة تفتح ما تغلقه المغامرة، والحوار يحفظ ما قد تعرضه المكابرة للخطر.
وحين تُصان سيادة إيران، وتُراعى مصالحها المشروعة، يصبح التفاهم مسارًا عمليًّا لا مجرد شعار، وتغدو الحكمة عنوانًا لقوة تعرف متى تتمسك بحقوقها، وكيف تدير خلافاتها، وأين تفتح نوافذ الحلول. فالمكانة لا تُصان بالضجيج وحده، ولا تُرسَّخ بالمواقف العابرة، بل بثبات الرؤية ورجاحة القرار وحسن تقدير العواقب.
ولعل أبلغ ما تقوله حكمة الجغرافيا إن المضيق، مهما ضاق ممرّه، لا ينبغي أن تضيق به العقول؛ فالمياه التي تحمل أثقال التجارة العالمية تذكّر الجميع بأن للمواقع الاستراتيجية أثرًا يتجاوز حدودها، وأن القرار الرشيد هو الذي يقرأ ما وراء اللحظة، ويستشرف ما بعد الأزمة، ويمنح المستقبل فرصةً أوسع من حسابات التصعيد.
وهنا تتجلى قيمة السيادة حين تقترن بالبصيرة، وقيمة القوة حين تسندها الحكمة، وقيمة السياسة حين ترتفع من ردود الأفعال إلى صناعة المآلات. فليست الغاية أن ينتصر التوتر على التفاهم، ولا أن تتقدم المغامرة على التدبير؛ بل أن تبقى الحقوق مصونة، والمصالح محفوظة، وكرامة إيران ومكانتها موضع احترام، وأن تظل أبواب الحلول مفتوحة أمام إرادة تعرف قدر نفسها، وتدرك أن حسن إدارة القوة أبلغ من اندفاعها، وأن الحكمة في لحظات الاختبار هي التي تصنع الفارق بين أزمة عابرة ومأزق ممتد.
فحين تسمو الحكمة تضيق مساحة المغامرة، وحين ينتصر التفاهم تتجاوز الرؤية حدود المضيق إلى رحابة الآفاق!
كاتب حر في الغربة.
Compose:
New Message