‏استخراج طاقة إضافية من ذاكرة خفية داخل السوائل
منوعات
‏استخراج طاقة إضافية من ذاكرة خفية داخل السوائل
29 تشرين الأول 2026 , 11:53 ص

طرح الفيزيائي جيمس كليرك ماكسويل ‏في عام 1867 فكرة بدت وكأنها انتهاك للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، وكانت ذكية إلى درجة أن الفيزيائيين واصلوا محاولة حل المفارقة التي أثارتها منذ ذلك الحين.

‏استندت الفكرة إلى تجربة ذهنية تتضمن ما سماه ماكسويل «شيطانا»، وهو كائن صغير وذكي يقف عند باب يفصل حجرتين مملوءتين بالغاز، ويسمح للجسيمات السريعة بالمرور إلى إحدى الحجرتين، وللجسيمات البطيئة بالمرور إلى الأخرى. والنتيجة هي ارتفاع درجة الحرارة في إحدى الحجرتين وانخفاضها في الثانية.

‏تكمن المشكلة في أن هذه العملية تؤدي إلى انخفاض الإنتروبيا، وهي مقياس لمدى تشتت الطاقة وعدد الحالات المجهرية الممكنة للنظام. ووفقا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، لا يمكن أن تنخفض الإنتروبيا في نظام معزول من دون زيادة تعوض هذا الانخفاض في مكان آخر.

‏ومع ذلك، بدا أن شيطان ماكسويل يستطيع تحقيق هذه النتيجة من دون بذل أي شغل، ليصبح مثالا شهيرا على الحصول على نتيجة فيزيائية من دون دفع كلفة واضحة.

‏والآن، زاد فريق جديد من الفيزيائيين تعقيد هذه المسألة، بعدما أظهر أن استغلال المعلومات المخفية في ذاكرة نظام فيزيائي قد يسمح باستخراج طاقة أكبر مما يمكن الحصول عليه من نظام مماثل لا يمتلك ذاكرة.

‏كيف تعمل مفارقة شيطان ماكسويل؟

‏من المهم التوضيح أن المفارقة الأصلية لشيطان ماكسويل حُلّت منذ زمن. فحيلة الشيطان ليست مجانية، لأن المعلومات نفسها تخضع للقوانين الفيزيائية، كما أن معالجتها تترتب عليه تكاليف ديناميكية حرارية تحافظ على القانون الثاني للديناميكا الحرارية.

‏لكن حل المفارقة كشف عن فكرة مثيرة للاهتمام، وهي أن المعلومات المتعلقة بنظام فيزيائي يمكن استخدامها لاستخراج شغل مفيد منه.

‏ولتوضيح هذه الفكرة، بنى الفيزيائي كليمنس بيشينغر من جامعة كونستانس في ألمانيا وزملاؤه نموذجا عمليا يحاكي شيطان ماكسويل.

‏حبة زجاجية تتحرك داخل سائل

‏استخدم الباحثون الليزر لاحتجاز حبة زجاجية مجهرية داخل سائل. لكن الحبة لم تكن ساكنة تماما رغم وقوعها تحت تأثير الليزر، إذ ظلت تتعرض لحركة مستمرة نتيجة اصطدام جزيئات السائل بها، ما تسبب في اهتزازها وتحركها بصورة عشوائية.

‏وتعرف هذه الظاهرة باسم الحركة البراونية، وهي حركة عشوائية للجسيمات الصغيرة تنتج عن تصادمها المستمر مع الجزيئات المحيطة بها.

‏ومن خلال مراقبة موضع الحبة، تمكن الباحثون من تحديد الأوقات المناسبة لتحريك مصيدة الليزر والاستفادة من حركة الحبة، واستخراج قدر من الطاقة خلال هذه العملية.

‏يمثل ذلك المبدأ الأساسي لما يعرف باسم «المحرك المعلوماتي»، وهو نظام يستخدم المعلومات المتاحة عن حالة معينة لتحويل الحركة العشوائية إلى شغل مفيد.

‏لكن هذه المحركات تواجه قيدا مهما، إذ لا تستطيع الاستفادة إلا من المعلومات التي يمكنها الوصول إليها. وفي العالم الحقيقي، قد تكون بعض المعلومات مخفية داخل النظام نفسه.

‏شبكة جزيئية تخزن آثار الحركة السابقة

‏هنا تبدأ منظومة بيشينغر في تجاوز النموذج التقليدي لشيطان ماكسويل، لأن السائل المستخدم لم يكن ماء عاديا.

‏فقد احتوى السائل على تراكيب جزيئية تشبه خيوط المعكرونة، تعرف باسم المذيلات، وهي تجمعات مجهرية من الجزيئات تشكل شبكة تتغير بنيتها باستمرار. ولم يتمكن الباحثون من مراقبة حركة هذه الشبكة مباشرة.

‏كانت هذه التراكيب تتشابك ويعاد ترتيبها مع تحرك الحبة الزجاجية، وتحتفظ بآثار من حركتها السابقة، ويمكن لهذه الآثار أن تؤثر في اتجاه حركة الحبة لاحقا.

‏وبذلك، لم يكن الباحثون قادرين على رؤية الشبكة مباشرة، لكنهم استطاعوا استخلاص معلومات عنها من خلال مراقبة حركة الحبة الزجاجية.

‏قياسان يكشفان المعلومات المخفية

‏بدلا من قياس موضع الحبة مرة واحدة، قاس الباحثون موضعها مرتين، مع تحديد فاصل زمني مدروس بين القياسين.

‏وكان توقيت القياسات عاملا حاسما في نجاح التجربة.

‏فإذا أُجريت القياسات بفاصل زمني قصير جدا، فإنها لا تكشف إلا القليل عن التغيرات الخفية داخل السائل. أما إذا كان الفاصل طويلا جدا، فإن الشبكة تكون قد بدأت بالفعل في فقدان آثار حركة الحبة السابقة.

‏ووجد الباحثون أن الفاصل الزمني الأنسب بين القياسين يبلغ نحو ثانية واحدة.

‏ومن خلال مقارنة نتائج القياسين، تمكنوا من استنتاج مدى تأثر الشبكة المحيطة بالحبة بحركتها السابقة، وكذلك الطريقة التي قد تؤثر بها هذه الشبكة في حركتها التالية.

‏وساعدتهم هذه المعلومات على ضبط توقيت تحريك مصيدة الليزر بصورة أكثر فعالية، واستخراج طاقة لم يكن من الممكن الوصول إليها باستخدام المعلومات المتاحة عن موضع الحبة وحده.

‏استخراج طاقة تفوق الحد النظري بثلاثة أضعاف

‏في ظروف معينة، سمحت هذه الاستراتيجية للباحثين باستخراج شغل يصل إلى ثلاثة أضعاف الحد النظري الذي يمكن استخراجه من نظام مماثل لا يحتوي على ذاكرة المذيلات الخفية.

‏ويعني ذلك أن البنية المجهرية للسائل، وما تحتفظ به من آثار للحركة السابقة، يمكن أن توفر موردا إضافيا يساعد على استخراج الطاقة.

‏ولتقريب الفكرة، تخيل كرة صغيرة تشبه كرات اللحم مثبتة داخل وعاء من الحساء يحتوي على خيوط غير مرئية تشبه المعكرونة.

‏تشبه التجربة مراقبة حركة هذه الكرة مرتين لمعرفة ما تفعله الخيوط المحيطة بها، ثم استخدام المعلومات المستخلصة لتحريك مصيدة الليزر بطريقة تسمح باستخراج طاقة إضافية من حركة السائل وتفاعلاته الخفية.

‏وهكذا، لم تعد الحركة العشوائية للحبة هي المصدر الوحيد للمعلومات التي يمكن الاستفادة منها، بل أصبحت آثار حركتها السابقة، المحفوظة في البنية المجهرية للسائل، عاملا إضافيا في تحديد كيفية استخراج الطاقة.

‏هل يمكن استخدام الاكتشاف في تقنيات عملية؟

‏قد يتساءل البعض عما إذا كان هذا الاكتشاف سيفضي إلى تطبيقات عملية، أم أنه يضيف مجرد وسيلة جديدة إلى الحيل النظرية المرتبطة بشيطان ماكسويل.

‏في الوقت الحالي، تقتصر أهمية العمل على الجانب البحثي في المقام الأول. فلم يبن الباحثون آلة مجهرية قادرة على تنفيذ مهمة مفيدة، بل أثبتوا وجود طريقة جديدة لاستخراج الطاقة من نظام مجهري، ووسعوا فهم العلماء لما يمكن أن تحققه المحركات المعلوماتية.

‏وقد تكون لهذه النتائج أهمية في تطوير تقنيات مستقبلية تعمل على المقاييس المجهرية، ولا سيما في البيئات المعقدة مثل السوائل البيولوجية، حيث يصعب التنبؤ بالتفاعلات بين الجسيمات والوسط المحيط بها.

‏وبدلا من التعامل مع هذه التفاعلات باعتبارها عائقا أمام استخراج الطاقة، تشير الدراسة الجديدة إلى إمكانية استغلالها مصدرا إضافيا للطاقة المفيدة.

‏وكتب الباحثون في دراستهم: «تثبت نتائجنا أن الذاكرة البيئية تمثل موردا ديناميكيا حراريا يمكن الوصول إليه تجريبيا».

‏ونُشرت نتائج البحث في مجلة Nature Physics العلمية المتخصصة في الفيزياء.

المصدر: sciencealert