حصل مرض ألكسندر، وهو اضطراب عصبي وراثي نادر يصيب أقل من شخص واحد من بين كل مليون شخص حول العالم، على أول علاج دوائي معتمد يستهدف المرض بشكل مباشر، بعد عقود من الأبحاث العلمية.
ويسبب هذا المرض مجموعة واسعة من المشكلات الصحية، تشمل فقدان القدرة على الحركة، ونوبات التشنج، واضطرابات الكلام، كما أنه غالبا ما يكون مميتا.
وينتج المرض عن خلل في الجين المسؤول عن إنتاج بروتين الخيوط الدبقية الليفية الحمضية (GFAP).
ويؤدي هذا الخلل إلى إنتاج أشكال غير طبيعية من البروتين، تتجمع داخل الخلايا على هيئة كتل متشابكة تعرف باسم ألياف روزنتال (Rosenthal fibers).
وتسبب هذه الألياف إجهادا للخلايا النجمية، وهي خلايا مساعدة في الدماغ، ما يؤدي إلى تلفها، إلى جانب حدوث أضرار في الميالين، وهي المادة التي تشكل غلافا عازلا حول الألياف العصبية وتساعد على نقل الإشارات بينها.
أول دواء يستهدف سبب المرض مباشرة

تركز العلاجات المتاحة حاليا على السيطرة على أعراض مرض ألكسندر والتعامل مع مضاعفاته، لكن
إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) وافقت الآن، بعد عقود من الأبحاث المكثفة، على أول دواء يستهدف المرض نفسه بشكل مباشر.
ويحمل الدواء اسم زيلغانرسن (Zilganersen)، ويباع تحت الاسم التجاري زانفاسترو (Zanvastro)، ويعمل على استهداف بروتين GFAP مباشرة، من خلال تقليل الكمية التي ينتجها الجسم منه.
وأظهرت التجارب السريرية أن هذا العلاج حقق تأثيرا إيجابيا في عدد من الخصائص الأساسية للمرض.
وقال أخصائي علم الأمراض العصبية آلبي ميسينغ، من جامعة ويسكونسن ماديسون، والذي أمضى أكثر من 30 عاما في دراسة هذه الحالة: "إنه يوم رائع طال انتظاره بالنسبة إلى مجتمع المصابين بمرض ألكسندر".
نتائج التجارب السريرية
جاءت الموافقة الأمريكية على الدواء، جزئيا، نتيجة تجربة سريرية شملت 54 مريضا من الأطفال والبالغين، تراوحت أعمارهم حتى 53 عاما، وجرى تنفيذها في 13 مركزا طبيا موزعة على ثماني دول.
وأظهرت النتائج أن المهارات الحركية لدى المشاركين الأصغر سنا استقرت أو تحسنت، في حين حافظ المشاركون الأكبر سنا على سرعة مشيهم دون تراجع، مقارنة بالانخفاض الذي لوحظ لدى المرضى الذين لم يتلقوا العلاج.
وفي العلاجات التي استمرت لأكثر من عام، تبين أن الدواء استوفى جميع معايير السلامة المطلوبة للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.
ورغم تسجيل بعض الآثار الجانبية لدى المرضى، فإن معظمها كان خفيفا أو متوسطا، كما كانت الآثار الجانبية الخطيرة أقل شيوعا لدى الأشخاص الذين تلقوا العلاج مقارنة بالمجموعة الضابطة التي لم تتلق الدواء.
وشملت الآثار الجانبية الأكثر شيوعا القيء، وآلام الظهر، والسعال، والصداع، والألم الذي يحدث بعد حقن الدواء في العمود الفقري.
وحذرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أيضا من إصابة بعض المرضى بالتهاب السحايا العقيم، وهو التهاب يصيب الأغشية المحيطة بالدماغ والحبل الشوكي، دون أن يكون ناتجا عن عدوى بكتيرية.
بداية مرحلة جديدة للمرضى وعائلاتهم
وقال بريت مونيا، العالم الطبي والرئيس التنفيذي لشركة إيونيس للأدوية (Ionis Pharmaceuticals)، المسؤولة عن تطوير العلاج:
"إن الموافقة على دواء زانفاسترو تفتح فصلا جديدا للأشخاص المصابين بمرض ألكسندر وعائلاتهم، الذين واجهوا لفترة طويلة هذا المرض المتفاقم باستمرار، والذي غالبا ما يكون مميتا، دون وجود خيارات علاجية".
ولم يكن الوصول إلى هذه المرحلة سهلا، إذ تطلب تطوير الدواء المرور بعدة مراحل من الأبحاث العلمية.
فقد بدأ ميسينغ، بالتعاون مع عدد من زملائه، ومن بينهم عالم الأحياء العصبية مايكل برينر من جامعة ألاباما في برمنغهام، بدراسة فئران جرى تعديلها وراثيا لإنتاج كميات زائدة من بروتين GFAP.
وعندما أدى ذلك إلى ظهور تجمعات بروتينية داخل الخلايا النجمية في الدماغ، بدأ الباحثون يفهمون بصورة أفضل الآلية التي يتطور بها مرض ألكسندر.
وكانت النماذج الحيوانية قد صممت في البداية لزيادة التعبير عن جين GFAP، لكن الباحثين فوجئوا بأن هذه الفئران طورت، دون قصد، آفات دماغية مماثلة لتلك التي تميز مرض ألكسندر لدى البشر.
وقال ميسينغ: "قدم ذلك استراتيجية علاجية واضحة ومحددة، تتمثل في استهداف بروتين GFAP".
وبعد دراسة الأدوية المعتمدة بالفعل من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، لمعرفة ما إذا كان أي منها قادرا على التأثير في المرض، قرر الباحثون في النهاية تطوير دواء خاص بهم، يهدف إلى خفض مستويات إنتاج بروتين GFAP في الجسم.
كيف يعمل الدواء الجديد؟
يعتمد الدواء على تقنية تعرف باسم قليلات النوكليوتيد المضادة للمعنى (Antisense Oligonucleotides - ASOs)، وهي جزيئات صغيرة مصممة من الحمض النووي، تعمل على تثبيط إنتاج بروتين GFAP.
وجرى اختبار العلاج على الحيوانات أولا، قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر، والتي بدأت عام 2021.
ويتطلب إعطاء دواء زانفاسترو حقنة داخل القناة الشوكية، مرة واحدة كل ثلاثة أشهر، على أن يتولى أحد المتخصصين في الرعاية الصحية تنفيذ هذا الإجراء.
وتشمل الموافقة المرضى من جميع الفئات العمرية، رغم أن العلامات الأولى للمرض تظهر في معظم الحالات قبل بلوغ الطفل عامه الثاني.
وفي وصفها لاستجابة ابنتها المصابة بمرض ألكسندر للعلاج، قالت إحدى الأمهات: "كأن الضباب بدأ ينقشع عن دماغها، وأصبحت شخصيتها تحصل على فرصة للظهور بشكل أكبر مع مرور الوقت".
العلاج يبطئ تطور المرض لكنه لا يشفي منه
ورغم أهمية هذه الخطوة الطبية، فإن دواء زانفاسترو لا يمثل علاجا شافيا من مرض ألكسندر، فهو لا يعكس الأضرار التي حدثت بالفعل، ولا يؤدي إلى اختفاء المرض بصورة كاملة.
لكنه يستطيع إبطاء تطور المرض بدرجة ملحوظة وتحسين الأعراض، من خلال استهداف الأسباب الأساسية التي تقف وراء حدوثه، بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع مظاهره الخارجية.
وفي ختام حديثه، أكد ميسينغ أن الوصول إلى هذه المرحلة من الأبحاث لم يكن ممكنا دون دعم المرضى وعائلاتهم ومشاركتهم في الدراسات العلمية.
وقال: "لم يكن برنامج الأبحاث بأكمله ممكنا دون دعم ومشاركة مجتمع المرضى وعائلاتهم، الذين سنظل ممتنين لهم دائما".