لم يكن الاجتماع الذي جمع إيران والسعودية وتركيا وباكستان في طهران منذ أيام مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل تحركاً سياسياً وأمنياً رفيع المستوى، في ظل مخاوف من تجدد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، واتساع المواجهة لتشمل اليمن ولبنان وسوريا والعراق. وتبدو طهران وكأنها تسعى إلى ترتيب أوراق المنطقة وتحصين جبهاتها قبل أي تصعيد محتمل.
وتكتسب المحادثات أهميتها من طبيعة المشاركين ومواقعهم الحساسة، إذ جمعت وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالين، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي. ويعكس هذا الحضور مستوى التنسيق السياسي والأمني الذي تفرضه خطورة المرحلة، واحتمالات تحول أي مواجهة جديدة إلى صراع إقليمي واسع يعيد رسم موازين القوى.
وفي هذا السياق، تبرز رغبة إيرانية في توسيع التفاهمات الإقليمية، وتحويل «حلف مكة» إلى إطار إسلامي أوسع للتعاون والحد من الهيمنة الأميركية وتداعيات السياسات الإسرائيلية وطموحات بنيامين نتنياهو الإقليمية.
لذلك لا تراهن طهران على المفاوضات مع الولايات المتحدة ، في ظل استمرار الشكوك بنوايا ترامب بشأن احتمالات التصعيد الأميركي الإسرائيلي.
لذلك تركز طهران على فكرة الاستعداد لسيناريو الحرب وتداعياتها المحتملة على المنطقة وهي هواجس مشتركة مع الأتراك بشكل أساسي.
وتشكل الجبهة اليمنية إحدى أبرز الأولويات، إذ إن التفاهم السعودي المباشر مع صنعاء قد يفتح الباب أمام تسوية أوسع، ويمنع تحول الخلاف إلى فتنة طائفية تمتد آثارها إلى المنطقة.
أما في لبنان، فتبرز أهمية احتواء الخلافات بين حزب الله والرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، منعاً لانفجار داخلي يهدد الدولة ويفتح الباب أمام مواجهة أوسع. .
لذلك تسعى الحسابات الإيرانية، بالتعاون مع السعوديين الانتقال بالصراع في لبنان من الخصومة إلى حد أدنى من التعاون المشترك، يقوم على حماية لبنان وصون استقراره ومنع تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والتركيز على مواجهة التصعيد الإسرائيلي عليه .
أما سوريا والعراق، فإن إبعادهما عن أي مواجهة مقبلة يمثل ضرورة لمنع اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى حرب متعددة الساحات. وفي ظل السياسات العسكرية الإسرائيلية ومخاوف توسيع نطاق المواجهة، تزداد الحاجة إلى تفاهمات إقليمية تحمي الدولتين من الانزلاق إلى صراع جديد، وتحد من استغلال الانقسامات الداخلية لإضعاف المنطقة واستنزاف مقدراتها
إن القاسم المشترك بين هذه الملفات هو احتواء بؤر التوتر قبل تحولها إلى جبهات مفتوحة. فترتيب العلاقة بين إيران والسعودية، واحتواء الأزمة اليمنية، وتخفيف الاحتقان في لبنان، وإبعاد سوريا والعراق عن المواجهة، كلها مسارات قد تخدم هدفاً أوسع يتمثل في تقليل فرص الحرب ومنع اتساعها، مع إبقاء الخيارات السياسية والأمنية مفتوحة أمام الأطراف المعنية
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يؤسس اجتماع طهران لتفاهم إقليمي جديد، أم أنه محاولة استباقية لترتيب المنطقة قبل المواجهة الكبرى؟ المؤكد أن التحرك يجري في لحظة شديدة الحساسية، وأن نجاحه لن يُقاس بالتصريحات وحدها، بل بقدرته على تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية تمنع الانفجار. فطهران تبدو معنية بترتيب أوراق المنطقة قبل أي مواجهة محتملة، لكن تحقيق ذلك يتطلب توافقاً إقليمياً حقيقياً، لا مجرد تقاطع مؤقت في المصالح. وفي نهاية المطاف، فإن أي حرب واسعة لن تهدد إيران وحدها، بل قد تضع الشرق الأوسط بأكمله أمام معادلة جديدة من الحروب والضغوط وإعادة رسم النفوذ.