«من تخدير العقول إلى تفجير العوالم؛ حين تتستّر شياطين الفتنة برداء الدين، وتُستدرج براعم الأجيال إلى مستنقعات التكفير والتضليل، تصبح حماية الشباب واجبًا حضاريًّا، واجتثاث منابع الإرهاب ضرورةً إنسانية، وتغدو تحذيرات الشهيد السيد علي خامنئي من الفكر المتطرف نداءً للوحدة الإسلامية وصونًا للإسلام من مختطفي اسمه ومشوّهي جوهره»
لستُ أُكثِرُ الكتابةَ عن الإرهاب ترفًا فكريًّا، ولا أستدعي مآسيه استدرارًا للعواطف؛ بل لأنّ جرحًا ينزف في جسد الإنسانية لا يجوز أن يُترك للنسيان، ولأنّ الفكر الذي يتخذ من المقدّس ستارًا للقتل يستوجب مواجهةً بحجم خطره. فحين يتزيّا الضلال بلباس الهداية، ويستعير الخراب لغة الدين، تصبح الكلمة الواعية حصنًا للعقيدة والإنسان، وسدًّا في وجه الفتنة والعدوان.
إنّ أخطر الإرهاب ليس ما تراه العيون من دماء ودمار فحسب، بل ما يسبقه من اغتيالٍ للعقل، وتخديرٍ للضمير، وتزييفٍ للوعي. ففي بعض البيئات المتشددة، يُختزل الدين في تأويلٍ أحادي، وتُجتزأ النصوص من سياقاتها، وتُستغل رواياتٌ ضعيفة أو موضوعة لتسويغ التكفير واستباحة الدماء والأعراض. وهكذا يُقدَّم التعصب بطولةً، والكراهية غيرةً، والعدوان طاعةً؛ بينما الحقيقة أنّ قداسة الغاية لا تُستمدّ من الشعار، بل من سلامة الوسيلة ونبل المقصد.
أليس القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 190)؟ إنّ الإسلام الذي صان كرامة الإنسان لا يحتاج إلى حرابٍ تشوّه صورته، بل إلى عقولٍ تفهم مقاصده، وقلوبٍ تجسّد رحمته. وما أبعدَ رسالةَ الأنبياء والرسل من أولئك الذين يجعلون الدين جسرًا إلى الفناء، بعدما جاء هدايةً وإصلاحًا وبناءً!
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التحذيرات التي أطلقها الشهيد السيد علي خامنئي من الإرهاب الأعمى والاقتتال الذي يتغذّى على التنازع المذهبي. ففي خطابه أمام المشاركين في المسابقة الدولية الثلاثين للقرآن الكريم، في 8 يونيو 2013، شدّد على وحدة المسلمين، وحذّر من جرائم الإرهاب المرتكبة تحت ذريعة الخصومات المذهبية، مستندًا إلى دعوة القرآن الكريم إلى الاعتصام وعدم التفرّق. وتكشف هذه الرسالة عن جوهر معركةٍ تتجاوز حدود السياسة: فحين تتناحر مكوّنات الأمة، تتسع الثغرات أمام المتربصين؛ وحين تتلاقى على المشتركات، تضيق منافذ الفتنة.
ومن الإنصاف إبراز اهتمام السيد خامنئي بالقرآن الكريم، ودعواته إلى التقارب الإسلامي، بوصفهما جزءًا من مواقفه المعلنة؛ كما أنّ عرض هذه المواقف بموضوعية يُنصف إيران، ويمنع اختزالها في صور نمطية أو أحكام مسبقة. وليس الدفاع عن صورة الإسلام حكرًا على شعبٍ أو دولة؛ إنّه مسؤولية حضارية مشتركة، تتكامل فيها الجهود كلما ارتفعت راية الحوار، وتراجعت أصوات التكفير والتحريض.
لكنّ المعركة لا تبدأ عند فوهة البندقية؛ بل قد تبدأ برسالةٍ مجهولة خلف شاشة. فمستقطبو التنظيمات الإرهابية يتسلّلون إلى مشاعر الشباب والشابات، ويستثمرون الحيرة والغضب والحاجة إلى الانتماء، ثم ينقلون ضحاياهم من مقطعٍ مجتزأ إلى خطابٍ مغلق، ومن عزلةٍ فكرية إلى ارتباطٍ قد ينتهي بالعنف والجريمة. وقد تُستغل الثقة الدينية، أو الرغبة في نصرة المظلوم، لتسويق أجنداتٍ لا تجلب سوى المآسي.
لذلك، أحذّر الآباء والأمهات: لا تتركوا أبناءكم فريسةً لشاشاتٍ لا تعرفون مَن يقف خلفها. اقتربوا منهم بالحوار، وأصغوا إلى أسئلتهم، وعلّموهم التثبت من المصادر، وكشف التلاعب العاطفي، ورفض الدعوات السرية التي تحرّض على قتل الأبرياء أو تكفير المجتمع. وعلى الشباب والشابات أن يدركوا أنّ السؤال ليس ضعفًا، وأنّ التفكير ليس انحرافًا، وأنّ الواعظ الذي يطالبهم بقطع صلاتهم بأسرهم، ويزيّن لهم الدم، لا يصبح صاحب حقّ لمجرد أنّه أكثر من الاستشهاد بالنصوص.
وقد ذاقت مجتمعات في العراق وسورية وايران وليبيا ومصر وبلدان إفريقية وغيرها ويلات التنظيمات الإرهابية؛ فزهقت أرواح، وهُجّرت أسر، ودُمّرت مدن، وطالت الجرائم مسلمين وأتباع ديانات أخرى. ولم تخدم هذه التنظيمات إلا الفوضى والانقسام، وفتحت بجرائمها أبوابًا تستفيد منها قوى تسعى إلى إضعاف المجتمعات. ومن هنا ضرورة التمييز بين الوقائع الموثقة والتحليل السياسي، فلا تُلقى التهم جزافًا، ولا تُستبدل الحجة بالشائعة.
إنّ المواجهة الجادّة تبدأ بتجميد منابع التجنيد، وتجفيف التمويل، وتفكيك الشبكات، وإحباط المخططات، ومحاسبة المتورطين وفق القانون. وعلى المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية أن تنشر الفهم الرصين، وعلى الأجهزة الأمنية المختصة أن تتعامل بجدية مع البلاغات الموثوقة، مع حماية الأبرياء من الاشتباه العشوائي. فالحزم ليس ظلمًا، واليقظة ليست اتهامًا، والوقاية الفكرية لا تقل أهميةً عن الاستعداد الأمني.
الخاتمة:
لهذا أكتب، ولهذا أعود إلى هذا الملف؛ لا اجترارًا للكلمات، بل إصرارًا على مواجهة خطرٍ يتجدد كلما تُرك الشباب لخفافيش التضليل، وكلما اتُّخذ الدين مطيّةً لمشروعات الدم والخراب. أكتب دفاعًا عن الإسلام الحنيف، وعن حقّ الأجيال في مستقبلٍ لا تختطفه أوهام التكفير، وعن وحدة المسلمين التي لا يصونها إلا الوعي والحوار.
فلنُجمّد التجنيد قبل أن تتكاثر البنادق، ولنُحيّد التهديد قبل أن تتسع المقابر؛ فالدين الذي جاء هدايةً لا يجوز أن يتحوّل إلى غواية، والأمة التي تحمي عقول أبنائها تحمي غدها من الانهيار.
كاتب حر في الغربة.