كتب: حسن علي طه
حتى الأمس القريب، كانت الحرب تبدو حتمية، ولم يبقَ سوى تحديد توقيتها: قبل الانتخابات، أو خلالها، وربما بعدها.فسياسة عضّ الأصابع شارفت على خواتيمها، وشتاء أوروبا القارس على الأبواب، ومعه تتعاظم المخاوف من أزمة طاقة جديدة قد تنتقل تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية إلى شوارع باريس وسائر العواصم الأوروبية، فيما يتحوّل مضيق هرمز إلى عنوان حاضر في حسابات الحرب وأسواق الطاقة.
كل ذلك قبل صحوة المارد اليمني.
فمن حكّ الفانوس؟
لا يختلف اثنان على أن من فعل ذلك قد ارتكب خطأً جسيمًا في حساباته، ولم يتعلّم من درس ترامب، الذي اضطر إلى التراجع عن المواجهة المباشرة مع حركة أنصار الله، بعدما أثبتت قدرتها على فرض معادلات عسكرية تتجاوز حدود اليمن، وتعيد إليه مكانة إقليمية افتقدها طويلًا.
أتت اعتداءات محمد بن سلمان على اليمن، وما أعقبها من ردود، صادمة في نتائجها للصديق قبل العدو.
فأنصار الله باتوا يمتلكون من القدرات ما يجعل تهديد الملاحة في باب المندب ورقة ضغط استراتيجية، قادرة على إرباك التجارة الدولية ورفع كلفة المواجهة على خصومهم.
والرد على الاعتداءات لم يعد محصورًا في الجغرافيا اليمنية، بل بات يحمل احتمالات توسّع قد تطال العمق السعودي، بما يضع نظام آل سعود أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية غير مسبوقة في حجمها وتشابكها.
ولم تنجح التحالفات الدولية والإقليمية السابقة في حسم المواجهة اليمنية، الأمر الذي يطرح علامات استفهام كبرى حول قدرة أي تحالف جديد على تحقيق ما عجزت عنه التحالفات السابقة.
ماذا لو سقط نظام آل سعود؟
لن يكون سقوطه، إن حصل، حدثًا سعوديًا داخليًا فحسب، بل زلزالًا سياسيًا قد تمتد ارتداداته إلى أنظمة الخليج، من الإمارات والبحرين وقطر إلى الكويت، وصولًا إلى الأردن.
فالترابط الأمني والاقتصادي والسياسي بين هذه الأنظمة يجعل أي انهيار كبير في المملكة عاملًا مهدّدًا للاستقرار الإقليمي، وإن كانت تداعياته ستختلف من دولة إلى أخرى.
وعندها، قد تتحوّل الجزيرة العربية من أرض تحتضن القواعد الأمريكية إلى مساحة مفتوحة على احتمالات مجهولة، بما يعيد رسم التوازنات على حدود إسرائيل، ويضع مستقبل النفوذ الأمريكي في المنطقة أمام امتحان تاريخي.
وماذا عن سوريا؟
يومًا بعد يوم، يصبح بقاء الجولاني حاكمًا على دمشق أكثر صعوبة، سواء لناحية الأوضاع الداخلية المهدّدة بالانفجار، أو لناحية الاحتكاك التركي الإسرائيلي فوق مساحة جغرافية يرى فيها كل طرف امتدادًا لمشروعه الاستراتيجي.
فمن حلم السلطان أردوغان باستعادة النفوذ العثماني، إلى حلم الملك نتنياهو بإسرائيل الكبرى، تتحوّل سوريا إلى ساحة تتقاطع فيها الأطماع والمصالح المتناقضة، ويصبح استقرار الحكم فيها رهينة توازنات تتجاوز قدرة السلطة القائمة على التحكم بها.
أما في لبنان، فالمشهد أكثر تعقيدًا.
لا إمكانية للتعايش طويلًا مع الواقع الذي فرضه العدو، في وقت أصبحت فيه السلطة السياسية مكشوفة في أهدافها التي عُيّنت من أجلها، وعاجزة حدّ الموت السريري .
وهكذا، يبقى لبنان جزءًا من معادلة إقليمية أكبر، لا يمكن فصل مصير جبهته عن نتائج المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وعليه، فإن احتمالات الحرب تتقدّم، وقد تكون أولى الصواريخ الإيرانية شرارة توسّع المواجهة إلى جبهات أخرى، وفي مقدّمها لبنان.
وما كلام السيد مجتبى إلا غيض من فيض المواقف والمعلومات الواردة من الجمهورية الإيرانية، التي توحي بأن خيار الردّ بقوة حاضر في حساباتها، وأن أي مواجهة واسعة لن تنتهي بسهولة من دون محاولة فرض شروط سياسية وأمنية جديدة، تشمل جبهة لبنان.
لكن، أمام هذا الواقع المحتدم، هل يكون سباق التسوية أسرع من هدير الطائرات؟
هنا تكمن المعادلة الأكثر تعقيدًا.
فالولايات المتحدة تدرك أن حربًا إقليمية واسعة قد تهدّد مصالحها وقواعدها العسكرية، وتضرب أسواق الطاقة والممرات البحرية، وتضع حلفاءها أمام أخطار يصعب احتواؤها.
وفي المقابل، تدرك القوى الإقليمية أن الحرب، مهما بلغت قدرتها على إلحاق الخسائر بالخصوم، قد تفتح أبوابًا من الفوضى لا يستطيع أحد إغلاقها.
من هنا، قد تولد التسوية لا من رغبة الأطراف في السلام، بل من خوفها من نتائج حرب تتجاوز قدرتها على التحكّم بمساراتها ونهاياتها.
وأيّ تسوية يمكن أن تكون؟
تسوية لا تقتصر على وقف إطلاق النار أو تبادل الضمانات، بل تعيد تموضع دول غرب آسيا، وتفتح الباب أمام نظام إقليمي جديد يتراجع فيه النفوذ الأمريكي لمصلحة تفاهمات بين القوى الإقليمية نفسها.
وقد يكون توسيع التحالفات والتفاهمات القائمة، بما فيها الأطر التي جمعت دول اتفاق مكة، لتشمل إيران ومصر، أحد المسارات الممكنة نحو صياغة توازن جديد، تتقدّم فيه المصالح المشتركة على صراعات المحاور.
غير أن مثل هذه التسوية تحتاج إلى تنازلات كبرى، وضمانات متبادلة، واعتراف كل طرف بأن إلغاء الآخر لم يعد خيارًا واقعيًا.
وعندها فقط، يمكن أن تتحوّل المنطقة من ساحة صراع على النفوذ إلى مساحة تفاهم بين قواها الأساسية.
ويبقى السؤال: من يصل أولًا، صواريخ الحرب أم رسل التسوية؟
فالحروب الكبرى لا تمنعها دائمًا رغبة السلام، بل قد يمنعها خوف المتحاربين من نتائج انتصار لا يستطيع أحد تحمّل كلفته.