بقلم: مازن جراي – العابث
حين تحوّل الوعد إلى علاقةٍ عابرة؛ أقنعنا العصر الحديث بأن الحب، لكي يكون صادقًا، يجب أن يكون براءً من كل قيد؛ حرًا من الزواج، ومن الالتزام، ومن الوعد، وأحيانًا حتى من فكرة الاستمرار نفسها. وكأن المسؤولية سجن، والبقاء شكلٌ من أشكال الامتلاك، بينما الرحيل دليلٌ على الحرية.
لكن سؤالًا بسيطًا يستحق أن يُطرح: ماذا يبقى من الحب عندما ننزع عنه كل ما يجعله قادرًا على البقاء؟
ربما لم نُحرر الحب كما نزعم، بل جرّدناه من جَوهره. فالحب ليس مجرد شعورٍ عابر، لأن المشاعر بطبيعتها تتغيّر، ولا مجرد انجذابٍ جسدي، لأن الرغبة تشتعل وتخبو. الحب، في معناه الأعمق، هو أن يتحول الشعور إلى اختيار، والرغبة إلى مسؤولية، واللقاء إلى بناءِ عَيْش.
وهنا ربما يكمن الوهم الكبير: لقد سمّينا الهروب حرية، وسمّينا العلاقة المؤقتة حبًا.
من الحبيب إلى المستهلك
نعيش في عصرٍ يقوم على الاستهلاك؛ نشتري ما نريد، ونستبدله حين تظهر نسخةٌ أحدث. ننتقل بين المرئيات والأغاني والمنتجات بإشارةٍ من البَنان، وربما تسلل هذا المنطق، من حيث لا نشعر، إلى علاقاتنا الإنسانية.
لم يعد السؤال أحيانًا: من هو الإنسان الذي أستطيع أن أطوي معه العمر؟ بل: من يستطيع أن يمنحني ما أريده الآن؟
وحين تتحول العلاقة إلى تبادلٍ مؤقت للرغبات، يصبح الطرف الآخر مهددًا بأن يتحول من إنسانٍ كامل إلى وسيلة: وسيلة للمتعة، أو للفرار من الوحدة، أو للحصول على الأمان المادي، أو لإشباع حاجةٍ عابرة.
ليست المشكلة في الجسد، فالجسد جزءٌ من الإنسان، لكن المشكلة تبدأ حين نختزل الإنسان كله في جسده. فالجسد يستطيع أن يجمع شخصين في مكانٍ واحد، لكنه وحده لا يستطيع أن يمنحهما سببًا للبقاء عندما تنطفئ الرغبة.
حين يصبح السؤال: ماذا سأحصل منك؟ بدلاً من: ماذا يمكن أن نبني معًا؟ يبدأ الحب في الموت.
السَّكَن… الحكمة التي سبقت عصرنا
حين نتأمل التصور القرآني للعلاقة بين الرجل والمرأة، نجد رؤية أعمق بكثير من اختزال العلاقة في الرغبة أو حتى في المشاعر العاطفية مجردة. يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
ثلاث كلمات تختصر فلسفةً كاملة: السَّكَن، والمودّة، والرحمة.
السَّكَن هو أن تجد في إنسانٍ آخر طمأنينة لا مجرد إثارة. والمودّة هي حبٌّ يتجاوز تقلب المزاج والرغبة. أما الرحمة، فهي ربما أعمقها جميعًا؛ لأنها تظهر حين لا تكون الحياة وردية، وحين يمرض أحدنا، أو يضعف، أو يمر بأيام لا يكون فيها في أفضل حالاته.
إنها رؤية لا تسأل فقط: هل تحبني الآن؟ بل تسأل: هل تستطيع أن تكون لي سَكَنًا عندما تصبح الحياة قاسية؟
ولهذا، فإن الزواج في معناه الأعمق ليس وثيقةً تُوقَّع ولا حفلًا يُقام، بل إعلانٌ أخلاقيٌّ أصيل يقول: أنا لا أريدك للحظة، بل أريد أن أبني معك زمنًا.
الحب الحقيقي ليس أُحْدُوثَةً خيالية
ربما ساهمت الروايات والأخيلة المصورة في خداعنا حين جعلت الحب سلسلةً متواصلة من الشغف والمفاجآت. لكن الحياة الحقيقية أشدُّ قسوة وأقلُّ شاعرية أحيانًا.
الحب قد يكون مريضًا يحتاج إلى من يرعاه، وخلافًا يحتاج إلى من يتنازل، وأيامًا طويلة لا يحدث فيها شيءٌ استثنائي. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
فليس الحب أن تجد شخصًا يجعلك سعيدًا في كل لحظة، بل أن تجد شخصًا لا يصبح وجوده بلا معنى عندما تمر الأيام التي لا تكون فيها سعيدًا.
ولهذا فإن العلاقة التي تُبنى فقط على الرغبة تنتهي بانتهاء سببها، أما العلاقة التي تبني بين طرفين تاريخًا ومسؤولية ورعاية، فهي تمتلك شيئًا تقاوم به الزمن.
هل مات الحب؟
ربما لم يمت الحب، لكننا خلطنا بينه وبين أشياء كثيرة: بين الرغبة والحب، وبين التعلّق والحب، وبين الوحدة والحب، وبين الحاجة والحب.
لقد جعلنا الحب حرًا إلى درجة أنه أصبح عاجزًا عن البقاء، وجعلنا الالتزام تهمة، بينما صار الهروب حقًا مقدسًا.
لكن الحب الحقيقي يحتاج إلى شجاعةٍ أكثر مما يحتاج إلى حرية. شجاعة أن تقول لإنسان: لن أستنفِدَك ثم أرحل، ولن أحبك فقط ما دمت تحقق رغباتي، بل سأحاول أن أبني معك شيئًا أكبر منا نحن الاثنين.
ربما لهذا لم يكن الزواج، في حكمته الإلهية، نهاية الحب كما يصوره البعض، بل بدايته الحقيقية. فهناك، حين يتحول الانجذاب إلى سَكَن، والحب إلى مودة، والقرب إلى رحمة، يبدأ الإنسان في فهم الفرق بين أن يجد شخصًا يرغب فيه… وأن يجد إنسانًا يستطيع أن يعيش معه.
فالحب ليس أن تقول: أريدك الآن.
الحب أن تقول: أريد أن أبني معك غدًا.