العالم على مفترق طرق ... هل تتشكل خريطة جديدة للصراعات والنفوذ ؟
مقالات
العالم على مفترق طرق ... هل تتشكل خريطة جديدة للصراعات والنفوذ ؟
وائل المولى
3 تشرين الثاني 2026 , 19:54 م

لم يعد العالم أمام أزمات متفرقة يمكن فصل إحداها عن الأخرى، بل أمام مشهد دولي تتداخل فيه الحروب والاضطرابات الاقتصادية والتهديدات العسكرية وصعود التطرف، في وقت تتراجع فيه قدرة النظام الدولي على احتواء الصراعات. من الشرق الأوسط إلى أوروبا وأفريقيا، ومن أوكرانيا إلى أميركا اللاتينية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع النفوذ وتغيير قواعد القوة، فيما تتحمل الشعوب القسم الأكبر من كلفة هذا التحول.

ربما كانت جائحة كورونا نقطة البداية الفعلية لهذا المسار فقد كشفت هشاشة الاقتصاد العالمي، وأربكت سلاسل الإمداد، وأعادت طرح أسئلة الأمن الغذائي والطاقة والاكتفاء الاستراتيجي. لكن الأزمة الصحية تحولت لاحقاً إلى سلسلة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية والعسكرية، من الحرب الأوكرانية إلى المواجهات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وصولاً إلى تصدع التحالفات الدولية.

وفي قلب هذه التحولات تقف المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، التي تتجاوز حدود الخلاف حول البرنامج النووي إلى صراع أوسع على النفوذ ومستقبل التوازنات الإقليمية. فإسرائيل ترفع مستوى الاستعداد العسكري وتدفع باتجاه تشديد الضغوط على طهران، وصولا ً لحرب نووية فيما يحاول الرئيس الأمريكي ترامب أن يوازن بين التهديد والتفاوض، وسط تحذيرات من أن أي ضربة عسكرية قد تفتح مواجهة يصعب التحكم بمساراتها. وفي المقابل، تحاول السعودية ودول الخليج تجنب الانجرار إلى الحرب والحصول على ضمانات تحمي أراضيها ومنشآتها.

لكن أخطر ما في هذه المعادلة هو مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لتجارة النفط والغاز العالمية. إغلاقه وتعطيل حركة الملاحة فيه ليست مجرد تطور عسكري إقليمي، بل صدمة اقتصادية دولية رفعت أسعار الطاقة وتزيد تكاليف النقل والإنتاج، وانعكس ذلك على التضخم وأسعار الغذاء والقدرة الشرائية في أوروبا وآسيا. وهنا أصبح أمن الشرق الأوسط جزءاً مباشراً من الأمن الاقتصادي العالمي.

وبالتوازي، تزداد خطورة الحرب الروسية الأوكرانية، مع تصاعد التهديدات الروسية تجاه بريطانيا على خلفية دعمها العسكري لكييف، واحتمالات انتقال المواجهة إلى مستوى أوسع يضع الأمن الأوروبي أمام تحديات غير مسبوقة. وتكتسب التحذيرات البريطانية واليابانية من ضرورة تخزين الغذاء والمياه والاستعداد للطوارئ أهمية إضافية في ظل المخاوف من اضطراب الإمدادات والهجمات السيبرانية وتعطل البنى التحتية.

أما أفريقيا، فتعيش بدورها مرحلة بالغة الاضطراب، وفي مقدمتها السودان الذي تحولت الحرب فيه إلى مأساة إنسانية مفتوحة، بالتزامن مع اتساع نشاط الجماعات المتطرفة في الساحل ومناطق أخرى، وتداخل الصراعات المحلية مع التنافس الدولي على الموارد والنفوذ.

وفي أميركا اللاتينية، تعود كوبا إلى واجهة الضغوط والتهديدات الأميركية، ضمن توجه واشنطن لتعزيز نفوذها في محيطها الجغرافي والحد من تمدد منافسيها، فيما تتحرك الصين دبلوماسياً واقتصادياً لتوسيع حضورها العالمي.

أما أوروبا، فتواجه تحدياً داخلياً متصاعداً مع اتساع الاحتجاجات المرتبطة بغلاء المعيشة والسكن وتراجع الخدمات والقدرة الشرائية. ولا يزال أفق هذه الاحتجاجات غير واضح، خصوصاً مع تنامي الشعور بأن المجتمعات تدفع ثمن صراعات وقرارات لا تملك التأثير الكافي في مساراتها

إن ما يجمع هذه المشاهد ليس مجرد تزامن الأزمات، بل ترابطها وتأثير بعضها في بعض، من الطاقة إلى الأمن والغذاء، ومن الاقتصاد إلى الاستقرار السياسي، فضلاً عن تنامي التطرف والإرهاب في بيئات يغذيها انهيار الدول واتساع الفوضى.

لقد بدأ التغيير مع كورونا، وتسارع مع الحروب، وظهرت ملامحه بوضوح في تبدل موازين الشرق الأوسط وتراجع الثوابت الدولية واتساع رقعة الصراعات. نحن أمام تحول تاريخي أصبح واقعاً لا احتمالاً عالم قديم يفقد توازنه، وقوى جديدة تسعى إلى تثبيت مواقعها، وشعوب تواجه كلفة مرحلة لم تتضح نهايتها بعد. إن خريطة العالم تتغير بالفعل، وما نعيشه اليوم ليس سوى بداية تشكل نظام دولي جديد، ستكون ملامحه مختلفة جذرياً عما عرفناه خلال العقود الماضية.

المصدر: موقع اضاءات الإخباري