توصيات جديدة للأطراف الاصطناعية المثبتة مباشرة في العظام
دراسات و أبحاث
توصيات جديدة للأطراف الاصطناعية المثبتة مباشرة في العظام
4 تشرين الثاني 2026 , 18:22 م

تعد تقنية الاندماج العظمي إجراء جراحيا ترميميا للمرضى، يجري خلاله توصيل غرسة اصطناعية بالعظم مباشرة. وقد شهد هذا المجال تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة، إذ أظهرت الأبحاث وجود فوائد محتملة عديدة لهذه التقنية مقارنة بالأطراف الاصطناعية التقليدية التي تعتمد على تجويف يحيط ببقايا الطرف المبتور.

‏وقال إريك إيرلي، الأستاذ المساعد في أبحاث جراحة العظام بكلية الطب في جامعة كولورادو أنشوتز: «نشهد أيضا تزايدا في الدراسات التي تظهر فوائد أجهزة الاندماج العظمي للأشخاص الذين يواجهون صعوبات في استخدام التجويف التقليدي للطرف الاصطناعي».

‏ومع التطور السريع للأبحاث والرعاية الطبية، يبرز سؤال مهم: كيف يمكن وضع مجموعة موحدة من الإرشادات وسط هذه التغيرات، بما يضمن أفضل النتائج الممكنة للمرضى، خصوصا أن تصميم الطرف الاصطناعي ومكوناته يختلفان من مريض إلى آخر؟

‏تبدأ الإجابة من العمل الجماعي، من خلال بناء توافق في الآراء بين خبراء هذا المجال من مختلف أنحاء العالم.

‏وأوضح إيرلي: «لا تزال تقنية الاندماج العظمي في مراحلها الأولى. وقد نشرنا في جامعة كولورادو أنشوتز عدة دراسات ومراجعات بحثية هدفت إلى تحديد التوافق الحالي والتوصيات المتعلقة بوصف الأطراف الاصطناعية».

‏وتتمثل الخطوة التالية في البدء بوضع أفضل الممارسات في صورة إرشادات سريرية رسمية. ففي الوقت الحالي، يتبادل اختصاصيو الأطراف الاصطناعية المعلومات والخبرات فيما بينهم، لكن التفاصيل المتعلقة بالأطراف المثبتة مباشرة في العظام وتقنية الاندماج العظمي لا تشكل جزءا رئيسيا من برامج تدريبهم.

‏وفي الحوار التالي، يوضح إيرلي المكونات الأساسية للطرف الاصطناعي، وأهمية إعطاء الأولوية للنشاط اليومي وسلامة المرضى، إضافة إلى أبرز النتائج التي توصلت إليها دراسة توافق الخبراء باستخدام منهج دلفي، ونشرتها جامعة كولورادو أنشوتز في مجلة Archives of Physical Medicine and Rehabilitation، بشأن الأطراف الاصطناعية المثبتة بالعظام أسفل الركبة.

‏ما المكونات الرئيسية للطرف الاصطناعي المثبت بالعظام أسفل الركبة؟

‏داخل الجسم، توجد غرسة داخل النقي، أي داخل التجويف الموجود في العظم، إلى جانب وصلة عبر الجلد تبرز إلى الخارج. وهذه الوصلة هي الجزء الذي يتصل به الطرف الاصطناعي فعليا.

‏أما خارج الجسم، فعادة ما توجد وصلة أو قطعة أمان مصممة للانفصال عند تعرض الطرف لقوى مرتفعة. ويساعد ذلك على حماية الغرسة من انتقال هذه القوى إلى العظم، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث كسر.

‏وبعد هذه المكونات، تتشابه بقية أجزاء الطرف الاصطناعي إلى حد كبير مع مكونات الأطراف التقليدية المعتمدة على التجويف. فعندما يتعلق الأمر بشخص خضع لبتر أسفل الركبة، يتضمن الطرف الاصطناعي عادة كاحلا وقدما اصطناعيين، وربما وصلة إضافية وعمودا داعما.

‏ما المقصود بتوافق دلفي وكيف يسهم في وضع الإرشادات السريرية؟

‏توافق دلفي هو عملية تكرارية مجهولة الهوية، تستخدم للوصول إلى توافق أساسي بين مجموعة من الخبراء.

‏وتتضمن هذه العملية عادة عدة جولات من الاستبيانات، يصوت المشاركون خلالها أو يقدمون إجابات بشأن افتراضات أو مجموعة من المعارف المتعلقة بموضوع معين، يحددها الفريق المشرف على الدراسة.

‏وبعد جمع الإجابات، تعاد النتائج إلى المشاركين لمساعدتهم على إعداد قائمة بالأولويات التي تحظى بتوافق بينهم.

‏ويصف إيرلي هذه الطريقة بأنها خطوة أولى مفيدة، قائلا: «في ظل غياب الأدلة العلمية أو أي توصيات أخرى موجودة، كان هذا هو السبب الذي دفعنا إلى إعداد دراسة التوافق هذه في المقام الأول».

‏وأضاف: «إنها عملية تكرارية ومجهولة الهوية، ما يقلل بعض أشكال التحيز المرتبطة بالأقدمية. كما تتيح للمشاركين الاطلاع على آراء الآخرين بشأن الموضوع وتعديل قراراتهم بناء على ذلك».

‏أما الخطوة التالية، فيوضح إيرلي أنها تتمثل في اختبار مدى صمود هذه التوصيات أمام الأدلة الجديدة، أو الحاجة إلى تعديلها مع ظهور مزيد من النتائج العلمية.

‏وقال: «علينا أن نرى مدى ثبات هذه التوصيات، أو ما إذا كانت تحتاج إلى إعادة ضبط في ضوء الأدلة الجديدة. وعندما يتوفر هذان الجانبان، يمكن اقتراح إرشادات للممارسة السريرية. وتظل سلامة المرضى دائما الأولوية القصوى».

‏لماذا نحتاج إلى توصيات خاصة بالأطراف المثبتة بالعظام؟

‏تكمن الصعوبة في أن رعاية الأطراف الاصطناعية تختلف بصورة كبيرة من مريض إلى آخر. لكن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الباحثين إلى إجراء هذه الدراسة هو أن التوصيات الحالية المتعلقة بمكونات الأطراف الاصطناعية تفترض في الأساس استخدام الطرف التقليدي المعتمد على التجويف.

‏ويوضح إيرلي أن الباحثين أرادوا اختبار هذه الافتراضات، لمعرفة التوصيات التي يمكن نقلها وتطبيقها على الفئة الجديدة من المرضى الذين يستخدمون أطرافا اصطناعية مثبتة مباشرة في العظام.

‏والأهم من ذلك، أنهم أرادوا تحديد الجوانب التي تتطلب اعتبارات مختلفة وتوثيقها رسميا.

‏وفي الوقت الحالي، يعتمد جانب كبير من رعاية مستخدمي الأطراف المثبتة بالعظام على اكتساب مقدمي الرعاية الخبرة من خلال الممارسة العملية، أو التعلم من اختصاصيين آخرين في مجال الأطراف الاصطناعية.

‏ثلاثة مكونات أساسية لتعزيز السلامة

‏توصل الخبراء المشاركون في الدراسة إلى توافق بشأن ضرورة أن تتضمن الأطراف الاصطناعية المثبتة بالعظام أسفل الركبة ثلاثة مكونات رئيسية:

‏وصلة أمان.

‏ممتص لعزم الدوران.

‏قدم اصطناعية ذات أصابع مشقوقة مصنوعة من ألياف الكربون.

‏وأوضح إيرلي أسباب اختيار هذه المكونات.

‏فمعظم الشركات المصنعة للغرسات تشترط استخدام وصلة الأمان، ولذلك لا يستطيع اختصاصيو الأطراف الاصطناعية الاستغناء عنها من دون موافقة الشركات المصنعة.

‏ومن أبرز الاعتبارات المتعلقة بالأطراف المثبتة بالعظام حماية العظم من القوى وعزوم الدوران غير المقصودة. ولهذا أوصى الخبراء باستخدام ممتص عزم الدوران للمساعدة على تقليل القوى التي تنتقل إلى العظم.

‏وتعمل وصلة الأمان بطريقة تشبه مثبتات أحذية التزلج، إذ تنفصل عند تعرضها لقوة تتجاوز حدا معينا. وكما هي الحال في هذه المثبتات، يجب ضبط هذا الحد بدقة.

‏فإذا كان الحد منخفضا أكثر من اللازم، فقد تنفصل القدم الاصطناعية بصورة مفاجئة، ما يؤدي إلى سقوط المريض أو تعرضه لإصابة، مثلا أثناء النزول عن الرصيف.

‏أما إذا كان الحد مرتفعا أكثر من اللازم، فقد تنتقل قوة كبيرة مباشرة إلى الغرسة، ما قد يؤدي إلى تلفها أو التسبب في كسر العظم.

‏وتعد هذه المكونات أساسية لسلامة المرضى، كما أن تحديد أفضل طريقة لضبط حد الانفصال لا يزال موضوعا يحظى بنقاش واسع بين المتخصصين في هذا المجال.

‏لماذا أوصى الباحثون باستخدام قدم من ألياف الكربون؟

‏تعد الأقدام الاصطناعية المصنوعة من ألياف الكربون من الأنواع المستخدمة على نطاق واسع.

‏وقدم الباحثون خلال الدراسة أنواعا مختلفة من الأقدام الاصطناعية، وطلبوا من الخبراء تقييم كل نوع وترتيبه بصورة مستقلة.

‏ولم يوص الخبراء عموما باستخدام الأقدام البسيطة جدا، مثل قدم «SACH»، وهي اختصار لعبارة تعني القدم ذات الكاحل الصلب والكعب المبطن.

‏وأوضح إيرلي أن الأقدام الاصطناعية تشبه في تصميمها شفرات الجري الصغيرة التي قد يشاهدها الجمهور لدى رياضيي الألعاب البارالمبية.

‏وتتكون هذه الأقدام أساسا من مادة مرنة، مثل ألياف الكربون أو الألياف الزجاجية، تعمل بطريقة تشبه النابض عند الضغط عليها أثناء المشي.

‏فعندما يضع الشخص وزنه على القدم، تمتص المادة جزءا من الطاقة، ثم تعيد إطلاقها عند رفع القدم عن الأرض، ما يساعد على دفع الجسم إلى الأمام.

‏وتوفر المواد المختلفة، مثل ألياف الكربون، درجات متفاوتة من الصلابة والمرونة، بما يؤثر في أداء القدم الاصطناعية.

‏ما الأجهزة التي لم تحظ بتوصية واضحة؟

‏في المقابل، لم يوص الخبراء عموما باستخدام الكواحل الروبوتية أو الكواحل التي تتحكم بها المعالجات الدقيقة، لكنهم لم يتوصلوا أيضا إلى توافق يوصي بمنع استخدامها.

‏وتوفر الكواحل المزودة بمحركات حركة دفع نشطة للقدم إلى الأسفل أثناء المشي، وهي حركة تعرف باسم الثني الأخمصي.

‏وبالنسبة إلى مستخدمي الأطراف الاصطناعية التقليدية المعتمدة على التجويف، يمكن أن تساعد هذه التقنية على تحسين المشي وتقليل استهلاك الطاقة، فضلا عن تسهيل صعود الدرج.

‏لكن استخدام هذه الأجهزة مع الأطراف المثبتة مباشرة في العظام يثير مخاوف تتعلق بإضافة قوى أخرى إلى الطرف الاصطناعي، وهو ما قد يعرض العظم لقوى غير مقصودة.

‏ويرى الباحثون أن إثبات فوائد هذه الأجهزة في هذه الفئة من المرضى يتطلب دراسات وأبحاثا مخصصة، قبل أن يوافق اختصاصيو الأطراف الاصطناعية والشركات المصنعة على استخدام أجهزة صممت أساسا للعمل مع الأطراف المعتمدة على التجويف.

‏الحاجة إلى توحيد التوصيات بين الأنظمة الصحية

‏يوضح إيرلي أن هناك فجوات ينبغي سدها لمساعدة مقدمي الرعاية على توحيد الإجراءات بين الأنظمة الصحية، وضمان حصولهم على تدريب متقارب، مع تقديم أفضل رعاية ممكنة للمرضى.

‏فعلى سبيل المثال، راجع الباحثون التوصيات المنشورة بشأن الأطراف الاصطناعية التقليدية المعتمدة على التجويف، ولا سيما تلك الصادرة عن وزارة شؤون المحاربين القدامى ووزارة الدفاع الأمريكيتين.

‏وتتضمن هذه التوصيات بعض العناصر، لكنها لا تشمل عناصر أخرى، مثل ممتصات الصدمات وممتصات عزم الدوران، رغم أن هذه المكونات كانت من الموضوعات التي تكررت مناقشتها خلال دراسة توافق دلفي.

‏ما الخطوات البحثية المقبلة؟

‏توجد حاليا إرشادات عديدة للمرضى الذين يستخدمون تقنية الاندماج العظمي، لكن بعضها يوصي بتجنب أنشطة معينة بدافع الحذر الشديد، مثل الأنشطة عالية التأثير، بما فيها الجري ورفع الأثقال.

‏وفيما يتعلق بإعادة التأهيل، أظهرت الدراسة وجود توافق على التوصية باستخدام ممتص عزم الدوران، لكن بعض الخبراء أشاروا أيضا إلى حالات قد يؤثر فيها هذا المكون سلبا في عملية إعادة التأهيل.

‏وتشير دراسات مجموعة أبحاث الأطراف المثبتة بالعظام إلى إمكانية حدوث تراجع جزئي في ضمور العضلات لدى الأشخاص الذين يمشون باستخدام هذه الأطراف.

‏كما أظهرت أبحاث بريكا غافني، التي استخدمت النماذج البيوميكانيكية وتقنيات التصوير، حدوث تغيرات في القوى الديناميكية للعضلات لدى مستخدمي الأطراف المثبتة بالعظام.

‏وقد يكون ذلك مرتبطا باستخدام بعض المرضى عضلاتهم بدرجة أكبر مما كانوا يفعلون عند استخدام الأطراف التقليدية المعتمدة على التجويف.

‏وتحدث هذه التغيرات بمرور الوقت، ولذلك يحتاج اختصاصيو الأطراف الاصطناعية غالبا إلى متابعة هؤلاء المرضى بصورة متكررة، وإجراء تعديلات تدريجية على محاذاة الطرف الاصطناعي أو زواياه.

‏ويمثل سد هذه الفجوات خطوة أساسية لتهيئة المجال لوضع إرشادات سريرية مستقبلية، بما يساعد على تحسين الرعاية وتوحيد الممارسات وتعزيز سلامة المرضى.

المصدر: الحرم الطبي لجامعة كولورادو أنشوتز