خلال متابعة الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وربما الأوروبية أيضاً، يخطر في البال سؤال بسيط لكنه مؤلم: لماذا لا نكون نحن كذلك؟
لماذا يتابع العرب والمسلمون صناديق اقتراع الآخرين بشغف، ويحللون نتائجها، ويتجادلون حول مرشحيها، وينتظرون ما ستنتجه صناديقهم من سياسات وحروب وتحالفات، بينما ما زالت مجتمعاتنا تعاني من ضعف المشاركة السياسية وغياب الثقة بالمؤسسات وتراجع مفهوم المواطنة؟
ربما لأن المسألة أعمق من الانتخابات نفسها. إنها أزمة في طريقة التفكير.
هناك عقدة نقص تجاه الحرية والديمقراطية والانتخابات، حتى أصبح العربي يتعامل مع التجربة الغربية وكأنها نموذج بعيد يستحق الإعجاب أو التقليد، بدلاً من أن يسأل: لماذا لم نستطع بناء تجربتنا الخاصة؟ ولماذا لا تكون لدينا ديمقراطية تناسب مجتمعاتنا وتحترم هويتنا وتضمن في الوقت نفسه حرية الإنسان وكرامته؟
المشكلة أن ضعف الانتماء الوطني جعل كثيرين ينتمون إلى الطائفة أو العشيرة أو الحزب أو الزعيم أكثر مما ينتمون إلى الوطن. وعندما يضعف الوطن، تصبح المؤامرة على الآخر أسهل، ويصبح النفاق السياسي والاجتماعي وسيلة للبقاء، ويصبح الكذب أحياناً جزءاً من الحياة اليومية.
والأخطر أن جذور المشكلة تبدأ مبكراً. ففي بعض البيئات، يُربّى الطفل على الطاعة العمياء أكثر مما يُربّى على السؤال والنقاش. يصبح الاعتراض وقاحة، والسؤال تمرداً، وامتلاك رأي مستقل خروجاً عن المألوف. وهكذا نطالب الإنسان عندما يكبر بأن يكون ديمقراطياً، بينما نكون قد علّمناه منذ طفولته أن يخاف من الحرية.
حتى علاقتنا بالمرأة تكشف جانباً من هذه الأزمة. فما زالت مجتمعات عربية ومسلمة تتعامل مع الأنثى في أحيان كثيرة وكأنها كائن مختلف، تُفرض عليه قيود لا تُفرض بالقدر نفسه على الرجل، وكأن الاختلاف بين الجنسين يعني اختلافاً في القيمة والكرامة والحقوق. لا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبلاً حديثاً وهو يخشى نصفه.
ولا يمكن أيضاً أن نستعيد أي دور حضاري ونحن نخلط بين الدين والتعصب، وبين الانتماء والطاعة، وبين العاطفة والسياسة، ونمنح ثقتنا لكل من يرفع شعار الإسلام، حتى لو كان كاذباً أو منافقاً أو لا يقدم للناس سوى الانقسام والمؤامرة على الآخرين.
الدين قيمة، والوطن مسؤولية، والسياسة مصلحة، والإنسان هو الأساس.
إذا أراد العرب والمسلمون استعادة حضورهم، فعليهم أولاً أن يتصالحوا مع فكرة الاختلاف، وأن يتعلموا من تجارب الآخرين من دون عقدة نقص، وأن يبنوا دولاً تقوم على المواطنة والقانون والكفاءة، لا على الولاء والخوف والطاعة العمياء.
استعادة الأمجاد لا تبدأ من الماضي، ولا من الشعارات، ولا من البحث عن زعيم جديد؛ بل تبدأ من إعادة بناء الإنسان.
فالذين يصنعون التاريخ ليسوا أكثر منا ذكاءً بالضرورة، لكنهم تعلموا أن الاختلاف ليس خيانة، وأن المرأة ليست خصماً، وأن السؤال ليس تمرداً، وأن الانتخابات ليست طقساً غريباً، وأن الوطن أكبر من الطائفة والحزب والعائلة.
وربما يكون السؤال الحقيقي ليس: لماذا هم هكذا ونحن لسنا كذلك؟
بل متى نقرر أن نغيّر نحن أولاً؟