القائمة الرئيسية

 بمناسبة الذكرى ال 1400 على استشهاد الإمام علي ع,, قراءة تاريخية عن خلافتة- شاكر زلوم

26-05-2019, 06:13 الكاتب شاكر زلوم
إضاءات

 

مقدمة : في ذكرى استشهاد الإمام عليّ عليه السلام سأعيد نشر مقال سبق وان نشرته وهو بعنوان  (اسطورة الخلافة,, بين الحقيقة والوهم (الجزء الرابع)  لقد نشرته في شهر تشرين الثاني ( نوفمبر) من عام 2014 للرد على أعلان ( دولة الخلافة) التي أعلنها البغدادي بعد احتلال الموصل في شهر تموز من ذات العام, أعلن البغدادي دولة خلافته من جامع النوري الكبير في الموصل, توقعت أن تتصدى المؤسسة الكهنوتية الرسمية العربية لدعوة البغدادي تلك لكنها لم تفعل حتى لحظة كتابتي المقال في حينه, تمت بعد ذلك بفترة  محاولات باهتة للرد عليه, أنا لست فقيهاً ولا أدعي ولا أطمح في ذلك, لكنني وجدت من الضرورة حيث تخلت المؤسسات الكهنوتية الاسلامية الرد على البغدادي أن أتصدى لدعوات جلبت الدمار والخراب على بلادنا وأهلكت البشر ودمرت الأثر واحرقت الشجر, لا سيما وان الجماعات الاسلامية تعتبر اعادة الخلافة ركن اساس في برامجها المعلنة والتي تعبئ عناصرها عليها وهنا أخص جماعة حزب التحرير الاسلامي تحديداً لكونه حمل السلاح في سوريا خلافاً لقاعدته التي تقول بالانقلابات على النظم والتمكن من رأس الدولة ليتمكن من اعلان الخلافة الاسلامية مجدداً, مع العلم أنه ولإعتبارات نظرية خاصة به لم يحمل السلاح لمواجهة الاحتلال الصهيوني في فلسطين حيث له عناصره مناصريه الكثر فيها.

لقد اتفقت كتب الفقه والموروث الإسلامي على كافة ما ورد من استشهادات واقتباسات وردت بمتن المقال عن سيرة الإمام علي (ع), ولأن الإمام علي(ع) هو المرجع الديني الأهم في الإسلام حسب جميع مذاهبه وطوائفه, رأيت من المناسب أن أعيد نشر قصة خلافته كما وردت في كتب تأريخ الموروث الاسلامي لأرد على الإدعاء (الخلافة الاسلامية) بالحجة والدليل لأن المدعي (البغدادي) تسربل زيفاً وكذباً بالإسلام والسنة, اليكم نص مقالي  الذي أزعم أنه مهم ومفيد لكل المتعلمين سواءً كانوا من اليمين او اليسار فكلاهما يجهلون ما سيرد في السطور الواردة بمتن المقال بعنوان:

اسطورة الخلافة ,, بين الحقيقة والوهم (الجزء الرابع)..!

 

توفي الخليفة عثمان في ظل فوضاً عارمه ,, ثوار غاضبون أتوا من كل الأمصار,, وصحابة حانقون على خليفة ابتعد عن سنة رسوله وغاضبون من حاكم استبدل سيرة الرسول بسيرة بني اميه ومن حُكم أتى على الأخضر واليابس فحول حياة الناس لفقر وبؤس بالوقت الذي حصد فيه بنوا أمية كل المكاسب المالية والسياسيه, بعهد الخليفة الثالث اختلفت مقاصد بعض “الصحابة” في خلافهم مع الخليفة الثالث, فبعضهم كان صادقاً وآخرين كانوا حانقين على خليفة همشهم وهشم آمالهم بالوصول لمغانم الحكم بظل سيطرة تكاد تكون تامة لطلقاء بني أميه على الدولة ومفاصلها وأتوا على كل مواردها بالكامل, هذا البعض كان يهدف الى الوصول للحكم لا العودة للسيرة النبوية العطره .

كانت دولة الخلافة الثالثة دولة ظلم وفساد, تقاذفها طلقاء بنوا أمية تقاذف الكرة وفق أهوائهم ومصالحهم, بالعهد الثالث جُلد الصحابي الجليل عمار بن ياسر حتى أغميَّ عليه ونفي, واضطهد الصحابي الجليل أبا ذر الغفاري ومات مظلوماً حزيناً و وحيداً, بينما غضب طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشه من تهميش عثمان لهم .
حين كان استحقاق البيعة للخليفة الرابع رُشِح الإمام علي لها من قبل جماعة المسلمين المتواجدين بالمدينة وكانوا من كل لون من الوان الطيف السياسي بحينه, رفض الإمام علي التكليف وامتنع عن القبول لإدراكه ما سيلي التكليف, لم تكن للإمام عليّ رغبة بتولي الخلافة فخاطب جموع الناس التي طالبته بقبولها: «لا حاجة لي في أمركم ، فمن اخترتم رضيت به.. » واضاف « اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ». فردد المنادون قائلين: ” لا إمام لنا غيرك .. ولن نختار غيرك”, بالرغم من ذلك أصرّ الإمام على الرفض لعلمه بما سيعانيه من المصاعب والمشاكل لاحقاً.

في ظل رفض الإمام عليّ تولي الخلافة, تداعى وجهاء المسلمين من ذوي الحل والعقد لأعادة الطلب منه تولي الخلافة, فكرر الرفض قائلاً للمتنادين: (انظروا رجلا تنصبونه ونحن لكم تُبع) واستكمل قائلاً (دعوني والتمسوا غيري ..) وأعرب لهم عن الموانع من قبوله للخلافة بقوله: (فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه والوان؛ لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول) وافاض (إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغِ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم؛ ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم وأنا لكم وزيرا، خير لكم منّي أميرا! “. فقبلت الجموع الشرط, يقول ابن خلدون بكتابه المسمى " العبر وديوان المبتدأ والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" ما يلي: ” لما قتل عثمان اجتمع طلحة والزبير والمهاجرون والأنصار وأتوا علياً يبايعونه فأبى وقال‏:‏ أكون وزيراً لكم خير من أن أكون أميراً ومن اخترتم رضيته فألحوا عليه وقالوا له‏:‏ لا نعلم أحق منك ولا نختار غيرك حتى غلبوه في ذلك فخرج إلى المسجد وبايعوه‏.‏ وأول من بايعه طلحة ثم الزبير بعد أن خيرهما – ويقال إنهما ادعيا الإكراه بعد ذلك بأربعة أشهر وخرجا إلى مكة – ثم بايعه الناس وجاءوا بابن عمر فقال كذلك‏.‏ فقال ائتني بكفيل قال لا أجده فقال الأشتر دعني أقتله فقال علي دعوه أنا كفيله‏”.

تمت البعية للإمام علي بعد أن حدد مفهومه للتكليف و أن الخلافة هي تكليف وليست تشريف وأن أمر الخلافة يعود للناس فقط وفق عقد وعهد بين الحاكم والرعيه, لقد عبر عن ذلك عليه السلام بقوله “أيّها النّاس! إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلاّ من أمّرتم، وقد افترقنا بالأمس وكنت كارها لأمركم، فأبيتم إلاّ أن اكون عليكم، ألا وإنّه ليس لي أن آخذ درهما دونكم، فإن شئتم قعدت لكم “أي قبلت البيعة”، وإلاّ فلا آخذ على احد ,بمعنى ”رفضت البيعة” فتدافعت الجموع إلى بيعته .
بايع الناس الحليفة الرابع فكان من أوائل المبايعين طلحة بن عبيد الله ابن عم أم المؤمنين عائشه والزبير ابن أختها بينما كانت أم المؤمنين عائشة بمكة فلم تشهد حدث بالبيعة, كانت أم المؤمنين عائشة من اشد المعارضين لعثمان وهي التي نادت بقتله حسب الروايات المتواترة بكتب فقهائنا ومؤرخينا نحن أهل السنة, كانت السيدة عائشه تردد “اقتلوا نعثله فلقد كفر ,,”, ومن ما ورد بكتاب أشراف الأنساب للبلاذري :” وفي باب ” البدء والتاريخ عن عثمان : ( كان طلحة والزبير ومحمد ابن أبي بكر وعائشة من أشد الناس عداءً لعثمان ولقد خذله المهاجرون والأنصار " أي لم ينتصر لعثمان أحد من المهاجرين والأنصار)، وتكلمت عائشة في أمره "أي ذَمته"، وأطلعت شعرة من شعرات رسول الله صلى الله عليه وآله ونعله وثيابه وقالت: ما أسرع ما نسيتم سنة نبيكم، فقال عثمان في آل أبي قحافة (قبيلة ابو بكر) ما قال وغضب حتى ما كان يدري ما يقول” وبعد مقتل عثمان , كتب الفقيه والمؤرخ ابن الأثير عن موقف أم المؤمنين عائشة من مقتله حين خطبت بمكة وهذا بعض من ما ورد في كتابه ” الكامل في التاريخ ” وفي الجزء الثالث منه وبالصحفتين (207\206) ما نصه: ( وكان سبب إجتماعهم بمكة أن عائشة كانت خرجت إليها وعثمان محصور، ثم خرجت من مكة تريد المدينة فلما كانت بسرف لقيها رجل من أخوالها من بني ليث يقال له: عبيد بن أبي سلمة وهو إبن أم كلاب، فقالت له مهيم؟ قال: قتل عثمان وبقوا ثمانياً, قالت : ثم صنعوا ماذا, قال: إجتمعوا على بيعة علي، فقالت ليت هذه إنطبقت على هذه “وأشارت للسماء والارض أي ليت السماء انطبقت على الآرض” إن تم الأمر لصاحبك, ردوني ردوني فإنصرفت عائدة إلى مكة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبن بدمه، فقال لها عبيد ابن أبي سلمه: والله إن أول من أمال حرفه لأنتِ ” أنت أول من طعن بعثمان فلقد قلتِ " اقتلوا نعثلة فإنه قد كفر" , ردت ام المؤمنين عائشة: لقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأول فقام عبيد ابن ابي سلمة فانشد مرتجلا ً:

فمنك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنتِ أمرت بقتل الإمام * وقلت لنا إنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر.

 

هكذا استقبل الإمام علي خلافته, فلقد انقلب عليه أول المبايعين له من أقرباء ام المؤمنين عائشه ,, بينما كان الحلف الآخر المعادي للخليفة الرابع من المتضررين والمتآمرين من بني أمية يخطط بليل للتخلص من الخليفة الرابع, لقد توحدت فلول بني امية ممن فروا لمكة ومن هم في الأقاليم من أتباعهم فاضحت الفتنة تكبر وتكبر وعنوانها " قميص عثمان " أي الإقتصاص من قتلته ,, من قراءة التاريخ ,كان عمرو بن العاص معارضاً لعثمان لعزله من ولاية مصر ولتعيينه لأخيه غير الشقيق المرتد الفاجر (عبد الله بن أبي سرح)  والياً على مصر بدلاً منه, لقد حرض عمرو بن العاص كل من التقاه على عثمان لم يترك صحابياً من الأنصار أو المهاجرين الآ وقد حرضه عليه حتى رعاة الإبل لم يسلموا من تحريضه على عثمان, فانقلب بعد مقتله على أمير المؤمنين علي وتحول لأشد المطالبين بالقصاص من القتله, ورد بكتاب ابن خلدون عن عمرو بن العاص في كتابه المسمى" العبر وديوان المبتدأ والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" ما يتطابق والروايات المذكورة ,لقد نسق وخطط عمرو بن العاص مع معاوية بن ابي سفيان للثورة على عثمان أولاً و للفتن ضد الإمام علي بعد ذلك ثانياً, لقد حرض عمرو بن العاص علي قتل عثمان بشكل مباشر بينما كان يستمتع معاوية بنهاية عثمان ليتحين الفرصة للإنقضاض على العهد الجديد, ربما يقول قائل كيف يستقيم ذلك ؟ لقد ايقن معاوية بدهائه بأن ورقة عثمان قد احترقت فقرر الإستعداد لما بعد مرحلة عثمان , فلو كان معاوية صادقاً بمقولة ظلم عثمان والقصاص له من قتلتة لكان أرسل جنده من الشام لنصرة عمه واميرة وزعيم دولته ولفك الحصار عنه في المدينة  قبل مقتله.

ما أن تم تعيين الخليفة الرابع حتى أعلن معاوية تمرده على الخليفة حين رفض طلب الإمام عليّ بعزله بل لقد تمادى معاوية وغزى الأمصار, فتم له السيطرة على مصر فعين حليفة ابن العاص والياً على مصر ومنحه خراجها .. عجبي ! .
كان عمرو بن العاص يحرض تحريضاً مباشراً ضد عثمان بينما كان التحريض يروق لمعاوية كما أسلفت,بينما لم يُحرض الإمام عليّ على عثمان بل حاول الإصلاح والحد من الفساد في كل البلاد, ولم يدعو عليّ لعزل عثمان كما أكد معظم الرواة, لم يكن الإمام عليٍّ عليه السلام طامحاً بحكم بل لقد أُرغم على ذلك فتمت البيعة وفق ما سبق ذكره بسياق مقدمة هذا المقال .

اصبح الإمام رابع الخلفاء المسلمين بعد وفاة الرسول بعد أن بايعه المصريّون والعراقيّون وغيرهم ممن ثاروا على ظلم الخليفة الثالث، كما بايعه عرب الأمصار الأخرى وأهل بدر والمهاجرون والأنصار عامّة, لقد ابتهج المسلمون بهذه البيعة فكان يوماً مشهوداً انتصرت به مبادئ العدالة إلإجتماعية والسياسية التي نادى بها الإسلام الصحيح.
بالرغم من ما سبق فلقد تخلى عن البيعة رهط من الصحابة فلم يرغمهم الخليفة عليّ على البيعة بل تركهم وشانهم , بل ترك في ما بعد الخوارج وشأنهم ولم يحاربهم بل حاورهم, لقد ترك الإمام عليّ كل مخالف له برأي ليدلي براية دون عقاب أو حساب الآ من قام بتمرد مسلح, لقد آمن الخليفة الرابع بمبدأ الحرية, آمن بالعدالة الإجتماعيه فلم يخص أحداً من ابناءة بمال أو بميزة, بعهد الخليفة الرابع, كان التأميم فلقد صادر ما نُهب من المال والأراضي دون وجه حق من قبل بني أمية وأتباعهم بزمن الخليفة الثالث, بزمن الخليفة الرابع تم عزل ولاة بني امية لفسادهم وظلمهم وسوء مسلكهم بحق الناس فتمرد بعضهم, بزمن الخليفة الرابع تم استصلاح الأراضي وتم توزيع الأموال على مستحقيها من الفقراء مما أثار عليه غضب المنتفعين السابقين والمتضررين اللاحقين من عهده فتم التواطوء والتآمر بحجة الثأر من قتلة عثمان, تلك الحجة الواهية التي انتهت حين تمكن بنو أمية من الملك العضود بزمن معاوية بن ابي سفيان, بزمن الخليفة الرابع وزعت الأموال على الفقراء .
 

أختتم بالقول بأن موضوع الحكم بالإسلام هو شأن دنيوي كما ورد بالحديث: ” أنتم أدرى بأمور دنياكم” ,الحكم بالإسلام هو الحكم الرشيد لا البغيض ,, الحكم بالإسلام هو تفويض من المحكوم للحاكم بما يحقق المصلحة العامة للمفوضين ,, الحكم الرشيد بالإسلام ,, هو الفصل بين مصالح المتنفذين بالسلطات وبين المصالح العامة للناس, الحكم الرشيد بالإسلام هو تسخير الموارد للصالح العام لا للفساد, وما حصل من توظيف للحديث (حديث الخلافة الموضوع) لم يكن الآ زيف وتدليس شوه صحيح ديننا وقادنا لما نحن فية من كرب وبلاء فلا حول ولا قوة الآ بالله .

في ذكرى استشهاد الإمام علي أتمنى على الجميع قراءة تجربة حُكمه لما فيها من عبر وحكم, لو تم لها الإستمرار لكنا من ارقى الأمم واكثرها تقدماً وحضارة.

 

شارك