القائمة الرئيسية

حقائق مجازر صبرا وشاتيلا…هل تذكرون هذا اليوم؟

08-06-2019, 13:26 حقائق مجازر صبرا وشاتيلا…هل تذكرون هذا اليوم؟

من شارون إلى الكتائب والقوات..هؤلاء فعلوا الجريمة وهذه ذاكرتي الحية

حقائق مجازر صبرا وشاتيلا…هل تذكرون هذا اليوم؟!!

  • ·        مجازر مكررة في مواقع محددة تحت ناظر المحتل !!
  • هذا ما دار بين شارون وجماعات لبنانية تسير خلف جيش العدو!!

 

بقلم|جهاد أيوب

         1982 سقطت أول عاصمة عربية بيد الجيش الصهيوني ومن خلفه زمر تدعي لبنانيتها، وبعد أيام اتهم أرييل شارون وبجانبه حزب الكتائب والقوات اللبنانية  بالدليل القاطع من قبل الإعلام الإسرائيلي وتحديدا صحفها بارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا، قامت قيامة إسرائيل ولم تتحرك دولة أنظمة العرب، سارع شارون بزيارة لبنان في 21 أيلول من ذات العام قاصداً عن طريق مطار بيروت  الاجتماع بقادة الأحزاب اللبنانية التي دخلت خلف جيش الدفاع الصهيوني إلى مناطق الجريمة ليضع النقاط على الحروف حول مجزرة قد تطيح بمجده … نظر بوجوه الجميع، فوجد إيلي حبيقة ضاحكاً، اقترب منه ليحدثه جانباً…

 

  • ·       شارون: المجزرة وقعت، وأنتم متهمون معنا في ارتكابها، ونحن لا دخل لنا فيها!!

–        حبيقة: أنتم من احتل المدينة والمسؤولين عن الأمن فيها، ودخلتم قبلنا، ونحن من بعدكم دخلنا…

  • ·       شارون مقاطعاً: الإعلام الإسرائيلي يتهمني شخصياً بالمجزرة، ويتهم الجيش، ومن ثم أنتم…الموضوع أصبح دولياً ومزعجاً!!

–        حبيقة ضاحكاً: أنا مش فارقة معي، والقوات اعتادت على فعل ذلك، وفي لبنان منذ نشأته وقعت فيه عشرات المجازر المشابهة من قبل ولا أحد يُحاسِب أو يُحاسب، لا بل الفاعل و المرتكب يصبح زعيماً، لذلك مش فارقة معنا…حطها فينا!! 

…إبتتسم الاثنين، ورحل كل إلى عالمه ومشاريعه ومجده مبررين جريمة العصر بضحكة عابرة!!

في الرابعة وعشر دقائق من عصر يوم الأربعاء 14 أيلول من سنة 1982 دوّى انفجار هائل سمع صداه في كل بيروت، اهتزت المدينة كما لو كان زلزالاً، وتبين  أن الانفجار وقع  في مركز حزب الكتائب بمنطقة الأشرفية بينما كان بشير الجميل  مجتمعاً  هناك مع رفاق نضاله ودربه، ومودعا لهم  لانتقاله إلى رئاسة الجمهورية التي عين من قبل مجلس نواب مسجون في دبابة إسرائيلية دون أن يتمكن من تأدية القسم الذي يؤكد استلامه مهام الرئاسة…فادي أفرام “قائد أعلى في القوات ” هو الذي تعرف على جثة بشير المنتشل من تحت الأنقاض، تعرف عليه من خلال خاتم ثماني الأضلاع يخص بشير، وطلب من الجميع كتم الخبر والالتزام بالصمت، وتحديدا أطباء وممرضي مستشفى “أوتيل ديو” خوفاً من تداعيات تسرب الخبر الفاجعة، وارتكاب مجازر رد فعل تعود عليها الشارع اللبناني وبالتحديد المسيحي!!

في العاشرة والنصف ليلاً بعد الانفجار أرسل مناحيم ناوت “مندي” وهو الرجل الثاني في الموساد الصهيوني والمتواجد بشكل دائم في لبنان بحماية الكتائب والقوات، أرسل رسالة إلى تل أبيب معلناً حقيقة مقتل بشير الجميل، حينها وعلى الفور، وبعيداً عن التفكير قرر شارون دخول الجيش الإسرائيلي مخيمات صبرا وشاتيلا أو الفاكهاني

 بعد موافقة سريعة من       رئيس وزراء العدو بيغن…ابتسم شارون ابتسامة عريضة وقال لـ بيغن: ” الأخبار التي  ستصلك ستسعدك!!”…كأنه يخطط إلى حادثة كبيرة، إلى مجزرة ما، فدخول عاصمة عربية كبيروت لا بد من مجزرة تهزها وتهز العالم وتخيف المقاومين…

في الساعة  الواحدة من فجر اليوم الثاني  من مقتل بشير أي يوم الخميس 15 أيلول  وقع رفائيل إيتان “رّفول” – القائد الأعلى للجيش الإسرائيلي – الأمر رقم واحد لعملية اجتياح بيروت الغربية، ومن ثم توجه إلى بيروت الشرقية حيث اجتمع في الساعة 3,30 فجراً مع فادي أفرام، ومستشاره زاهي بستاني، وأنطوان بربري “مفتش عام القوات، وجوزيف سعادة، وأخبرهم الخطة العسكرية، طالباً منهم عدم التدخل والتمركز في أماكنهم ومناطقهم، ومعلناً التحرك في الخامسة فجراً، وبأن العملية تحمل أسم ” الدفاع الحديدي” أي البحث عن الإرهابيين، وجمع الوثائق، وكشف مخابئ الأسلحة..

وفي الساعة السابعة والنصف صباحاً عبرت القوات الإسرائيلية منطقة المدينة الرياضية، وفي الجانب الأخر وضع نعش بشير الجميل في كنيسة “مار عبدة” في بكفيا دون الاهتمام لدخول الصهاينة المنطقة الثانية وما يحدث فيها، وفي العاشرة  صباحاً وصل أرييل شارون ومستشاره إلى مطار بيروت، ومن ثم توجها بسيارة عادية إلى بكفيا حيث سكن ألـ الجميل، وتواجد بيار الجميل الأب للقيام بواجب العزاء!!

ما ان وصل  شارون ومن معه عتبة المكان حتى تم إدخالهم من الخلف وبعيداً عن نظرات الناس إلى صالون المنزل مرحباً بهم كالأبطال، وقد تولى مناحيم ناوت الترجمة إلى الفرنسية بينما قام وودي بتقديم أمين الجميل لـ شارون الذي لم يلتقيه من قبل ولا يعرفه شخصياً، حيث بادر أمين بالقول:

“لقد أطلعني شقيقي بشير على كل ما كان فعله معكم، وعن علاقاته اللصيقة بكم، ولسوف أحمل المشعل……”

فقاطعه شارون بغضب وانزعاج قائلاً:” نحن هنا من أجل التعزية بصديق، ولا أريد الكلام في موضوع أخر”!!

لم يعد يلتفت شارون إلى أمين، بل أكمل حديثه مع الأب، وحينما خرج من العزاء أبدى الكثير من انزعاجه لكلام أمين، وأصر على أن أمين يختلف عن بشير بكل شيء، طالباً الحذر منه!!

* ما أن حل الظهر حتى كانت القوات الإسرائيلية قد دخلت إلى المخيمات، والميركافا تقصف بشكل جنوني جنوب شاتيلا، إلى أن دخلت فرقة استطلاع هيئة الأركان العامة (    Sayeret Mat’kal) الخاصة برئيس الأركان، ومهمتها تدمير، وتصفية المخيم…ومع نهاية عصر الخميس غادرت هذه المجموعة بعد أن نفذت إعدام وقتل ما تيسر لها من الفلسطينيين المطلوبين في صبرا وشاتيلا ( هذه هي المجزرة الأولى) !!

** وفي الساعة 12 من ليل الخميس 15 أيلول أضيئت سماء صبرا وشاتيلا بالقنابل المضيئة التي سقطت كالمطر…هذا يعني دخول قوات عسكرية جديدة…وقد اعترف شارون أمام المحكمة الصهيونية أنه سمح للقوات اللبنانية وعناصر خاصة من جيش لبنان الجنوبي أو جيش سعد حداد “قادته من المسيحيين، وعناصره من الأكثرية المسيحية وبعض الشيعة والسنة والدروز” بقيادة كميل صحّاح الذي كلف بأن يطلب من جماعاته بفتح النار على كل من يظهر أمامهم ( وهذه مجزرة ثانية) !!

وفي العاشرة من صباح يوم الجمعة 16 أيلول أكد أرييل شارون سقوط بيروت بأقل من 30 ساعة، وهذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها الدولة العبرية في تاريخها باحتلال عاصمة عربية، وباستطاعة الكتائب والقوات الدخول إليها!!

  أذكر وفي خضم هذا الوجع، الداخلي والخارجي، وفي لحظة مستحيل أن أنساها، وفي لحظة منحوتة في ذاكرتي من تاريخنا أن الشمس قد غابت عن نهار العرب متكسرة ومنكسرة، وصاح الديك من غير صوته المشحون بالسواد، وضربت أجراس الكنائس الصدى خجلاً، وضاع صوت المؤذن في سماء ترتجف لغياب الشرف والرجال، وارتعشت الأرض من كثرة الدماء الرخيصة، وغاب العدل عن العالم بحجة أن الراقصة الأميركية وصلت إلى الأمم المتحدة وهي عارية ضاحكة كاشفة عن جسدها…وقفت أنا والشعور بأن المقبل أكثر خوفاً من الخوف، والقلق يحتل البيادر، وقفت في السادسة من مساء الخميس 16 أيلول من تلك اللحظة الطويلة أنا ووالدتي  وشقيقي بالقرب من نافذة منزلنا المطل على مطار بيروت ونحن نراقب بالمشاهدة العادية طائرة “مروحية” تحط على أرض لبنان ليخرج منها مجموعة مسلحين يصل عددهم إلى 200 يصرخون فرحاً وجنوناً، ويصعدون شاحنات إسرائيلية تنتظرهم في باحة المطار، وعلمنا لاحقاً أنها سارت بهم إلى بيروت الغربية، وأنزلتهم في المداخل  الجنوبية والغربية من صبرا وشاتيلا حيث مراقبة الجنود الصهاينة من خلال مركز عسكري خاص بجيشها يطلق عليه مركز عاموس يارون !!

صرخت الأم : “الله ينجينا من هذه الليلة”!!

فجأة انطفأ نور القمر منحنياً ومهرولاً إلى المجهول، انقطعت الكهرباء، وعاشت بيروت على ضوء ثقافتها وجذورها المتمسكة بتاريخها وبحريتها وبالشهادة وبشهادتها، عاشت ليلتها ودبابات الأعداء، وزوارق بحريتهم وغارات طائراتهم وجراثيم مدفعيتهم تقصف كل ما هو متحرك من أخضر ويابس وحيوان وحجر وبشر يسعى إلى شربة ماء وحضن دافئ!!

الفجر…ربما هو كذلك!!

هو الفجر ولكنه ليس فجراً ألفناه…أطل مربكاً بينما نحن نيام واقفون وإذا بأصوات مرتجفة فرحة خائفة شاذة تتحدث من تحت نافذتنا عن ارتكاب أصحابها لمجازر مخيفة في مخيمات “صبرا وشاتيلا”، كلمات وجمل لا تزال عالقة في ذاكرتي إلى الآن، ومنها:

يا أبو الشباب لقد أفرغت رشاشي فيه، وخنجر الرشاش داخل بطنه!!!

ولك…خرجت معدته إلى الأمام ومع ذلك هجم عليّ كالحصان راغباً بقتلي .. خفت منه..فرميت عليه قنبلة، واسترحت!!

رميت بجسدها على أطفالها الثلاثة وصرخت الله أكبر، فأخافتني، وما كان مني إلا أن أفرغت رصاص رشاشي بصدرها وبرؤوس الأطفال، وكل ما يتحرك في المنزل!!

شاهدت الدماء تطلع من الخزانة “كبت” وعرفت إنني أصبت الهدف، وعندما فتحت باب الخزانة وجدت أكثر من عشرة أطفال يلعبون بدمائهم ويتراكمون على بعضهم كأكياس النفايات، وخوفا من طفل يظهر لي من الخلف ولا أعرف من أين يطلع عاودت إطلاق النار عليهم!!

لم  نصدق السمع غاب السمع عن الكلام، وسرقنا جملهم خلسة، وسرقنا النظر إليهم ولا تزال أشكالهم وذقونهم منقوشة في أذهاننا وبصيرتنا، إنهم يشبهون بملابسهم وأشكالهم من كان في المطار عصراً يصرخ كالكلب الأهوج!!

…وحبسنا أنفسنا، وعاودنا النظر،  وحددنا النظر محدقين بهم وإذ بنا نجد وجوهاً تشبهنا ترتدي خنازير الخيانة، وذات ذقون طويلة، وعيون سكرى، وأخرى يفوح منها المورفين وحشيشه الجهل!!

تحدثوا عن بطولاتهم المخمورة بالحقد المعتق، وجلسوا على جماجم النصر المجبول بالكفر بانتظار سيارات عسكرية وطبية إسرائيلية تقلهم إلى قرية “كفر شيما” شرقي بيروت “حيث هناك مقر للقوات اللبنانية قيد الإنشاء”، تحدثوا، صرحوا، فاضوا بالكلام والمفردات ونصرهم تحت أنظارنا الدامعة وصراخنا الباطني…بالطبع رفضنا الجمود وعلمنا أنهم “الهنود الحمر” أو ” ألأباتشي “وهي الوحدات النظامية التابعة للقوات اللبنانية بقيادة جورج ملكو، وميشال زوين، ومارون مشعلاني، وغالبية أهل كفر شيما كانوا يعرفونها جيداً!!

لم أستطع البقاء في مكاني، حملت الكاميرا وأمتعتي الخاصة، وركضت باتجاه أصدقائي إلى مركز نقال للصليب الأحمر، وأخبرتهم بما سمعت، وكانت الاتصالات، ودخلنا إلى المخيمات وكان الجيش اللبناني قد سبقنا، وإذ بالكاميرا تخجل وتدمع من كثرة الأطفال والنساء والشباب والرضع، والكلاب ، ورائحة غريبة تملأ المكان، وطبقات من البشر فوق بعضها، كل هؤلاء مذبوحون، منهم برأس، أو بغير رأس، وألوان الجثث غريبة عجيبة لا تشبه الألوان بل حادة تختلف من جثة إلى جثة!!

لا أحد يتنفس حتى الأرض ماتت، ما أصعب أن تموت الأرض!!

أذكر إننا سمعنا صوت الطفل الرضيع تحت جسد امرأة، أخذوه بسرعة ولا أعرف ماذا حدث له، صورت، وحاولت أن أساعد ولكن أصور من؟! أو أساعد من؟! وأنا ميت أسير على رأسي ( وهذه مجزرة ثالثة) 

شهور لم أستطع فيها التحدث مع أحد، إلا أنني عرفت أن أكثر من 2000 مواطن لبناني وفلسطيني ارتكبت بحقهم إسرائيل مجزرة بشعة لم تحدث في تاريخ البشرية “حتى الآن لا يوجد أرقام تحدد عدد الشهداء والبعض يقلل من العدد”!!

هذه محطة من تاريخنا الدامي ذكراها اليوم  والكثير منا لا يعرفها، خاصة الأدباء، والشعراء، والمثقفين، والسياسيين، أو نسوا ذكراها وتناسوها عمداً من أجل وظيفة في نظام أعرابياً صنعته إسرائيل ويقولا سلاماً، وللأسف لا يوجد أرشيف ثقافي سينمائي فني يسجل مصائبنا وأفراحنا رغم تعدد هزائمنا وأوجاعنا ومشاكلنا، ومع ذلك يقال أن نصوصنا لا تصلح للفكر وللفن، وأن قصصنا لا تؤثر ولا يوجد فيها البعد الدرامي, ولا عجب بعد اليوم إن فقدت السينما بريقها، وغابت الثقافة كون  كتابها يهرولون إلى الوراء، والحقيقة تقول إن جيلنا القادم سيقرأ تاريخنا من كتب غربية وبأسلوب مقنع ومدروس نفسياً وإيديولوجياً وميتافيزيقياً، ونحن نيام عن شيء ما ولا نعرفه!!

عفواً نسيت أن أقول أن مجلس الأمن أدان مذابح المخيمات…مبتسماً دون عقوبات تذكر والغاز العربي والبترول العربي والكثير من الإعلام العربي والفكر العربي يصب في إسرائيل ومن غير المقبول أن يتذكر إعلامها مجازر “صبرا وشاتيلا”…عفواً نسيت أن أخبركم أن إسرائيل تحتل فلسطين فهل تتذكرون ذلك أم أنكم تؤكدون ما يشيعه الإعلام الغربي والإعلام العربي المتخم بالتسالي والفن الفارغ بأن فلسطين تحتل إسرائيل، ولذلك غابت المحاسبة، وأصبح العمالة والخيانة وجهة نظر، وأصبحت إسرائيل أقرب من أي دولة عربية عند أكثر الشعوب والحكام العرب، ولذلك تقع وتتكرر أحداث لبنان وتصح مقولة إيلي حبيقة:

“أنا مش فارقة معي، وفي لبنان منذ نشأته وقعت فيه عشرات المجازر المشابهة من قبل ولا أحد يُحاسِب أو يُحاسب، لا بل الفاعل و المرتكب يصبح زعيماً، لذلك مش فارقة معنا”!!

        

المصادر:

–         صحيفة هآرتس الصهيونية 

–         مذكرات جهاد أيوب 

–         ملفات القضاء الصهيوني 

–         أسرار حرب لبنان لـ اّلان مينارغ

شارك