القائمة الرئيسية

عن حراكات العراق ولبنان كتب د. عبد الحي زلوم, أقسى العبودية هي عبودية العقول

23-01-2020, 01:21 د. عبد الحي زلوم
إضاءات

 

كتب د. عبد الحي زلوم, عن عبودية العقول فوصفها بأقسى أنواع العبودية, وتسائل عن الحراكات في الوطن العربي والى أين المسار والمصير, اخترنا هذا المقال لنضعه بين أيديكم لما فيه من معلومات هامة, نترك لكم تقييمه.

إضاءات

اليكم نص المقال:

أرأيتهم كيف هدأ الحراكان في العراق ولبنان في آن واحد وكيف (اشتعلا) في اليومين الماضيين في آن واحد؟ ذلك لأن المايسترو الذي يحرك مثل هذه الحركات هو خارج البلاد يحركها لتحقيق اجنداته لا اجندات الحراكيين . لا يختلف اثنان عن احقية مطالب الحراكيين في العراق ولبنان كما لا يجب ان يختلف اثنان بأن هذه الحراكات يتم حرفها عن أهدافها لتخدم اجندات تتناقض تماما مع ما تريد فتكون كالدب الذي أراد أن يطرد ذبابة عن رأس صاحبه النائم بصخرة كبيرة هشمت رأسه .فالمهم خواتم الأمور لا النوايا فقط .

الحراكان في لبنان والعراق يطالبان باسقاط الحكومة ومجلس النواب بل والرئاسة لخلق فراغ ثم يطلبون من هذا الفراغ أن يحارب الفساد ويصلح الاقتصاد وأحوال العباد !!!

العاقل من يتعظ بغيره .سرقة الحراكات وتجييرها لأجندات الاخرين الذين يتولون ملأ الفراغ قد تم الافصاح عنه بشكل قاطع لا يحتمل أي تأويل . فلنأخذ الثورة المصرية سنة 2011. قبل أربع شهور من بدء الثورة كتبت الاسوشييتد بريس في سيبتمبر 2010 ان المقربين من محمد البرادعي يستعملون كتب وارشادات جين شارب مؤسس (اينشتاين انستتيوشن ) وخصوصاً كتابه (من الدكتاتورية الى الديمقراطية ) والذي يرشد كيف يتم السيطرة على الحراكات .بل كتبت جريدة نيوورك تايمز سنة 2011 بأن كتاب (من الدكتاتورية الى الديمقراطية ) قد تم نشره سنة 2011 على موقع الاخوان المسلمين . كذلك اعترف احمد ماهر قائد حركة 6 ابريل في أحد الافلام الوثائقية ان حركته تأثرت بأعمال جين شارب .

لم يكن جين شارب هو اول من عمل في مجال السيطرة بالوسائل العصرية على الرأي العام . رسالة الدكتوراه لجين شارب في جامعة اكسفورد البريطانية كانت ممولة من وكالة وزارة الدفاع (الامريكية) للمشاريع المستقبلية وهي نفس الوكالة التي اخترعت الانترنت لاعمال عسكرية . تمويل معهده كان عن طريق المؤسسات غير الحكومية المدعومة من الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي برعاية وكالة المخابرات الامريكية بالاضافة الى ممولين من  كبار الصهاينة الامريكين . وقد يكون مفيدا ان نذكر ان البرت اينشتاين كان يهوديا صهيونيا حضر مع حاييم وايزمان افتتاح الجامعة العبرية في القدس في أوائل عشرينيات القرن الماضي .

لم يكن جين شارب أول ولن يكون آخر من طور علوم  السيطرة على الرأي العام ليس في الخارج ولكن داخل الولايات المتحدة أيضا . في بداية عشرينات القرن الماضي وبعد اختراع وسائل الاتصال الجماعي كالراديو والسينما استولى وول ستريت على كليهما كما كان مستوليا على الجرائد المؤثرة الكبرى كنيوورك تايمز وشيكاغو تريبيوم ولوس انجلوس تايمز والواشنكطون بوست فكان سيطرتهم على وسائل الاعلام كاملا شاملا .

بعد ان اكمل يهودي الديانة وولتر ليبمان خدمته العسكرية في جهاز المخابرات اثناء الحرب العالمية الاولى اصدر كتابه (الرأي العام – Public Opinion )  سنة 1922 والذي أصبح مرجعاً في مجال السيطرة على الرأي العام .

كان خلاصته أن ‏الديمقراطية بمعناها التقليدي كما جاءت  في الدستور الامريكي  قد عفى عنها الزمن اليوم وذلك  نتيجة طرق الاتصال والاعلام الحديثة و كذلك معرفة سيكولوجية أي مجتمع فأصبح بالامكان  تغيير ثوابت المجتمع المستهدف  إلى متغيرات (حسب الطلب ) . وكتب أن ‏السياسات والقرارات تقرها الطبقة الخاصة (أي ما يسمى هذه الايام بالدولة العميقة ) لأنها  أدرى ببواطن الامور ، وعلى الطبقة الحاكمة (أي الرؤساء الاميركيين واداراتهم )  تنفيذها وإقناع الشعب (والذي وصفه بالقطيع والرعاع) بصلاحيات اجندات وسياسات الطبقة الخاصة عبر وسائل التكنولوجيا و  الاتصال  الحديثة .

أول استعمال لعبارة فبركة الرأي العام جاءت في كتاب ليبمان المذكور اعلاه .

بعد الحرب العالمية الاولى  تم انشاء مجلس العلاقات الخارجيه    والذي ضم نخبة مختارة من اصحاب بنوك وول ستريت ورؤساء مجالس ادارات شركات الاعلام والشركات الكبرى بحيث اصبح هو الطبقة الخاصة (الدولة العميقة ) التي ذكرها وولتر ليبمان . تبرع آل روكيفيلر بالأرض والمبنى قرب مركزهم في نيوورك . قبل بداية الحرب العالمية الثانية بشهور قليلة مول آل روكيفيلر ما تم تسميته مجموعة دراسات الحرب والسلام وكانت تحمل صفة سرية جداً لأنها كانت مكونة من مجموعة مختارة من مجلس العلاقات الخارجية و اخرى مختارة من وزارة الحرب والخارجية والمالية . كانت نتائج هذه الدراسات ترسل كمذكرات الى الرئيس روز فلت  والتي كان يعتمدها للتنفيذ الفوري او مباشرة بعد الحرب . كان ايزيا بومان رئيس جامعة جونز هوبكنز والعضو البارز في مجلس العلاقات الخارجية هو رئيساً لمجموعة الدراسات هذه.  كان أهم  نتائج  هذه الدراسات :

  • في عام 1942 كتب مدير لجنة الدراسات إشعيا باومان Isaiah Bowman يقول ” … على الولايات المتحدة تأمين مناطق ذات أهمية استراتيجية كمتطلب ضروري للسيطرة على العالم…”.  ومن هنا  جاء مفهوم العولمة كالسياسة المستقبلية للولايات المتحدة

  • ولتطبيق العولمة تم القرار لضرورة اعتماد الدولار كعملة الاحتياط العالمية

  • ولاتمام السيطرة المالية تم تطوير ادواتها وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسة التجارة الحرة (والتي بدأت GATT ) . تم اشهار هذه الادوات سنة 1944 في بريتن وودز

  • ومن أجل الهيمنة السياسية على العالم تم اقتراح تأسيس الامم المتحدة وقام آل روكيفيلر بتقيم الارض ببناءها الحالي بالقرب من المركز المعروف باسمهم . وتم اشهار الامم المتحدة في مؤتمر  بسان فرانسسيسكو .

  • أيضاً بعد الحرب تم اصدار مرسوم الامن القومي وتم استبدال منظمة المخابرات الامريكية OSS بوكالة المخابرات المركزية الامريكية ثم تم برنامج لعزل الاتحاد السوفييتي لاسقاطه كونه معيقاً للهيمنة الامريكية الكاملة على العالم.وهذا كان أول ممارسة للحروب الاقتصادية التي تطيح بالدول عبر الحرب الاقتصادية التي أنهكت الامبراطورية السوفييتية وأطاحتها بدون طلقة واحدة

ورد في كتاب الرأي العام لوولتار ليبمان المذكور أعلاه فقرة بعنوان Manufacture Of Consent )

والتي اقتبسها نعوم شومسكي Chomsky مع زميل له بكتاب باسم  manufacturing consent  ) سنة 1988 . يبين الكتاب أن الاعلام في الرأسمالية الامريكية هو أداة أيديولوجية بيد الدولة العميقة لتكوين الراي العام حسب قياسهم .وهم يستعملون أدوات الاتصال والاعلام لتطويل او تقصير الانباء لتكوين الرأي العام المطلوب . من الطريف أن وفدا سوفييتيا زار الولايات المتحدة من اقصاها الى اقصاها وقبل مغادرته ساله ضيوفه الرسميون الامريكيون ان كان لهم أي استفسار فقالوا نعم : كيف يمكنكم السيطرة الكاملة على اعلامكم بحيث اننا استمعنا الى نفس الخبر بنفس الطريقة من كل وسائل الاعلام في كل المدن التي زرناها وكانت كلها متطابقة تماما فكيف يمكنكم فرض هذه السيطرة مع اننا نملك اعلاماً موجها لا يستطيع أن يصل الى كفاءة سيطرتكم على الاعلام ؟

الاستعمار الجديد  يعتمد على احتلال العقول  لا على احتلال الاراضي ، ‏‏‏وعبودية العقول ‏هي أقسى أنواع العبودية! فالشعب الاميركي شأنه شأن كافة شعوب العالم يتم استعباده عن طريق غسيل الدماغ . والا فكيف يمكن لعصابة من 400 ملياردير أميركي أن يمتلكوا ما يزيد عن ثروة 150 مليون اميركي

منهم حوالي 50 مليون تحت خط الفقر حسب مكتب الاحصاءات الاميركي . وكيف يمكن لأغنى 2153 ملياردير أن يمتلكوا أكثر من 4.6 مليار شخص  أي ما يعادل 61% من سكان العالم !!!

لا يتسع هذا المقال لبيان ان النظام الاقتصادي المالي الجديد الذي تم انشاؤه بعد الغاء تعهدات الولايات المتحدة لالتزامها بسعر الصرف الثابت لازاحة تغطية الذهب عن اصداراتها من الدولارات وكيف أن هذا النظام الاقتصادي الامتصاصي هو نظام سلب ونهب يعتمد على مصائد ديون الدول المستهدفة لتفقد سيادتها الاقتصادية وبالتالي سيادتها السياسية كما الحال في لبنان مثلاً . وهذا النظام وأصحابه يعتمد على الفساد والافساد  من متواطئين محليين . الا ان هذا النظام قد وصل الى طريق مسدود في عقر دار الامبراطورية الاميركية والتي تتخبط اليوم شأنها شأن سابقها من الامبرااطوريات في مرحلة الهبوط ثم السقوط.

العالم اليوم بين خيارين أولهما البقاء في نظام ظالم  جائر في نهاية مدته أو نظام آخر صاعد مقاوم لهيمنة النظام الظالم وقد جاء وقت الاختيار بين هذا و ذاك .

الهدف من حراك لبنان كما تقول جريدة هارتس هو اقتصاد بلا حزب الله أو حزب الله بلا اقتصاد وترجح الجريدة الخيار الثاني . فهل المطلوب في العراق عراق مع احتلال أو لا عراق ؟وهل هذا ما يطلبه الحراكيون ؟

مستشار ومؤلف وباحث

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك