القائمة الرئيسية

اتباع داروين .. وأتباع الله .. في مبارزة الكورونا\ نارام سرجون

07-04-2020, 06:31 فيروس كورونا المستجدفيروس كورونا المستجد
إضاءات

كتب نارام سرجون

 

في كل أزمة انسانية .. يتبارز الله مع العلم او لنقل ان جولة ملاكمة تبدأ بين أتباع داروين واتباع الله .. اي ان المعسكرين اللذين يتصارعان منذ الازل يجدان في الازمات املا وملاذا وطريقة للفوز بالضربة القاضية .. ففي كل الحروب وفي كل المجاعات وفي كل الكوارث الجماعية .. يخرج المعسكران للمواجهة ويلوم كل واحد الاخر .. ويرمي كل السحرة من المعسكرين أفاعيهم ويتمنى كل واحد ان يكون هو موسى الذي يرمي عصاه لتأكل كل افاعي السحرة وتنهي الجدال والنزاع ..

الناس لاتلام .. لأنها لاتدري .. وعندما لاتدري تتشتت .. وأنا لاأرمي اي عصا لأنني لاأملك عصا ولست من السحرة الذين في ساحة النزال .. ولاأريد ان انضم الى هذا النزاع بين أتباع داروين واتباع الله .. ولكن يجب أن أقول ان هناك انتهازية وابتزازا من اي طرف يرى انه يمكنه ان يستغل الحدث الكوروني كي ينتصر .. ويستغل قلق الناس وقلقهم كي يثبت انه على حق .. ويصبح سيدا بلا منازع في الكون ..

ماهو أشد من المأساة هو ان تكون آلام الناس وقلقهم وسائل لاثبات نظرية او وجهة نظر .. ومن الثابت ان الدين لايجب ان يحاكم العلم الذي لايرى في الكورونا عقابا من السماء .. وأيضا ليس على العلم ان يصادر الدين من صدور الناس بحجة ان الكورونا فيروس نراه في المخبر وليس أرواحا شريرة وأنه أرغم المؤمنين على ان يغادروا بيوت الله الذي لم يحمهم من فيروس من انتاجه .. فمن السخافة ان نظن أن الحياة مادية وأجساد فقط لأننا لانؤمن الا بالعلم المادي .. لأن علينا الاعتراف اننا لانعرف الكثير عن الروح ..

هذه النزعة الصوفية والفلسفية التي ظهرت في أزمة الكورونا .. ليست جديدة .. وهذا الزهد في الحياة واكتشاف تفاهة الانسان وعجزه وضعفه .. ليس جديدا .. ففي عثرات الانسان في جميع العصور والثقافات التي يقف عاجزا فيها أو حائرا بلا جواب .. لابد له من أمل يأتيه بقوة من السماء .. لا من باطن الارض ..

من الظلم ان يستغل البعض حالة الهلع لتحويل الخوف والقلق الى مشروع من اي نوع .. فلا فرق بين هذا وبين ما فعل أصحاب الربيع العربي الذين صنعوا الحالة الدينية كملاذ من العلمانية التي توفر العدالة .. وحاولوا تكسير مجتمع العلم والاستقرار في المجتمع العربي فدمروا الدين ودمروا العلم ..

اليوم الهلع عام وجماعي وانساني .. ومن العار ان يستغل البعض هذا الهلع للانقضاض على اي منافس وغريم في الفكر .. فالقضية الآن ليست في ان نثبت ان الله موجود لان العلم البشري العظيم وقف عاجزا أمام امتحان الفيروس الحقير .. وليست القضية ان نثبت أن الله غير موجود وتركنا واختفى (وفركها ) حيث لم تعد المساجد تنفع ولا الكنائس وباتت مهجورة مثل اي معبد من معابد الاقدمين الوثنية .. فلا فرق بين أوثان الزمان القديم وأوثان الديانات السماوية ..

الحدث الفيروسي - ان كان عفويا - مثل أي حدث في الوجود منذ ملايين السنين .. ولكن من واجبنا ان نقول للناس اهدؤوا .. هذه عاصفة زمنية دورية تصيب دورة الحياة وتتكرر باشكال عديدة .. وليست عقابا الهيا .. فكثيرون من الضحايا مؤمنون وطيبون فلماذا يعاقبهم الله؟؟

وصدقوني أن لا دارون يقدر ان يحسم المعركة ولا الله سيتدخل فيها .. بل هي الطبيعة تحاول ان تتوازن على طريقتها العبثية القاسية احيانا .. وهي تدري ماذا تفعل ..

الكورونا لم يخترق جسدي بعد .. ولم يتسلل لى الرئتين والقلب ليتلفهما .. ولكن ان كان قرر اجتياح جسدي فانني لن اسمح له ن يصيب قلمي وينتشر في حشود كلماتي .. فأنا من عايشت زمن الرصاص والقذائف والمذابح .. ولم تقتل كل قذائف الحرب مجتمعة كلمة واحدة .. ولم يصب حرف واحد بجروح طفيفة .. ولم اربط رأس أي عبارة بالضماد .. ولذلك فانني سأسير بين الجحفلين .. جحفل داروين وجحفل الله .. وسيطلق علي الطرفان النار من الجانبين .. وساتابع طريقي لانني على يقين ان المعسكرين انتهازيان في هذه القضية عندما يريد اي منهما ان يدين الآخر .. وسينتهي هذا النقاش العقيم ككل جولة جدال عقيمة .. وسنخرج من هذه اللعنة وسنتابع الحياة .. ولكن لن يستولي على الحياة اي من المعسكرين .. فلا العلم قادر على ان يتحدى الله في كثير من الاسئلة .. ولا أتباع الله قادرون على ان يديروا الوجود من دون قوانين العلم المادي الذي لايتدخل فيه الله منذ ان وضعه الوجود الاول ..

نارام سرجون

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك