القائمة الرئيسية

كتب جورج حدادين.. الأردن بعد الجائحة‎

18-04-2020, 12:13 جورج حدادين
إضاءات


نتفق على أن العالم ما بعد الجائحة ليس كما قبلها، وأن متغيرات هامة ومصيرية سوف تحصل، في القادم من الإيام، المصير الوجودي للدول المستهلكة التابعة، وخاصة تلك التي تعتمد المنح والمساعدات الخارجية، مساعدات ومنح لن تتوفر بعد الجائحة، وفي أحسن الأحوال بحدود دنيا لن تلبي متطلبات إدارة شؤون دولة ومجتمع، كون كافة الدول المانحة ذاتها، ستضطر للإرتداد إلى الداخل والإنغلاق على الذات، من أجل معالجة ندوبها أولاً، وستخرج من الجائحة التاجية إلى جائحة ركود اقتصادي وعوز مالي وبطالة غير مسبوقة.
سنتفق حتماً على أن مصير الأردن، دولة ومجتمعاً، ما بعد الجائحة على المحك، دولة تعتمد استيراد تقريباً كل شيء، من أجل عيشها اليومي، دولة نسبة الاستيراد إلى التصدر تتراوح ما بين 2-3 / 1 على مدى آخر نصف قرن من عمرها، أي تسورد ضعفين إلى ثلاث اضعاف حجم التصدير، مما يحقق تراكم عجز، يتم تجاوزه من خلال المساعدات والقروض الميسرة، غير ميسرة ما بعد الجائحة.
فرضت سياسة "تحفيز الاستهلاك وحجز الانتاج" بعد الانتقال إلى حضن الإنتداب الأمريكي منتصف خمسينات القرن الماضي، حيث تعمق هذا النهج وشمل كافة مناحي الحياة، خاصة بعدما بسط الصندوق والبنك الدوليين، وصايتهما على كامل مفاصل الدولة والمجتمع، أنذاك طرح الصندوق والبنك خطة الاصلاح الاقتصادي، نهاية ثمانينات القرن الماضي، تحت عنوان اطفاء المديونية، والانتعاش الاقتصادي، خلال عشر سنوات، عمر الخطة، القائمة على: خصخصة القطاع العام، بيع ممتلكات المجتمع، ورفع يد الدولة عن التدخل في آلية السوق المقدسة، ورفع يدها عن دعم السلع الأساسية، المتعلقة بحياة الكادحين والموعزين والفقراء وصغار الكسبة وصغار المزارعين والموظفين، ومربي المواشي وكل المهمشين والمعذبين في الأرض ، لم تطفأ المديونية ولم يتعاف الاقتصاد، بل فتحت الاسواق أمام تدفق رؤوس أموال مضاربة، ابتلعت رؤوس الأموال الوطنية وهربت، تفاقمت المديونية لتصل أرقام فلكية، خسرنا قطاعاً عاماً، كان معضلته الأساس، أنه كان بأيدي غير أمينة، ولا هي أمينة على المصالح العليا للوطن، إدارات فرضت من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين، أدوات الطغمة المالية العالمية، بوظيفة محددة، الاجهاز على كافة قطاعات الانتاج، وحجز تطور القوى المنتجة، وحجز التحول إلى الانتاج.
ما بعد الجائحة، أردن فاقد المناعة، ولم يعد يمتلك عناصر المقاومة للجائحة الاقتصادية القادمة، لا محالة، لقد تم القضاء على جهاز المناعة لدي الدولة والمجتمع، بسبب سياسات ووصفات وإملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، واصبح الأردن كالأيتام على مائدة اللئام، قوى التبعية في الحكم، سياسياً واقتصادياً، عاجزة عن فعل أي شيء، كونها هي ذاتها من ساهم في القضاء على كل عناصر المناعة لهذه الدولة وهذا المجتمع، وهي غير مؤتمنة على مستقبله، ومما يدعوا إلى الشفقة، أنه لم يبقى أمامها من حلول، سوى المطالبة والمناشدة بالتضامن والتراحم والتأخي والمساعدة، متماهية بذلك تماماً مع الجمعيات الخيرية، هذه ليست سياسة دولة، وقيادة، سياسية واقتصادية، غير مؤتمنة على مصير دولة ومجتمع، وعاجزة عن اجتراح حلول حقيقة للخروج من الأزمة، أنهم يقابلون الجائحة بشعارات:
" دع الموتى يدفنون موتاهم" و " دع الفقراء يحملون فقرهم فوق اكتافهم" و " دع الاغنياء يهرّبون رؤوس أموالهم، ويحصدون عنائم الكوارث، أغنياء الجائحة"
البديل المتاح، للانقاذ يقع على عاتق المجتمع الوطني، ولا مناص أمام الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة والنخب المنتمية من تحمل مسؤوليتها التاريخة، وفتح الطريق أمام حلول، تعتمد التنمية المتمحورة حول الذات الوطنية، والتحول بالدولة والمجتمع إلى الانتاج، طريقاً وحيداً متاحاً للخروج من أزمة مصيرية متعلقة بالوجود ( سيتم التطرق إلى الكيفية في الحلقة القادمة)
أستمرار هذا النهج السائد سيحتم طرح أسئلة، من وكيف سيتم تأمين دفع رواتب الموظفيين، من وكيف سيحقق الحماية الاجتماعية، من سيمكن الناس من الحصول على لقمة العيش غداً، من يؤمن الرعاية الصحية للعامة، من يمكّن صغار المزارعين من تأمين مستلزمات الانتاج الزراعية، وتأمين لقمة عيشهم، من يمكّن مربي الاغنام من حماية قطعانهم من الهلاك، من سيؤمن دفع القروض المترتبة على المقترضين، من سيؤمن اقصاد طلاب المعاهد والجامعات، من سيوفر صيانة الطرق، من وكيف، ومن وكيف، إلى مالانهاية.
الأردن أمام خيارين،
أما الانهيار والخروج من التاريخ، دولة ومجتمعاً.
وإما الصمود وفرض تغيير النهج مرافقاً للتصميم والإيمان بالقدرات الذاتية للخروج من الأزمة الوجودية هذه، وما يتطلب من جهد وعطاء من كافة الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة وكافة القوى الاجتماعية والسياسية والنخب المنتمية.
الانهيار والخروج من التاريخ، لن يكون خيار الغيورين على الوطن، ولا بأي حال من الاحوال، من يختار هذا الخيار، كان من كان، سيخرج هو من التاريخ وسيبقى الأردن،
يتبع...

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك