القائمة الرئيسية

التنمية المتمحورة حول الذات الوطنية ممر اجباري..  ما بعد الجائحة التاجية\ جورج حدادين

24-04-2020, 04:16 جورج حدادين
إضاءات

 

 

الجائحة والإختيار، العودة إلى خيار التطور الطبيعي للمجتمعات في مرحلة ما بعد الجائحة التاجية، سيكون  ممراً اجبارياً لكافة دول ومجتمعات العالم، بسبب وصول النظام الرأسمالي العالمي إلى مأزقه التاريخي، مازق الإستمرار، مأزق  الأفول التدريجي، ومأزق الإنهيار النهائي، علماء الاجتماع البرجوازي، (أطلقوا على مرحلة ما بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، نهاية التاريخ، ويقصدون بذلك سيادة آبدية للنظام الرأسمالي) بينما طالب علماء الاجتماع، من شرائح البرجوازية الصغيرة وشرائح التبعية، فى دول المحيط، مذعورين بضرورة "التأقلم والإندماج في السوق الرأسمالي العالمي الموحد" تحت سيادة الطغمة المالية العالمية، بأقصى سرعة ممكنة، وقبل فوات الآوان.

جاءت الجائحة التاجية لتطيح بوهم "الحل هو الرأسمالية" بعدما دحضت أزمة ما يسمى "الرهن العقاري" عام 2008 ، مقولة نهاية التاريخ، ولتظهر، بوضوح بلوري، تعفن بنية الرأسمالية، وطبيعتها اللاأخلاقية وسلوكها اللاإنساني، واستهتارها غير الموصوف بحياة البشر، خاصة في دول المركز، ألتي تدعي حقوق الإنسان، وحماية حرية الشعوب، وحماية الأقليات، وها هو وزير خارجية الولايات المتحدة ، بمبيو، يتبجح مؤخراً بقدرتهم، على "الكذب والغش والخداع" بمهارة فائقة، ليثبت حقيقة واقعة منذ نشؤ الملكية الفردية.

من لا يزال لديه الوهم، بإمكانية الاستمرار بالإعتماد على الخارج للخروج من أزمة الداخل، عبر المساعدات والقروض الميسرة، ومن لا يزال لديه الوهم أن طريق الخروج من الأزمة يمر عبر الاصلاح، فهذا هو الوقت الملائم للمراجعة الذاتية، ومراجعة النهج، الذي قاد إلى أزمة وضعت، الدولة والمجتمع، ما بعد الجائحة التاجية، أمام سؤال الوجود والمصير.

تستطيع أن تلعب على عواطف الناس، بعض الوقت، وتستطيع طمئنة الناس بقدرتك على الخروج من الأزمة بذات النهج، ألذي قاد إلى الأزمة، بعض الوقت، ولكنك لن تتمكن من تزييف وعيهم طوال الوقت.

الاعتماد على الذات، طريق - ممر إجباري وحيد متاح أمام المجتمع الأردني والدولة الأردنية، ليس بالمفهوم الذي تروج له قوى التبعية: في الحكم وفي السوق وفي صفوف بعض النخب، بشد الأحزمة وتحميل الشرائح الوطنية الكادحة والمنتجة، وصغار الموظفين والكسبة وصغار المزارعين ومربي الاغنام، وزر الخروج من الأزمة، بل بمعنى حشد الطاقات الوطنية المنتجة، وتنمية قوى الانتاج الوطني وتنمية القطاعات المنتجة والخدمية المكملة، بمعنى التنمية ثم التنمية ثم التنمية.

الخطوة الأولى على طريق تحقيق التنمية الوطنية.

التعرف العلمي، الحقيقي والواقعي، على القطاعات المنتجة في الأردن؟

أي تشخيص واقع هذه القطاعات، عبر أدوات التحليل العلمي، سلسلة، التفكير، الادراك، الإستنتاج، وبحسب معطيات قائمة على أرض الواقع، والتعرف إلى ميزاتها وسماتها الخاصة، وشروط استثمارها وتنميتها، ليس من خلف الطاولة بل بالنزول إلى مواقع الانتاج.  

القطاعات المنتجة: الزراعة والثروة الحيوانية، الثروات الطبيعية، الصناعات التحويلية، صخور صناعية والمعادن، الصناعة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والسياحة.

لنبدأ بقطاع الزراعة والثروة الحيوانية، كانت الأردن لمنتصف ستينات القرن الماضي مكتفية ذاتياً، وفي الوقت ذاته مصدرة، مثلاً، صدّرت عام 1949 حوالي 295 آلف طن قمح لتركيا وإيران، ومصدّرة للثروة الحيوانية.
ما الذي حدث لنصبح دولة مستوردة للحبوب واللحم الاحمر؟

الأرض هي أداة الانتاج الزراعي، المعضلة الحقيقية تكمن في كون أكثر من 86 % من اراضي البلاد معطلة عن الانتاج،  بقرار من قبل مجموعة التبعية الحاكمة، ولا يوجد أي مبرر واحد مقنع، علماً بأن الأرض وسيلة انتاج رئيسي في كافة الدول والمجتمعات الرأسمالية والنامية، وهناك مشكلة يجب التنويه لها، هي التشوية المجتمعي، الذي تم الاشتغال عليه بشكل ممنهج، خاصة بين صفوف الشباب، لإجبارهم على الهروب من العمل في الزراعة، بسبب قلة مردوده، وتشويه وعيهم بأهمية العمل عامة، والزراعي خاصة، ورفض مجموعة التبعية تقديم الحوافز، وتشكيل جمعيات تعاونية فعلية، وتوزيع الأراضي العطيل عليها، لتحفيز الانتاج الزراعي والحيواني، وهنا يأتي دور القوى المجتمعية في الصراع مع مجموعة التبعية في الحكم لتحقيق هذا الهدف، هذه الأراضي العطيل يمكن أن تحقق مردود هائل، وفي الوقت ذاته، تشكل حلاً لأزمة البطالية، وحلاً لأحزمة الفقر حول المدن الكبرى ( الهجرة من الريف إلى المدينة) بقرار توزيع أراضي على جمعيات تعاونية، توفر الدولة لها مستلزمات الانتاج، للزراعة وتنمية ثروة حيوانية.

قطاع الزراعة: تتميز الأردن بتضاريس متعددة، تفسح المجال واسعاً أمام أنماط زراعية مختلفة،

·الأغوار الأردنية وتقع تحت مستوى سطح البحر، تقدر مساحتها حوالي (ثمانية آلاف وخمسمائة كم2 ) تسمح بدورات زراعية متعددة في السنة، وتشكل منطقة فريدة في العالم، لأنماط زراعية  ذات قيمة مضافة عالية.

·البادية الأردنية تشكل حوالى (واحد وسبعون آلف كم2 معطلة) تحوي أحواض مائية، بعضها قريب جداً من سطح الأرض، كلف الضخ قليلة جداً، وفي الوقت ذاته، تشكل منطقة مثالية للحصاد المائي، عبر سدود ركامية تحت سطح الأرض، بكلف قليلة، تسمح بزراعة تعتمد محاصيل المناطق شبه الجافة، بالاضافة إلى الري التكميلي، المتوفر في أحواض مائية جوفية وأمكانات هائلة للحصاد المائي، حيث تتوفر دراسات وطنية هامة في هذا الجانب، موضوعة على الرف عند وزارة المياه والري، وتعتبر منطقة البادية مثالية لإجاد مراعي واسعة، تضمن تنمية ثروة حيوانية، تحقق الإكتفاء الذاتي وفائض للتصدير،

·مناطق المرتفعات وتبلغ مساحتها حوالي (عشرة آلاف كم2 ) وتتركز فيها الكثافة السكانية، وهي مناطق  ملائمة لزراعة الحبوب والاشجار المثمرة والخضروات...الخ،

قطاع الزراعة مهمل، مؤسسات رسمية معنية معطلة عن القيام بدورها في تنمية قطاع الزراعة والثروة الحيوانية، معطلة عن تأمين الحماية للمزارع وخاصة الصغير، ومعطلة عن القيام بدورها في متابعة الإنتاج الزراعي، بدءاً بتهيئة الأرض، ثم الحصاد وجني الثمار، ومن ثم تسويقه، ومعطلة عن تأمين شروط ومستلزمات الانتاج، تأتي الحجة أننا في دولة ديدنها السوق الحرة، ألم يفشل هذا النموذج على الصعيد العالمي وقاد الى كوارث على البشرية، كيف يمكن تأمين الغذاء والعمل للناس بعد الجائحة.

مشكلة الزراعة والمزراعين واضحة للعيان، تتمثل بشكل رئيسي في تطبيق سياسة العرض والطلب وحرية النمط الزراعي، ووجود وسيط سمسار يستولي على الجزء الأكبر من أرباح المزارعين، مما يعيق إحداث التراكم الرأسمالي المطلوب للتنمية، عدم تدخل الدولة لتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار حقيقية، علماً بأن المستوردين يحققون أرباح هائلة على حساب الفلاح، والتسويق يتم على حساب المستهلك والمنتج معاً، كافة هذه الاشكالات يمكن حلها أذا ما توفرت الإرادة السياسية، تنظيم المزارعين في اتحادات حقيقية منتجة ( وليست صورية كما هي الحال الراهن، وحال كافة النقابات العمالية الصورية القائمة) لتدير شؤون الانتاج والتسويق وتوفير مستلزمات الانتاج، وأمثلة دول كثيرة في العالم الثالث حققت إنجازات جراء إعتماد الاتحادات على إدارة العملية الزراعية في الانتاج والتسويق.

هل نحتاج إلى زمن طويل لتحقيق هذا الهدف؟ الجواب كلا في حالة انتزاع قرار بذلك، مدة الدورة الزراعية الواحدة، وتوفير البنى التحتية، مستلزمات الانتاج والبنى التحتية، فترة ستة أشهر ولا تتجاوز عامين. بعض المواقع جاهزة من اليوم، زراعياً ومراعي.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك