القائمة الرئيسية

من سجل النكبة والكفاح الفلسطيني:.. فلسطين: من بلفور الى ترامب الى"قانون القومية التهويدي".\ نواف الزرو

12-05-2020, 14:52 الكاتب والمؤرخ نواف الزرو
إضاءات

 

       ان كنا نكتب اليوم مثلا، في ذكرى النكبة واغتصاب فلسطين، أو عن الوعد البلفوري او قرار التقسيم الاممي-الصهيوني، اوعن معطيات المشهد الفلسطيني وآفاقه، في ظل خرائط ووثائق الحرب المحتدمة اليوم على امتداد الخريطة الفلسطينية والعربية، فإننا لا نكتب تحت وطأة المناسبة بصورة مجردة في سياق تاريخي هادىء ورتيب، فالذكرى تتعمق في نسيج الوعي والتفكير الفلسطيني، بل وفي الوعي الجمعي العربي، وباتت اكبر واخطر من ان تكون في يوم محدد، فهي على نحو اشمل واعمق قد غدت هاجسا ادراكيا يشمل الشعب الفلسطيني، وقد حرص الفلسطينيون على مواجهته بالتمسك بثقافة العودة والحق الراسخ بالعودة، الذي يعني ابدية العلاقة بين الفلسطيني ووطنه وانسانيته ووجوده "فالنكبة في الفلسطيني والفلسطيني في النكبة".
  وما بين الوعد والنكبة واليوم، أو ما بين بلفور والتقسيم وترامب و"قانون القومية التهويدي"، فرغم زخم الاحداث والتطورات المتلاحقة في المشهد الفلسطيني العربي الشرق اوسطي، ورغم الاعباء الكبيرة التي يرزح تحتها الواقع الفلسطيني، ورغم النكبات المتصلة التي تنصب على رؤوس الفلسطينيين منذ عام 48، ورغم التضحيات  والعذابات اليومية  للشعب الفلسطيني، التي من شانها ربما ان تشغل بال الجميع عما حصل في الماضي، الا ان الوعد والتقسيم حاضران دائما في الوعي الجمعي الفلسطيني وفي الذاكرة الوطنية الفلسطينية، باعتبارهما اضخم واخطر عنوانين في المشهد الهولوكوستي الفلسطيني المفتوح.

*مقدمات ومحطات  استعمارية 
       فان كان الوعد حاضرا في الوعي الجمعي الفلسطيني، باعتباره اساس النكبة وضياع فلسطين، فانه لم يكن يتيما بلا مقدمات وممهدات  سبقته، تحمل ذات المضامين البلفورية، فوفق الوثائق، فقد مهدت لاختلاق الدولة الصهيونية، سلسلة متصلة طويلة من الافكار والمشاريع والمؤتمرات  والوعود الاوروبية والامريكية التي توجت عام 1948 باقامة"اسرائيل"، وحسب بعض الوثائق تعود بدايات طرح "تجميع اليهود في فلسطين"واقامة "وطن قومي لهم"الى مارتن لوثر، الذي وضع كتابا في هذا الصدد بعنوان"عيسى ولد يهوديا"، وكذلك كتاب"روما والقدس"عام 1520، حيث دعا فيهما الى"عودة اليهود الى فلسطين"، وتتحدث وثائق اخرى عن ان بدايات طرح"تجميع اليهود في فلسطين" بدأت في عهد آرثور كرومويل، الذي وعد اليهود بالوطن في عام 1655، وتقول ريجينا شريف في كتابها"الصهيونية غير اليهودية..جذورها في التاريخ الغربي"، ان البدايات الاولى  لطرح فكرة"تجميع اليهود في فلسطين" كانت عام 1649، مرورا بعدد آخر من المبشرين ب"الوطن اليهودي" ومنهم الليدي"استر سترانهوف"، التي دعت وبشرت بالوطن اليهودي ما بين 1804-1819، وهناك  المزيد من الوثائق التي مهدت كلها الى"اختلاق اسرائيل في فلسطين على انقاض اسكات ومحو الزمن العربي الفلسطيني"
   وتذكر المصادر التاريخية، أن نابليون كان أول سياسي أوروبي ينادي علانية، بإقامة دولة لليهودعلى أرض فلسطين، وهو صاحب النداء المشهور الموجه لليهود"ورثة أرض إسرائيل الشرعيين"، الذي صدر في نيسان 1799، وسرعان ما تلقف الرئيس الامريكي جون آدامز الفكرة، فدعا  في عام 1818 إلى"استعادة اليهود لفلسطين وإقامة حكومة مستقلة لهم"، ثم تلقف رئيس وزراء بريطانيا اللورد"بالمرستون" الفكرة، ففي عام 1839 أصدر تعليمات إلى القنصل البريطاني في القدس وليام يونغ، بمنح اليهود في فلسطين الحماية البريطانية لضمان سلامتهم، وصيانة ممتلكاتهم وأموالهم، وأثناء عقد مؤتمر الدول الأوروبية في لندن عام 1840 قدم اللورد شافتسبري مشروعاً إلى بالمرستون اطلق عليه"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، داعياً إلى ان تتبنى لندن"إعادة اليهود إلى فلسطين وإقامة دولة خاصة بهم"، وتبنى بالمرستون خلال المؤتمر مشروعاً يهدف إلى"خلق كومنولث يهودي في النصف الجنوبي من سورية، أي فوق المساحة التي شغلتها فلسطين التوراتية"، وفي عام 1844 ألف البرلمان الانكليزي لجنة"اعادة أمة اليهود إلى فلسطين"، وفي العام نفسه تألفت في لندن"الجمعية البريطانية والأجنبية للعمل في سبيل إرجاع الأمة اليهودية إلى فلسطين". وألح رئيسها القس كريباس على الحكومة البريطانية كي تبادر للحصول على فلسطين كلها من الفرات إلى النيل ومن المتوسط إلى الصحراء. 
     وفي عام 1845 قدم إدوارد ميتفورد، الذي كان يعتبر من أخلص أنصار بالمرستون، مذكرة إلى الحكومة البريطانية يطلب فيها "إعادة توطين اليهود في فلسطين بأي ثمن، وإقامة دولة خاصة بهم تحت الحماية البريطانية". 
  وفي عام 1880م تبنّى الأسقف الانغليكاني في فينّا (وليم هشلر) النظرية التي تقول"إن المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي، وان العمل على تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية"، وكان هشلر قد ألف كتابا عام 1882م بعنوان (عودة اليهود إلى فلسطين حسب النبوءات).
        وفي عام 1887 أسس بلايستون في شيكاغو منظمة "البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل" لحض اليهود على الهجرة إلى فلسطين, ولا تزال هذه البعثة قائمة باسم الزمالة الأميركية المسيحية.
       يضاف الى كل ذلك، التطورات اللاحقة، من اتفاقية سايكس-بيكو، الى بلفور، فمؤتمر سان ريمو، ثم صك الانتداب، ثم قرار لجنة بيل،  ثم مؤتمر بلتيمور، وصولا الى قرار التقسيم 181، ثم بعدها معاهدات السلام والتطبيع الكارثية، وبذلك تتكامل مراحل ومحطات تطورات المشهد في فلسطين في بعدها البلفوري التآمري.
* من الوعد الى النكبة الى "يهودية الدولة"....!
     اذا، لم يأت وعد بلفور يتيما، فقد سبقته كل تلك التصريحات والمؤتمرات والوعود المشار اليها، ونحن اذ نستحضرها ونحن في فضاء الذكرى المائة واثنين لوعد بلفورالمشؤوم، فذلك لغاية النبش في التاريخ واستحضار الحقائق والمحطات الرئيسية، التي اوصلت اليه، واسست للتطورات التي لحقت به، اذ واصل نهجه ووعده عدد آخر من البلافرة المتصهينين، بلافرة النكبة والتشريد والتهويد، فنستحضر دائما عوامل ومسببات النكبة، وقيام تلك الدولة الصهيونية على انقاض الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ونتذكر وعد/تصريح بلفور الذي منح فلسطين"وطنا قوميا لليهود –بغير حق"، وحول النبوءة الهرتسلية  من وهم الى حقيقة، فكلما حلت مجزرة او نكبة جديدة بالفلسطينيين، نتذكر ذلك الوعد، ونجرم بريطانيا الاستعمارية، وكلما اقترفت دولة الاحتلال  المزيد من النكبات، نلعن دائما وعد بلفور الذي لا ينتهي...!.
    فكلما حلت الذكرى البلفورية والنكبوية، يستحضر الفلسطينيون ومعهم العرب، في مقدمة ما يستحضرونه تلك المناخات والمؤامرات التي احاطت بفلسطين قبل وخلال وبعد بلفور، وبعده بثلاثين عاما"قرار التقسيم"، وكلاهما نتاج بريطاني كامل الدسم لصالح المشروع الصهيوني، فالعلاقة الجدلية ما بين الوعد والقرار قوية عميقة واستراتيجية، فلولا الوعد لما جاء التقسيم، ولولاهما معا لما ولد"الصبي-اسرائيل"، ولولا الاحتضان البريطاني الاستعماري الكامل الشامل للمشروع الصهيوني، لما ضاعت فلسطين.
    فالوعد يلاحقنا بتداعياته الواسعة الكارثية على مدار الساعة، وتحول الى تطبيقات وانجازات صهيونية اعجازية-كما يزعمون-، بل انضمت اليه المزيد من الوعود بغير حق ايضا، والتي تضافرت كلها لتنتج مشهدا سياسيا وجيوديمغرافيا مختلفا، لم يخطر حتى ببال البلافرة مجتمعين، فالصهيونية التي ابتزت وعد بلفور، تشن اليوم هجوما استراتيجيا خطيراعلى القضية الفلسطينية، بمطالبتها -وبغطاء امريكي وغربي-، الفلسطينيين والعرب والعالم الاعتراف ب"يهودية اسرائيل"، ما يستكمل بالنسبة لهم اختطاف وتهويد فلسطين الى الابد ....!
      فمنذ ان شكل حكومته الاولى عام 1996، فتح  نتنياهو معركة شرسة، وشن موجات من الحملات السياسية والاعلامية التحريضية، زاعما"أن اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية هو الدليل الوحيد على استعدادهم للسلام"، مؤكدا في مؤتمر بشأن مستقبل الشعب اليهودي عقد في القدس بمشاركة زعماء يهود من كافة أنحاء العالم- إنه:"حين يعترف شركاؤنا بإسرائيل كدولة يهودية سيكونون مستعدين للسلام"، مضيفا:"أنه سيجبر الفلسطينيين على الاعتراف ب"يهوديةإسرائيل"، بل وذهب نتنياهو الى ابعد من ذلك، اذ قال لاحقا لصحيفة"اسرائيل اليوم":" نحن لا نريد للعرب ان يكونوا مواطنين ولا رعايا لنا".
فاين يريدهم  نتنياهو اذن...؟!، باتجاه الشرق ام الشمال ام الجنوب يا ترى...؟!
         فالاعتراف ب"يهودية إسرائيل" بالمضامين التي يحملها، سيكون وعد بلفور آخر، تستكمل فيه تلك الدولة الصهيونية مشروعها التهويدي لكامل فلسطين، بما يحمله ذلك من شطب لحق العودة لحوالي ستة ملايين لاجىء فلسطيني الى وطنهم وممتلكاتهم، ناهيكم عن تجريد من تبقى من العرب –حوالي مليون ونصف- في مناطق 48  من حق البقاء والملكية والمواطنة هناك، مما يحولهم الى رهائن تحت الطلب..!.
     فما بين امس الوعد والنكبة واليوم نقرأ التالي:"أرض فلسطين التاريخية هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي"، فما الفرق اذن....؟، فقد يخطر ببال البعض فورا اننا امام بلفور، او نتنياهو او شارون او باراك او اي متشدد صهيوني من جهتهم هناك في "اسرائيل"، ولا يخطر بالبال ان يكون القائل هنا هم الرؤساء الامريكان السابق بلسانهم...!.
    فمن "بلفور"الى التقسيم، ف"النكبة"، الى "كامب ديفيد"، الى مدريد، الى اوسلو، الى وادي عربة، الى كامب ديفيد-2-، فخريطة الطريق،  ثم الى"فك الارتباط"، فوعد بوش لشارون، الى الرئيس اوباما  الذي اطل علينا في ذكرى النكبة حينها، ليقدم ما يشبه وعدا بلفوريا جديدا ل"اسرائيل"، يمنحها فيه اعترافا متجددا بان"فلسطين هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي". ثم وصولا الى الرئيس ترامب الذي منح"القدس الموحدة عاصمة ابدية لاسرائيلي-ويمنح اليوم ايضا عبر صفقة القرن وعدا جديدا بتطويب كامل فلسطين للمشروع الصهيوني ...!
   كلها اذا، وعود بلفورية، تتصل وتتواصل كمحطات على اجندة النكبة الفلسطينية المستمرة،  وتكرس حالة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني في فلسطين.

*صراع مفتوح حتى التحرير
     فالحاصل الاستراتيجي في المشهد الفلسطيني اليوم، في ظل كل هذه الوعود والمؤامرات البلفورية، وفي ظل تكاثر بلافرة النكبة والتشريد والتهويد، ان فلسطين العربية من بحرها الى نهرها عبر التاريخ، تتحول هكذا، بفعل البلافرة، الى بلاد صهيونية، والحقوق العربية التاريخية في فلسطين، باتت تختزل اليوم بعملية سلام وتطبيع وتعايش عربي لم يكن من شأنها وتداعياتها سوى اهدار الوقت، وتمدد وتكريس الاستعمار الاستيطاني، والمطالب العربية بالتحرير الكامل لفلسطين، تتقلص كل يوم، لتغدو بحجم قطعة من مساحة الضفة الغربية، وحق العودة لملايين اللاجئين، بات اليوم في مهب الرياح الصهيونية، بل ان المدينة المقدسة، اخذت تتحول هويتها العربية الاسلامية، الى هوية صهيونية يجري ادلجتها وتغطيتها بالاساطير التوراتية، فالقدس تتهود بنصوص توراتية على مرأى من العالمين العربي والاسلامي.
   والحاصل الاستراتيجي اليوم ايضا، ان كل القرارات الاممية المتخذة في القضية الفلسطينية، لصالح  العودة واقامة الدولة، تساقطت تباعا بفعل السطوة الصهيونية-الامريكية على هيئة الامم المتحدة، فبات حتى مجرد التوجه الفلسطيني للامم المتحدة لنيل الاعتراف ب"دولة غير عضو-تصوروا...!-يقيم الدنيا الصهيونية-الامريكية والاوروبية ولا يقعدها، اعتراضا على هذه النية الفلسطينية ..!.
      فهم يكشفون اليوم، وهم في ذروة هجومهم على القضية الفلسطينية بغية شطبها،عن النوايا والانياب الحقيقية لديهم، تجاه كافة الاستحقاقات المترتبة والمتراكمة لصالح الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها استحقاق اقامة الدولة العربية وفق قرار التقسيم، فيزعمون من جهة اولى، ان  مثل هذه الدولة  لن يحصل عليها الفلسطينيون الا عبر المفاوضات والتسوية، وبعد ان يتحوا الى "فنانديين" او كنديين" حسب بومبيو، بينما هم يعطلون ويدمرون اي احتمالية للاستقلال عبر اقامة وتكريس المزيد من حقائق الامر الواقع الاستيطاني في كل انحاء الجسم الفلسطيني، ويزعمون من جهة ثانية، ان الشعب الفلسطيني ليس مؤهلا لاقامة الدولة، وكانهم  قيمون على مقدرات  هذا الشعب، ويزعمون من جهة ثالثة، ان الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس لا يسمح باقامة الدولة...وهكذا...!
   لا شك ان كبرى الكبائر العربية هنا، ان الدول والسياسات العربية الرسمية، تأقلمت مع الامر الواقع البريطاني اولا، ثم الامريكي الصهيوني ثانيا، لتنتقل في السنوات الاخيرة ثالثا، من موقع اللاءات الى موقع النعمات، في التعاطي مع المشروع الصهيوني وتفريخاته التهويدية على الارض.
     والحاصل الاستراتيجي ايضا أن"الوعد البلفوري" الاول، ثم الوعود ابلفورية البوشية فالاوبامية فالترامبية اللاحقة، لم تكن لترى النور، ولم تكن فلسطين لتقسم وتضيع وتغتصب وتهوّد، لو تصدى العرب آنذاك واليوم للوعد ولمشروع التقسيم البريطاني - الصهيوني كما يجب.
    ما يعيد القضية والاوضاع كلها الى بداياتها، ففلسطين تبقى عربية رغم التهويد الجارف، ورغم بلفور الأب والبلافرة الجدد، والصراع سيبقى مفتوحا حتى التحرير، والبشائر في ذلك كثيرة متزايدة.

نواف الزرو
Nzaro22@hotmail.com

شارك