القائمة الرئيسية

كتب سامي كليب.. بين الأخلاقي والمقدّسات في الاعلام

28-05-2020, 11:03 سامي كليب
إضاءات

كتب الاعلامي سامي كليب مقالاً بعنوان بين الأخلاقي والمقدّسات في الاعلام, أشاد فيه بالاعلامية بثينة عليق لمهنيتها, ولأن ما تطرق له مهم من حيث المضمون لذلك رأينا أن نقدم ما كتب لكم والراي والحكم لكم.

إضاءات
        

لم تفاجئني الزميلة القديرة بثينة عليّق أمس في مقابلتها. كنتُ أتوقّع منها جزءا كبيرا مما فعلته. نجحت في تخطّي موروث التقديس والتبجيل، لتمارس الى حد بعيد دور الإعلامية المهنية التي تطرح الأسئلة الواجب طرحها، بغض النظر عن محبتها واحترامها للضيف أمامها. كسرت تلك المشهدية التي اعتدنا عليها في مقابلات مماثلة حيث أن الضيف نفسه يكاد ينزعج من مديح الصحافي أمامه وتملّقه له. 
 بدت الزميلة المحترمة واثقة من نفسها، رغم ظهورها التلفزيوني الأول هذا لها أمام شخصية كانت تمُنّي النفس منذ سنوات بلقائها، ورسخّت الفكرة التي نعرفها جميعا عنها، وهي أنها قارئة نهمة، مثقفة موسوعية، مُعدّة ممتازة لمقابلاتها، مُستمعة أكثر من ممتازة، سريعة البديهة، هادئة الملامح والتصرفات، وتعرف تماما الى أين تريد إيصال المقابلة. 

كنتُ من أوائل من طالب بأن تجري الزميلة بثينة هذه المقابلة ( ولي مقالتان سابقتان حول ذلك) . وكنتُ وما زلتُ من المطالبين بتوسيع دورها من الإذاعة الى التلفزيون، لا بل وأن تدير قسما سياسيا، لأني ومن خلال معرفتي ومتابعتي لها منذ سنوات، أدرك أنها باتت عملة نادرة بين الإعلاميين العرب، لجهة موسوع قراءاتها، ودقة متابعاتها، وقدرتها الاستثنائية على طرح السؤال المناسب في المكان المناسب، وبراعتها في الدفاع عن خطها لكن بعلم ومعرفة وليس بالقدح والمدح،  ناهيك عن التلخيص المُخلص والدقيق لما يقوله الضيف مع نهاية كل حلقة على اثير الإذاعة. 

الزميلة بثينة قدّمت نموذجا خاصا في التقديم يبتعد تماما عن البهرجة وممارسة دور البطولة أمام الضيف. نسيت أنها أمام الكاميرا، وكانت تلاحق كلام الضيف، حتى تضيف أو تصوّب أو تساعد، او حتى تُصحّح في شرح مجموعة الأفكار التي تشغل اللبنانيين والاقليم. هذا ليس أمرا عابرا لمن يعرف رهبة الكاميرا، فكيف اذا أضيفت اليها رهبة ضيف بهذا الحجم ومن التيار نفسه الذي تنتمي اليه الزميلة . 
هنا بالضبط تخطّت موروث القداسة، ومارست الى حد بعيد دور الإعلامي الحريص على أخلاق وأصول المهنة، وهذا لا شك يُسجل لها في سيرتها المهنة المحترمة والمحترفة والصادقة. يقيني أنها كانت ستُبدع أكثر لو أنها استطاعت التغلب على ذاك الصراع الحاضر في كل المقابلة بين عقلها وقلبها، وسوف نرى ذلك حتما في مقابلاتها المقبلة بعد ان صار انتقالها الى الشاشة حتميا، ولا بأس ان توفّق بين الشاشة والإذاعة عبر برنامج موحّد. 

الواقع أن الاعلام اللبناني، ورغم انقسام الكثير منه بين محورين، الأول مدافع عن ايران ومحورها وروسيا، والثاني عن السعودية وأميركا والمحور الغربي، الاّ أن بعضه كسَر فعلا مفاهيم كثيرة لموروث تقديس الساسة. صار يُعبّر أكثر من أي وقت مضى عن الهدف الحقيقي من هذه المهنة.  فثمة زملاء يخاطرون بحياتهم اليوم في فتح ملفات فساد، ليشرحوا كيف نهبت المافيا السياسية-المالية رزق الناس وقتلت الوطن. هم يفعلون ذلك مع ادراكهم المُسبق بأن لا أحد سيحميهم، وبأن القضاء الملجوم والمُكبّل بقوانين وضعتها هذه المافيا قد  يُضطر لطي الملفات، حين تبرز أنياب قادة المذاهب وتخرج الطائفيات من حجورها.  

ان الاعلام العربي المُرشّح للانتقال أكثر صوب وسائل التواصل الاجتماعي- لأن أكثر من ٧٥ بالمئة من الشباب العربي ما عاد يشاهد وسائل الاعلام التقليدية- مُطالبٌ بأن يلعب دورا موضوعيا الى أقصى حد، وأن يشرح بالعمل والمعرفة والوثائق والكتب والمراجع الموثوقة، حقيقة ما حصل ويحصل على امتداد الوطن العربي والعالم، ذلك أن جيل " الأبواق" من الاعلاميين أساء لهذه الشعوب وقتل المهنة وأهانها وأذلّها، بحيث أن أخبار القائد والملك والأمير والرئيس ورئيس الحزب  الى أصغر وزير أو أكثرهم فسادا، تتقدم على أخبار الناس وهمومهم . 
أنت حرٌ أيها الإعلامي في أن تحب أو تكره من تريد، لكن حين تكون على الشاشة أو امام الكومبيوتر أو المذياع، فعليك أن تحترم أخلاق المهنة التي انتميت اليها. ليس دورك هنا ان تمدح وتغالي في المديح أمام ضيفك، مهما كانت علاقتك به، ولا أن تقدح بالخصم مهما كنت معاديا له، وانما ان تقدم المعلومة والسؤال على نحو موضوعي احترافي أخلاقي، يلتزم أولا وأخيرا بأخلاق وشرعة مهنة الاعلام، فالفرق كبير بين الناشط السياسي والاعلامي، والفرق أكبر بين الإعلامي الحقيقي والبوق. هذا ما حاولت الزميلة بثينة أن تثبته أمس باحترام كبير للضيف ولنفسها ومهنتها. أما مضمون المقابلة ورسائلها الكثيرة، فلهما مقال آخر.

شارك