القائمة الرئيسية

كتب كمال خلف.. في ذكرى مئويّة لبنان الكبير..قراءة تاريخية هامة.

02-09-2020, 07:43 الاعلامي كمال خلف
موقع إضاءات الإخباري

بمناسبة زيارة ماكرون, رئيس جمهورية فرنسا, لإحياء الذكرى المئوية لصناعة فرنسا لدولة لبنان الطائفي, اتى ماكرون وبتفويض من دول الاستعمار لتجديد دم هذا النظام العفن الذي كرس الطائفية والتفتت والتشرذم في المجتمع اللبناني. الاستاذ كمال خلف اعلامي مرموق يقدم قراءة تاريخية ارتأينا تقديمها لقرائنا لما فيها من معلومات تعتقد انها هامة:

موقع إضاءات الإخباري

 

 

كتب كمال خلف:

في ذكرى مئويّة لبنان الكبير.. الانتداب أنشأ دولةً رُغمًا عن إرادة غالبيّة أبنائه.. وبحدود بقيت محلّ جدلٍ لسنوات.. أخطاؤه أفضت إلى نظامٍ سياسيٍّ مُزمن الأزمات.. ويشهد صراعًا دوريًّا حول الهُويّة والموقع السياسيّ.. حصص الطوائف وحكم خارجي يفصل بين الأطراف بُنية نظام سياسي يُحاول جيل لبنان الجديد التخلّص منه

في هذه الأيّام يحتفل لبنان بذكرى مرور مئة عام على اعلان دولة لبنان الكبير عام 1920. وقبل هذا التاريخ لم يكن هناك دولة بالحدود التي نعرفها اليوم، واذا كان اللبنانيون اليوم يعتزون بحدودهم ومساحة بلادهم رغم الانقسامات السياسية والطائفية الحادة راهنا، إلا أن الحقيقة لم تكن كذلك عشية اعلان دولة لبنان الكبير. فقد فرضت فرنسا وبريطانيا حدود الدولة كما نعرفها اليوم رغم عن ادارة غالبية السكان، وقتلت فرنسا عام 1919 مشروع هوية استقلالية للبنان كان يمكن ان يضع لبنان على مسار اخر في التاريخ المعاصر مع رفضها اعلان ما كان بعرف “بمجلس ادارة جبل لبنان” المنتخب استقلال لبنان في ظل نظام ديمقراطي قائم على مبادئ الحرية والمساواة غير ان المجلس برئاسة داوود عمون تعرض للضغط الفرنسي في مؤتمر السلام في باريس ما حال دون تحقيق الاعلان وتحول المطالبة الى انتداب فرنسي وتوسع اقليمي لحدود الدولة.

ومنذ ذلك الوقت انتصرت فكرة لبنان الكانتونات الطائفية على فكرة لبنان النظام المدني الديمقراطي، كما اتصرت لاحقا فكرة الحمائية الغربية والانعزالية على الفكر الأعم الذي آمن به غالبية اللبنانيين وهو لبنان الجزء من محيطه العربي وهو ما مهد لمراحل تاريخية لاحقه عنوانها الثورات والاقتتال الاهلي و التدخلات الخارجية والانقسام المزمن ورحلة البحث عن الهوية والنظام السياسي المستقر التي لم تنتهي حتى اليوم .

رفض الغالبية من اللبنانيين الانتداب الفرنسي كما رفضوا “دولة لبنان الكبير” وطالبوا بدولة عربية مستقلة او العودة الى سورية الطبيعية، وفور اعلان غورو دولة لبنان الكبير انتفضت مدن الساحل وجبل عامل والبقاع وجبل لبنان واحتاجت فرنسا لحملة دموية لقمع الثورة وبعدها بعام واحد فند وجهاء بيروت وطرابلس وصيدا وصور في مذكرة اعتراض سكان الاقاليم المضمونة عام 1921 الذرائع التاريخية لقيام لبنان الكبير معتبرين في وثيقتهم انه كيان لم يوجد في التاريخ من قبل.

في مقابل ذلك كان هناك تيار داخل طائفة الموارنة يمثله بشكل اساسي البطرك الياس حويك واخرين من امثال اميل اده وشارل قرم وفردينان تيان يعتبر ان الموارنة فرنسيون وحلفاء فرنسا ضد الاسلام وان لبنان مقاطعة مسيحية تابعة مباشرة لفرنسا و راى اصحاب هذا التيار ان هوية لبنان فرنسية وليست عربية ولاحقا تم ابتداع فكرة الفينيقية كهوية بهدف عزل لبنان عن محيطة العربي عبر الرابطة الفينيقية.

كان جزء مهم من مسيحيي لبنان ضد فكرة الهوية الفرنسية او الغربية عموما وكان الاديب الكبير جبران خليل جبران على سبيل المثال من دعاة الاتحاد السوري. وحين دفع جزء معتبر من الموارنة نحو لبنان الكبير كوطن قومي للمسيحيين كان اتساع رقعة المتصرفية او لبنان الصغير الى الكبير عبارة عن دولة نصف سكانها من المسلمين وهو ما ادى لاحقا الى خلل في التمثيل السياسي كان البوابة الحقيقة للحرب الاهلية المصغرة عام 58 والى الحرب الاهلية الاوسع عام 1975 وصولا الى تشكيل نظام المناصفة بين المسلمين والمسيحيين كنتيجة للحرب عبر اتفاق الطائف.

وفي ذات الوقت قدم رئيس وزراء فرنسا كليمنصو وعدا للبطرك الماروني الياس حويك بضم منطقة البقاع السورية الى الدولة الوليدة، ومع انتزاع كليمنصو من الامير فيصل اعترافا باستقلال لبنان عن سورية كان فيصل والجميع مدرك تلقائيا ان المقصود هو حدود جبل لبنان فقط، ولم يكن يعرف بوعد الفرنسيين للبطرك بضم البقاع واجزاء اخرى من سورية. وفي نيسان عام 1920 اجتمع كل وجهاء وعلماء جنوب لبنان مع قادة المقاومة المسلحة بقيادة ادهم خنجر في مؤتمر وادي الحجير واعلنوا منطقة جبل عامل منطقة مستقلة متحدة مع سورية كتتويج لنضالهم وتضحياتهم.

حاول الأمير فيصل بن الحسين مقاومة الرغبات الفرنسية في سلخ اجزاء من سورية لصالح انشاء دولة لبنانية وفق المصالح الفرنسية واختار التحكيم الدولي وعلى اساسه وصلت لجنة “كينغ كراين” الدولية وقد رفعت نتيجة تحقيقها الى مؤتمر السلام الدولي في باريس عام 1919 تقول فيه ان 80 بالمئة من السكان داخل لبنان يؤيدون سورية موحدة. وقالت توصيات اللجنة ان سورية الطبيعية يجب ان تبقى موحدة وما عدا ذلك خيانة للشعب السوري. الا ان توصيات اللجنة الدولية التي شكلها نظام الانتداب الدولي نفسه لم يطبق منها شيء.

قسّم الفرنسيون سورية بعد احتلالها اثر معركة ميسلون الى خمس دويلات لبنان ودولة حلب ودولة دمشق ودولة العلويين ودولة الدروز . واعلن قائد القوات الغازية الجنرال غورو في الاول من ايلول عام 1920 ولادة دولة لبنان الكبير مضيفا الى متصرفية جبل لبنان مدن بيروت وصيدا وصور وطرابلس .

كان ضم غوروة لطرابلس معاكسا لرغبة الحكومة الفرنسية التي امرت غورو باعتبار الامر مؤقتا ..لاحقا عام 1926 اقر موظفو الانتداب من امثال” ده كي” و”هنري جونفيل” ان لبنان اكبر مما يلزم مشيرين الى خطا اعلان لبنان الكبير وقدموا اقتراحا باعادة طرابلس والبفاع وعكار الى سورية وبالتوازي رفضت الكنسية المارونية ضم جنوب لبنان منطقة جبل عامل الى لبنان الكبير، عين غورو مجلسا اداريا محليا على اساس حصص الطوائف ومنذ ذلك الحين اصبح هذا هو التقليد السياسي في نظام الحكم عبر مراحل تاريخية مختلفه وصولا الى يومنا هذا… “تمثيل طوائف وحكم بفتح الحاء خارجي يحكم بينهم”.

وكرّس اتفاق الطائف عام 1990 بعد الحرب الاهلية التي دامت 14 عاما استمرارية فكرة الحصص الطائفية وان كان عدل التمثيل الى المناصفة بين المسلمين والمسحيين كما كرر فكرة الحكم الخارجي الذي تلجا اليه الاطراف وتمثل في تلك الحقبة بسورية، وما ان خرج هذا الحكم السوري من لبنان عام 2005 اثر اغتيال رئبيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري حتى اختل النظام االسياسي وبات انتخاب رئيس للجمهورية او تشكيل حكومة يستعصي لشهورطويلة الى ان يتدخل حكم خارجي بين الأطراف، كان اتفاق الدوحة عام 2007 الذي جمع كل الاطراف بوساطة الدوحة كحكم خارجي مؤقت نموذجا لنظام سياسي يعتريه اختلال ويحتاج الى اصلاح جذري، وخلال العام الماضي دخل النظام السياسي مرحلة الامتحان الصعب ودخلت معه البلاد في ازمة بنيوية، وباتت تلوح في الافق فرصة امام اللبنانيين لتغيير بنية النظام القائم على حصص الطوائف الى لبنان جديد مدني ديمقراطي عبر انتفاضة شعبية عابرة للطوائف وان شابتها اجندات احزاب طائفية لحرفها، بيد ان الطبقة السياسية تعاملت مع الازمة بالطريقة التقليدية ولم تنظر الى ما يجري على انه فرصة لمراجعة بنية النظام. وهاهو الحكم الخارجي يطل من جديد متمثلا بالرئيس الفرنسي امانويل ماكرون لاعادة الامور الى ما كانت عليه من جديد، وهنا يطرح السؤال حول ان كانت ازمة لبنان اليوم هي محطة لاعادة التوافق الداخلي المؤقت بجهود فرنسا مع ما يعنيه ذلك من بقاء صراع مزمن بين قوى التغريب والانعزال الذي اصبح عنوانه اليوم متمثلا بوثيقة الحياد وبين قوى ترى لبنان دولة منخرطة في هموم المنطقة ومعنية بالصراع مع اسرائيل وهو صراع له جذر منذ مئة عام.. ام ان لبنان سوف ينتج هوية عصرية تنتهي اخطاء الانتداب الفرنسي في تركيبة لبنان الكبير قبل مئة عام، دولة مدنية ديمقراطية لا تعترف بالكانتونات الطائفية.

شارك