القائمة الرئيسية

مئة سنة على ميسلون السورية وإعلان غورو اللبناني 

05-09-2020, 15:59 غالب قنديل
موقع إضاءات الإخباري

 

لم يلتفت أي من فلاسفة السياسة والثقافة في لبنان بكل ادعائهم الحضاري المنتفخ ، إلى مفارقة تاريخية معبرة للغاية فبينما استقبلت بيروت الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون في ذكرى اعلان "لبنان الكبير" في احتفال حضره ورعاه الجنرال غورو ومثل فيه اللبنانيين يومها كل من البطريريك الحويك والمفتي الشيخ مصطفى نجا  كانت دمشق تحتفل بمئوية استشهاد البطل العربي القائد يوسف العظمة وزير الدفاع السوري الذي قاد قبل مئة سنة أيضا القتال ضد قوات الاحتلال الفرنسية في معركة ميسلون قرب العاصمة السورية التي تشترك فرنسا ماكرون في محاصرتها ومعاقبتها على موقفها الاستقلالي التحرري الرافض للهيمنة الغربية على المنطقة العربية بعد فشل الحملة الاستعمارية الغربية لإخضاعها. 


أولا

المفارقة بين البلدين الشقيقين وموقعهما من الهيمنة الاستعمارية على الشرق العربي بدأت قبل مئة عام فسورية قلعة العروبة التي قاتلت المستعمر ببسالة واستشهد وزير دفاعها في ميسلون ولبنان الذي اخضعه المستعمر لانتدابه مستفيدا من تشظيه الطائفي لعزل فصائل المقاومة الشعبية التي قاتلت ضد الانتداب وكانت تتصل عضويا بالثورة السورية وقواتها التي قادها الشهيد البطل يوسف العظمة وقد قدمت الرواية الرسمية صورة مشوهة عن أبطال المقاومة الذين رفضوا الانتداب ونسقوا مع أشقائهم الثوار في سورية ورددوا شعارات الاستقلال والوحدة القومية وتصدى لهم الانتداب وعملاؤه بكل أدوات التضليل والتحايل والتآمر وبينما كان لبنان المعاصر بعد مئة سنة يحتفل بزيارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون القادم لمخاطبة الواقع السياسي اللبناني بلغة الرعاية الانتدابية واصدار التوجيهات مستغلا مازق النظام القائم الذي انفجر اقتصاديا وماليا تحت وطأة الحصار الذي شاركت فيه فرنسا وسائر دول الغرب بقيادة الولايات المتحدة وكاسرا عيون النظام اللبناني بشبهات الفساد التي انتجها تقاسم المغانم الريعية منذ اتفاق الطائف.

 


ثانيا

ما أشبه اليوم بالبارحة ففي سورية معركة استقلال متواصلة ومتجددة ضد الغزوة الاستعمارية الصهيونية ودولة وطنية صمدت في وجه حرب عالمية وحصار كوني وشقت طرقا للصمود وأبت الرضوخ بكل شجاعة وعزة قومية وأعادت بناء قدراتها الدفاعية ورسخت التضامن الداخلي في وجه الحصار والعدوان مستعينة بتحالفات تحررية موثوقة تصدرتها الشقيقة إيران وروسيا والصين والمقاومة اللبنانية التي كان من شروط نجاح تحرك ماكرون الاعتراف بدورها وبوزن حزبها السياسي التمثيلي ودوره المحوري في لبنان ولعل ذلك هو المتغير الأهم بين المشهدين خلال مئة عام : المقاومة ووزنها وهيبتها وتحالفاتها التي تضم مروحة واسعة من القوى السياسية والأوزان التمثيلية التي يتقدمها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب الرئيس نبيه بري ولكن علة الانقسام التي نفذ منها المستعمر ليشتت الصفوف اللبنانية على امتداد القرن المنصرم ما تزال على حالها. 

 


ثالثا

إن من تلا إعلان لبنان الكبير قبل مئة عام كان الجنرال غورو الذي قاد المعركة ضد نواة الجيش السوري وقتل القائد يوسف العظمة على بوابة دمشق من جهة الطريق القادم من لبنان وقد أراد هذا الجنرال المستعمر الدموي ان يقتل مع ذلك البطل العربي احلام الاستقلال والعروبة وفكرة الوحدة بين البلدين التوأمين بالفك بينهما عملا بخرائط التقاسم الاستعماري للشرق كما تكرست في اتفاقية سايكس بيكو المؤسسة للانتداب ومن المعيب ان يغيب ذكر ميسلون وبطلها الكبير عن الذاكرة اللبنانية المريضة والمشوهة والتي مسح منها التاريخ الرسمي سير قادة العمليات الفدائية المناهضة للانتداب الفرنسي ادهم خنجر وصادق الحمزة وسواهم في الشمال والبقاع وجلهم لجأوا إلى سورية من بطش المحتل الفرنسي وعملائه ووجدوا بيوتا فتحت لهم في مدنها وبلداتها ولاسيما في الجولان وجبل العرب عرين سلطان الأطرش آنذاك وأمس أيضا كانت دمشق تحتفل بذكرى بطل مقاوم هو وزير الدفاع الشهيد يوسف العظمة الذي خاض معركة ميسلون قبل مئة عام بينما استقبلت بيروت الرئيس الفرنسي ماكرون مع مفارقة ان لبنان اليوم هو بلد المقاومة المنتصرة التي أقر لها الزائر الأجنبي بدورها ولا منة له في ذلك لكن في صلب دورها ما تقدمه من تضحيات في ملحمة الدفاع عن سورية ولبنان معا ضد الغزوة الاستعمارية التي شاركت فرنسا في فصولها طيلة الأعوام العشرة المنصرمة وثمة على تراب سورية في السهول والتلال وعلى السفوح والجرود آثار دماء وأقدام لأبطال من لبنان شاركوا أشقاءهم السوريين في معركة الدفاع عن الشرق.

 

غالب قنديل 

رئيس مركز الشرق الجديد للإعلام والدراسات

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك