القائمة الرئيسية

كتب د. بهجت سليمان.. ( روسيا ) و ( سورية ) : في سياسات التحالف بين الدول ، لا يصح إلقاء اللوم على " الآخر ". 

17-09-2020, 09:10 بوتن ونتنياهو

 

كتب د. بهجت سليمان 


                  ●  أرسل لي أحد الأصدقاء الرسالة التالية : 

 

     طالما أن الاتحاد الروسي حليف استراتيجي لكم - كما يقال وكما تقول بل وهو كذلك - فأتمنى أن نسمع منك جوابا على عدد من التساؤلات التي تشغل أذهان ملايين السوريين :

     وسلفا أقول بأنه لا يمكن لوطني سوري أن ينسى الدور الروسي الكبير في دعم سورية عسكريا ، منذ أيلول عام 2015 ، وفي دعمها دبلوماسيا منذعام 2011 . ولكن من حقي كسوري أن أستغرب تصريحات بعض المسؤولين الروس بين آونة وأخرى بأنه لولا روسيا لسقطت سورية . 

     وحلفاؤكم الروس الذين يمتلكون عقلا باردا ، هم أكثر من يعرفون بأنهم تدخلوا عسكريا بعد 4 سنوات ونصف من الحرب الكونية على سورية وبعد أن أيقنوا أن النظام السوري غير قابل للسقوط ، وليس كما يقول البعض . 

      وحلفاؤكم الروس هم أدرى الناس بأن الحلفاء لا يمننون بعضهم ولا يقول واحدهم للآخر ( لولاي لسقطت ) . فرسوخ الحليف ودعمه ينعكس قوة ومنعة على حليفه الآخر ، ولا يذهب دعمه لحليفه الثاني هباء منثورا بل يحصده الحليف الأول أضعافا مضاعفة على الصعيد الاستراتيجي والسياسي . 

     وليسمح لي حلفاؤكم الروس بالقول بأن سورية الحالية حققت لهم حلما تاريخيا ، كان يراودهم منذ قرون ، وهو التمركز الدائم في منطقة المياه الدافئة . وقد حققت لهم القيادة السورية الحالية حلمهم التاريخي هذا ، بل ما هو أكثر منه من خلال إقامة قاعدة جوية روسية في الحمبميم وقاعدة بحرية في طرطوس . 

         واسمح لي أن أتساءل ما يتساءله معظم السوريين : 

 

     ١ - كيف يسمح الحليف الروسي للمحتل التركي ، باحتلال آلاف الكيلومترات من الأراضي السورية في إدلب وريف حماه وريف حلب ، مع أن هذه الأراضي جرى احتلالها ، بعد الدخول العسكري الروسي إلى سورية عام ٢٠١٥ ؟ 

     ٢ - كيف يسمح الحليف الروسي ، للأمريكي ، وبعد دخوله العسكري إلى سورية ، بالسطو على مناطق النفط والغاز والقمح والقطن العائدة للحليف السوري وتسليمها لعصابات قسد الكردية ؟ 

     ٣ - كيف يسمح الحليف الروسي ل " اسرائيل " باستباحة الأرض السورية وقصفها متى يشاء ، من غير أن نرى فعالية صواريخ السام ٣٠٠ في منعها ، و التي قالوا وقلتم عنها بأنه جرى تسليمها لسورية ؟ 

     ٤ - هل يصعب على الحليف الروسي الذي يصدر 10 ملايين برميل نفط يوميا ، تخصيص 100ألف برميل يوميا منها إلى سورية ، وهي تعادل واحد بالمئة من مجموع تصديره اليومي للنفط ، ثم يسجل قيمة ذلك ، دينا على سورية ؟ 

     ٥ - هل الحليف الروسي العظيم عاجز عن دعم سورية ، اقتصاديا وماليا ، أم أن الدعم هو استثماري فقط ، وهذا الاستثمار تريد أو تستطيع القيام به ليس الدول الحليفة والصديقة فقط ، بل حتى الدول المعادية لها مصلحة بالاستثمار ؟ 

     ٦ - هل من المعقول أن الحليف الروسي لا يشاهد ولا يسمع هذا التصاعد المرعب في صعوبات الحياة المعاشية في سورية . أم أنه يرى بأنه غير معني بالصعوبات التي يعانيها حليفه الأوحد في منطقة البحر الأبيض المتوسط ؟ 

     ٧ - وآخر خبر نشرته ( سبوتنك ) يقول : ( روسيا و تركيا بصدد بحث آلية تقليص عدد القوات التركية وسحب المعدات العسكرية الثقيلة من إدلب ، واقتراح روسي لخفض تركيا عدد نقاط مراقبتها في إدلب . وتركيا ترفض ) !!! .

     ٨ - وسواء رفضت تركيا أم وافقت ، فذلك لا يعني شيئا ، بل يعني أن تركيا سوف تضاعف عدد قواتها المحتلة وسوف تزيد عدد إرهابييها ، وسوف تعمل على قضم المزيد من الأراضي السورية . وهذا ما قامت به تركيا منذ خمس سنوات حتى الآن .

     ٩ - وأخيرا أقول لك بأنني لا أصدق - ما يصدقه ملايين السوريين - بأن روسيا الحليفة والصديقة ، تريد فعلا استمرار هذه المعاناة للشعب السوري ، مساهمة منها في ممارسة الضغوطات الخارجية على سورية ، لكي تتنازل القيادة السورية عن بعض ما يطلبه الخارج من سورية ، و لكي تقبل القيادة السورية ببعض الأمور التي تمس سيادتها .

     ١٠ - وآخرا : هل يوجد من لا يعرف بأن قوة الدولة السورية هي ضمانة للصداقة الروسية - السورية ، وأن النجاح في إضعاف الدولة السورية وفي تعميق الفجوة بين الشعب السوري وقيادته ، يعني أن المتضرر الأكبر من ذلك بعد الشعب السوري وبعد الدولة السورية ، هو روسيا نفسها ، لأن القيادة الحالية في سورية هي الضمانة الكبرى بل الوحيدة لاستمرار التحالف الروسي - السوري .

 

                    ●  فأجبته بما يلي : 

 

1▪︎ بعيدا عن لغة المجاملة غير الضرورية في تقرير الحقائق القائمة ، سأجيبك بصيغة استراتيجية دون الخوض في التفاصيل التي ذكرتموها ، رغم أهميتها الفائقة .

     و بداية لا بد من الإقرار بأن روسيا لم تخرج بعد من عقليّة الشّعور بالتّواضع أمام الولايات المتّحدة الأميريكيّة. 

     و على رغم انقضاء ثلاثة عقود على سقوط الاتّحاد السّوفييتيّ ، فإنّ شبح الهيمنة الغربيّة الذي أرخى سدوله ، مع سقوط الشّيوعيّة السّوفييتيّة ، على موسكو ، لا يزال يُخيّم كفزّاعة على معظم بيوتِ عنكبوت أدمغة السّاسة و القياديين الرّوس ، و هو ما يُفسّر معظم الممارسات التي تسلكها روسيا من أجل كسب ثقة سياسات الولايات المتّحدة في إدارة بعض الملفّات الإقليميّة ذات الطّابع الدّوليّ ، و على رأسها " الملفّ السّوريّ " من جميع جوانبه الإقليميّة و بخاصّة ما يتعلّق بأمان "إسرائيل" في المنطقة ، و الدّور التّركيّ ، و هو ما يجعل اختبار السّياسات الرّوسيّة في شرق المتوسّط و الشّرق الأوسط امتحاناً أميريكيّاً حقيقيّاً لموسكو بما في ذلك قدرة روسيا ، و كفاءاتها الدّبلوماسيّة الدّوليّة ، على " إدارة " الملفّات و الصّراعات الإقليميّة السّاخنة. 

     بهذه العموميّة ، علينا أن ننظر إلى الاهتمام الرّوسيّ بالخاطر السّياسيّ الأميريكيّ و الإسرائيليّ و التّركيّ ، إذا وضعنا جانباً ما قد تمّ التّواضع عليه أو الاختلاف حوله - و هو " ليس كبيرا " - بين موسكو و طهران ، و أخذ ذلك كلّه و ما يقتضيه من سياسات و "مبادئ" و قواعد ، بالاعتبار ، في وقت واحد.

     و ممّا يعنيه هذا المزاج أو الخاطر الإبقاء على جملة من الاستراتيجيّات المتصارعة أيضاً في "المكان" و الغريبة جغرافيّاً و اجتماعيّاً و أخلاقيّاً بفعل طموحاتها التّدخليّة الصّريحة بالقوّة و العنف في الشّأن السّوريّ ، ريثما " تنضج " جملة من الحلول الأخرى بما يخصّ جوهر الصّراع في المنطقة بوجود " إسرائيل" ، و قد بدأ بعضها " ينضج " على طريقته في " اتّفاقات " السّلام " العربيّة " الأخيرة المنفردة مع الدّولة العبريّة. هذا مشهد من مشاهد السّياسة الأكثر تعقيداً و تركيباً في العالم و في التّاريخ. 

 

2▪︎و في هذا الضّوء فقط ، علينا أن ننظر إلى السّياسات الرّوسيّة تجاه سورية و الحرب فيها مع ما انتهت صورتها مؤخّراً إليه في الميدان و في السّياسة معاً. صحيح أنّ هنالك عدّة "سياسات" روسيّة تصدر عن مؤسّسات مختلفة و جهات متباينة السّيادة و الرّسميّة ، إلّا أنّ علينا ألّا ننسى أنّ السّياسة الرّوسيّة الدّاخليّة و الخارجيّة ما تزال سياسة كلّيّة و شاملة ، و إنْ في إطار محاكاة النّموذج الأميركيّ من توزيع و توازع الأدوار و التّصريحات و بعض الممارسات الجزئيّة الانفراديّة الافتراضيّة.. و في إطار الضّبط و الانسجام. 

     بعض تلك التّصريحات و المواقف مصمّم للممارسة المباشرة و الجادّة ، بينما بعضها الآخر مجهّزٌ للتأثير على القرار السّوريّ تحقيقاً للدّور الرّوسيّ الدّوليّ في الإقليم و تنفيذاً لمزيد من الفرضيّات المتّصلة بالعلاقة مع أميركا و "إسرائيل"، فيما يأتي الدّور الرّوسيّ بالنّسبة إلى العلاقة مع تركيا و "أكراد شرق الفرات" في الصّفّ الثّاني من الاهتمامات التي توليها موسكو أهمّيّتها للإقناع الشّامل لمختلف "الأطراف" المحلّيّة و الإقليميّة و الدّوليّة ، انسجاماً مع ما تفترضه موسكو حول موقف سورية السّياسيّ الرّسميّ ، في مناخ التّسليم السّوريّ الموضوعيّ بالمفاتيح لكثير من الأبواب التي أغلقت و المغلقة على سورية ، في إطارٍ توهّم روسيّ أنّ ذلك من شأنه التأثير على الموقف السّياديّ السّوريّ على رغم أهمّيّة ما يعتقده الرّوسيّ طبعاً. 

 

3▪︎ من غير الملائم و لا الصّائب أن نميل إلى عاطفيّة أو رغبويّة في التّفكير السّياسيّ عند تحليل الوقائع و التّصريحات الصّادرة ، سواء عن أصدقائنا الرّوس ، أو في أيّ دور آخر ممارس من قبل أيّة جهة من جهات الحلفاء و الأصدقاء كانت.

     و الأسلم إنّما هو أخذ المواقف الرّوسيّة في إدارة ملفّ هذا الصّراع الشّائك بالبيّنة الظّرفيّة التي تختلف بالتّأكيد من وقت لآخر ، و إن كان ثمّة ما يؤكّد في الممارسات الرّوسيّة على استراتيجيّة القراءة الباردة للمنطقة بتطوّرات أحداثها الحادّة مع ما يحمله هذا الأمر من تأثيرات بيّنة.

4▪︎ في التّفاصيل ، فالسوريون غير ملزمين ، ناهيك عن ضرورة ألّا نكون كذلك ، بالاعتقاد بمطلقيّة فروض و فرضيّات الرّغبات السّياسيّة المحضة و الطّموحات و المطامع الاقتصاديّة لأيّ من الشّركاء و الحلفاء ، رغم أنّ هذا الأمر مسقوف بقدراتنا السّياسيّة الوطنيّة و تنوّع أوراقنا السّياسيّة بقدر تنوّع أوراق ضغط "الآخرين" على قرارنا السّياسيّ و الاقتصاديّ ، كما يخضع إلى الزّمان نفسه الذي ستستغرقه مجموعة من الانتظارات التي نعوّل عليها و بخاصّة من الجانب الاقتصاديّ الذي هو العامل الأكبر في أسباب تحمّل ظروف الحرب في نتائجها المعلّقة و المتعلّقة بالحضور و الجدل و الاختلاف و الخلاف ، و لو حتّى مع الشّركاء و الحلفاء و الأصدقاء.

     هذا واقع يقودنا مباشرة إلى معرفة أدوات الاستمرار و تعزيز الوسائل التي من شأنها أن تضيف إلى موقفنا دعماً من القوّة و الثّبات و عدم الإذعان. إنّ التّعامل السّوريّ الظّرفيّ مع التّطوّرات السّياسيّة التي اتّخذتها المواقف الرّوسيّة الأخيرة بالتّحديد إنّما هو أحد الحلول الاستراتيجيّة السّوريّة اليوم للعقدة السّياسيّة المتكوّنة مع الرّوسيّ في طبيعتها الظّرفيّة ، طالما أنّ قرارنا السّياسيّ سيتأثر بظروفنا الاقتصاديّة الخانقة و طالما أنّ ثمّة مخارج اقتصاديّة موعودة مع الرّوسيّ بالدّرجة الأولى .

     و لا بدّ في السّياسة من مواقف لا تحدّدها الرغبة بل القدرة ، و لا تصنعها القناعات الوطنيّة الحدّيّة بقدر ما هي أيضاً نتيجة موضوعيّة لظرف موضوعيّ في الّلحظة يمكن أن يكون في تناول الإرادة في ظرف آخر مختلف ذاتيّ و واعد و مبدئيّ. 

 

5▪︎ و السّياسات الواسعة في مثل هذا الواقع لا تصنعها في كلّ حال تصريحات نارية من مسؤول هنا ومسؤول هناك ، و إنّما هي إنتاج و نتاج تمثيل بخطٍّ بيانيّ متطوّرٍ و مختَلِفِ النّزعات ، يجدر بنا متابعته في جميع مراحله ، و لو أنّ ما يُطرح إعلاميّاً عادة لا يكون سمتاً حقيقيّاً لاتّجاهات الخطّ البيانيّ المحكوم هو الآخر بمشهد سياسيّ واسع ، يحسُن أن نأخذه كاملاً بعين الاعتبار ، و ذلك في كلّ جهة و على كلّ ناحية و صعيد.

     و يسهُل علينا هذا الأمر إذا قبلنا أن نأخذ بمبدأ " أثر الفراشة " الفيزيائيّ - السّياسيّ الذي تحدثنا مطوّلاً سابقاً عليه ، بما في ذلك آثاره التي قد لا تُعجبُنا أو قد لا تلبّي لنا قراءةً في العواطف و الآمال و الوجدان .

     نحن نعيش في منطقة مترابطة الأثر الاقتصاديّ و السّياسيّ و الاجتماعيّ ، و لا بد لنا أن نستمع إلى مختلف أصوات الجغرافيا و الحدث السّياسيّ الإقليميّ و الدّوليّ و التّاريخ. 

 

6▪︎ إذا تحدّثنا عن عامل الزّمن في عمل الجميع على تحقيق الأدوار و الأهداف ، فإنّ التّطوّرات الأخيرة في المنطقة الإقليميّة بما فيها الدّور التّركيّ و الخليجيّ ( مع العراقيّ ، طبعاً ) و المصريّ ، أثبتت " قيمة " التّعويل على عامل " الزّمن " في حلّ " المشكلات " ( و لكلٍّ مشكلاته..) و تحقيق الأهداف. ربّما أنّ الرّوسيّ هو الآخر يلعب على عامل الزّمن لعبة هادئة و غير مستعجلة يبطّنها الابتزاز السّياسيّ على الأعداء المشتركين في سورية. 

     إيران هي الأخرى أجادت و تجيد استثمار الزّمن مع أنّ البعض يعتقد بتراجع " المشروع الإيرانيّ". نحن لسنا مع هذه القراءة أو هذا الاستنتاج . فالأمور أعمق بكثير من أن يقرّرها رأي سريع. 

     لا يمكن ، مثلاً ، تقدير النّتائج التّالية التي ستترتّب على "المصالحات" العربيّة - "الإسرائيليّة الأخيرة الموقّعة مؤخّراً في "البيت الأبيض" الأميركيّ ، أو على تلك القديمة التي كانت في "كامب ديفيد" و "أوسلو" و "وادي عربة".

     ثمّة قانون سياسيّ و وجوديّ مجرّبٌ في التّاريخ و هو أنّه مهما حظيت التّصرّفات و النّتائج المترتّبة على "الإرادة" و "القوّة" و "العنف" لها من تأييدات ظاهريّة ظرفيّة ، فإنّ قوّة الميل التّاريخيّ الأكيد بالموضوعيّة التي تتجاوز الرّغبات و الصّناعات و القسريّات ، لا بدّ و أن تفعل فعلها على نحوها الخاصّ المحدّد.

     هذا القانون ينطبق أيضا على " الإرادة " الإيرانيّة التي ربّما يقرأها بعضنا اليوم ببرودتها الظّاهريّة و فتورها الظّرفيّ ، بل و ربّما بتناغماتها أيضاً ، و بخاصّة مع التّركيّ. ( هل نقول مع الرّوسيّ، أيضاً ؟ ليسَ بين أيدينا ما يُتيح لنا الجواب ، حتى لو كان ما يطفو على السطح يعطي مؤشرات ! ). و لننظرْ أيضاً إلى "إسرائيل"! إلى جانبٍ هو كم كانت قادرة على التّعايش مع التّعويل على عامل الزّمن و لو أنّ لـ "إسرائيل" وضعاً خاصّاً مفهوماً ، إقليميّاً و دوليّاً و عالميّاً ، يسهّل عليها الأمر على نحو غير مقارَن.

 

7▪︎ و إذا كانت روسيا ، و هي كذلك ليست على عجلة من أمرها في دورها الإقليميّ ، ما بيننا ، على التّحديد ؛ يبقى البديل الوحيد أمامنا في سورية اختراع الصّعب جدّاً - و هو ممكنٌ - من أجل اقتسام لعبة عامل الزّمن مع "الآخرين". 

     التحدي الأكبر السّياسة السّوريّة الذي لم يعد سرّاً ، هو في أنّ عليها أن تواكب وتصنع تاريخاً معاصراً في الألفيّة الثّالثة ، يقوم على الإفادة من عامل الزّمن في السّياسات الإقليميّة و الخارجيّة.

     هذا يعني باختصار أن سورية تحتاج اليوم إلى توظيف عامل التّحدّي الزّمنيّ الذي هو من نصيب "الآخرين". غير أنّ هذا الكلام ليسَ مانعاً في رأينا ، و على كلّ ما ينقصنا اليومَ من أسباب و مقدّرات حيويّة و معاشيّة و اقتصاديّة ، فإنّ في استطاعتنا في سورية العودة إلى الأخذ بعوامل الصّبر السّياسيّ الزّمنيّ على حلّ المشكلات الكبيرة العالقة التي خلّفتها الحرب ..

     و طبيعيّ أنّنا لا نعني بهذا " الصّبر السّياسيّ" ما يُقال على " الصّمود " المجرّد ، إذ أنّ للصّمود أركانا و قواعد واقعيّة و علميّة و ذاتيّة و عوامل تخلقه اجتماعيّاً و داخليّاً و تمدّه بأسباب الثّبات و لو استغرق هذا الثّبات عشرات السّنين ! 

     ونحن هنا لا نتحدث عما قامت به الدولة الوطنية السورية ، وهو كبير وعظيم ، بل نتحدّث عما لم نقم به في سورية بعد ، من تحصين أسباب عيش الوطن و المواطن و قدرته على اختيار الأصعب و لكنْ الأسمى و الأشرف و الأقيَم و الأنبل ذي الدّيمومة السّياسيّة و التّاريخيّة و الثّقافيّة و الحضاريّة حتّى النّهاية. 

 

8▪︎و على رغم كلّ ما تقدّم ، فإنّه لا يصحّ ، و في سياسات الدّول على الحصر ، إلقاء اللوم على " الآخر ". فالآخر ليسَ الذّات بأيّ معنى من المعاني ، فيما لكلّ همومه و مخطّطاته و أفكاره و مصالحه.

     و طبيعيّ أنّه مثلما أنّنا ندافع عن حرّيّتنا و رأينا ، فإنّ علينا أن نقبل ، و من المبدأ و المنطلق ذاته ، رأي الآخر و قراره و سلوكه طالما أنّنا لا يُمكننا بقوّتنا الذّاتيّة الممكنة و المتاحة - في رأينا - أن نحمله على قناعات أخرى نأخذ فيها نحن دور الإملاء على الآخرين . 

     و مهما كانت " انتقادات " بعضنا للآخر ، و أيّاً كان هذا الآخر ، فإنّ لومنا يجب أن ينصبّ ، أولا ، على تقصيرنا و قصورنا و تصوّراتنا الخاطئة و أفكارنا المرتجلة و الموسمية.. و ذلك في كلّ مرّة يدفعنا فيها الشّعور بالغبن ( و حتّى بالتخلي ) إلى الانزلاق في هاوية جلد الذّات أو توهّم جلد الآخرين. 

 

9▪︎أخلاقيّاً ، يحقّ لنا أن نطالب الآخر باحترام أفكاره التي يوجّهها إلينا على الحصر ، بقدر ما نجد فيها ما لا يتوافق مع رغباتنا وحاجاتنا . غير أنّ عالمنا بما فيه من مؤسّسات و دول و مجتمعات و كيانات و أجهزة و أفراد ، في طريقه إلى التلاشي والتبدل اليومَ ، و على عكس كلّ أحلام التّاريخ على السّياسة الأخلاقيّة العادلة بين الأفراد و النّظم و الجماعات و الدّول ، إلى سياسات لا أخلاقيّة لا يمكن وصفها إلّا بسياسات الغاب! 

 

10▪︎ و التّفكير السّياسيّ المؤهّل لأن يكون علميّاً و تاريخيّاً و واقعيّاً بالحوادث و الأحداث ، إنّما هو الذي يصنع القطيعة الضّروريّة مع الأصوات الإعلاميّة الاستعراضيّة الصّادرة عن محلّلين و سياسيين و إعلاميين و هواة. إنّه حتّى تاريخ العقائد هو جزء من تاريخ الأفكار ، و هو جزء من تاريخ التّفكير السّياسيّ و الفكر السّياسيّ أيضاً.

شارك