القائمة الرئيسية

كتب د. محمد السعيد إدريس.. استعداداً للاحتفال بالعيد الخمسينى لانتصارات أكتوبر 1973

15-10-2020, 18:58 حرب اكتوبر
موقع إضاءات الاخبارري


 
بعد ثلاثة سنوات فقط من الآن، سوف تحل علينا الذكرى الخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، وهذه السنوات الثلاث، بالمناسبة، ليست فترة طويلة، بل هى، فى اعتقادى، أقصر من أن تستوعب الاستعدادات التى يجب أن تحدث لعمل احتفالات تليق بهذه المناسبة، خصوصاً وأن حرب أكتوبر، رغم كثرة ما كتب إعلامياً عنها خاصة فى الأيام التى تسبق المناسبة والتى تليها كل عام، إلا أنها لم تحدث التراكم الثقافى والفكرى الواجبين واللائقين بهذه الانتصارات التى جاءت لتجيب عملياً وفعلياً على كل دعايات التضليل الإسرائيلية والأمريكية وروافدها العربية بكل أسف عقب نكسة يونيو عام 1967 التى ظلت ومازالت تحظى باحتفاء واهتمام واسع لا يقارن بما يحدث احتفاءً بانتصارات أكتوبر المجيدة.
ففى كل عام وقبل أن تحل الذكرى الحزينة لتلك النكسة، تبدأ معزوفة "جلد الذات" بهدف واحد هو "تخليد الهزيمة" فى نفوس المصريين والعرب، وإعلاء شأن "النصر الإسرائيلى" دون اهتمام بالبحث عن إجابات علمية وغير منحازة لأسئلة كثيرة كانت الإجابة عليها كفيلة بأن تضع هذه النكسة فى مستواها الحقيقى من نوع: لماذا شنت إسرائيل هذا العدوان على مصر فى الخامس من يونيو 1967؟ هل كان هذا العدوان مفاجئاً بالنسبة للمؤسستين العسكرية والسياسية فى كيان الاحتلال الإسرائيلى وفى الإدارة الأمريكية؟ بمعنى آخر هل كان قرار شن العدوان مجرد رد فعل لاستفزازات سياسية ودبلوماسية مصرية خاصة قرار إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية (بالمناسبة كان المضيق مصرى بحت يخضع للسيادة المصرية الكاملة فى ذلك الوقت ويقع بين جزيرة تيران المصرية شرقاً وشاطئ شرم الشيخ غرباً)؟ وكيف كانت حال التفاعلات الإقليمية والدولية الصاخبة فى السنوات القليلة التى سبقت شن هذا العدوان: الحرب فى اليمن، تحويل إسرائيل مجرى نهر الأردن، القمة العربية الأولى التى دعت لها مصر عام 1964 فى القاهرة وتشكيل قيادة عسكرية مشتركة للرد على هذه الخطوة الإسرائيلية العدوانية، الأزمة المتصاعدة بين القاهرة وواشنطن حول شروط المعونة الاقتصادية لمصر، وحول الصناعة العسكرية المصرية، والمشروع النووى المصرى فى أنشاص، وسياسة مصر العربية المناوئة لكيان الاحتلال الإسرائيلى، وسياسة التسليح الأمريكية المتصاعدة لهذا الكيان خاصة صواريخ "هوك" وغيرها؟، وهل خاضت إسرائيل الحرب ضد مصر وحدها، أم كانت الولايات المتحدة شريكاً فعلياً فى هذه الحرب؟ وهل كان هدف العدوان مجرد احتلال جزء من الأرض أم كان إسقاط المشروع المصرى كله وإخراجه من معادلات الصراع الإقليمى؟
أسئلة كثيرة من هذا النوع كانت إجاباتها كفيلة بأن تحسم القضية وهى أن "كسر مصر" كان قراراً أمريكياً- إسرائيلياً، وبعد ذلك كان يجب دراسة أسباب وحدود التقصير المصرية.
ما كان يحدث، والذى مازال يحدث، عندما تقترب ذكرى تلك النكسة، هو أن تحشد الجهود لتكريس المعانى التى استهدفها العدوان، والتى فشل فى تحقيقها، لأن الشعب المصرى بخروجه يومى 9 و10 يونيو معلناً رفض الهزيمة ورفض تنحى زعيمه جمال عبد الناصر، رفض أن ينهزم، واعتبر أن ما حدث مجرد جولة فى حرب طويلة مع العدو، وأنه لم يعد مسموحاً "أن يعلو صوت فوق صوت المعركة" وهذا ما وجد صداه سريعاً من جانب القوات المسلحة المصرية الجريحة التى أعطت كل أولوياتها فى الأشهر القليلة التى تلت النكسة للململة الجراح وإعادة بناء نفسها استجابة لقرار الشعب بالحرب، الذى "خلق إرادة القتال". استجابة أكدتها ثلاثة أحداث؛ الأولى: هى معركة "رأس العش" فى 1/7/1967، بعد عشرين يوم فقط من وقف إطلاق النار الرسمى، التى انتصر فيها الجندى المصرى الجريح معنوياً، ونقل جرحه المعنوى فوراً إلى الجندى الإسرائيلى. والثانية بعدها بأسبوعين فقط أى فى 15 يوليو 1967 وهى معركة "كسر السيطرة الجوية" الإسرائيلية على قناة السويس، عندما استطاعت حوالى 17 طائرة مصرية أن تتغلب على السيطرة الإسرائيلية الجوية التى كانت تحلق كل يوم فى منطقة القناة، حيث استطاعت إبعادها، من خلال عدة اشتباكات. أما الحادث الثالث فكان يوم 21 أكتوبر 1967 عندما قررت القوات البحرية المصرية أن تشارك هى الأخرى فى "كسر حاجز التردد" فى مواجهة العدو عندما تمكنت، بنجاح، من إغراق وتدمير المدمرة الإسرائيلية "إيلات" بواسطة لنشين بصواريخ تنطلق من زوارق ضد هدف كبير لأول مرة فى العالم. 
الأحداث الثلاثة أدت إلى تغيير الموقف المعنوى وأصبح، الجندى والضابط والقائد فى مصر، على نحو ما جاء على لسان الفريق أول محمد فوزى القائد العام السابق للقوات المسلحة المصرية، يعلم أن هناك شيئاً جديداً عليهم الاستمرار فيه، هذا الشئ الجديد هو استرداد "إرادة القتال" وإفشال كل ما استهدفه العدوان وهو "كسر الإرادة المصرية" وإجبار مصر على القبول الذليل لحقائق أمر واقع أرادوا أن يفرضوه يقول أن "إسرائيل قوة لا تقهر وغير قابلة للهزيمة وليس أمام مصر إلا أن تقبل بشروط السلام الذى تريده إسرائيل".
هذه الإرادة القتالية امتلكها الجندى المصرى بأسرع من كل تصور كما يشرح الفريق أول محمد فوزى الذى كان قد أعطى تعليمات صارمة بالتهدئة على طول خط جبهة قناة السويس حتى تسترد القوات تماسكها وعافيتها وتسليحها عقب النكسة. و"الإلتزام بعدم استفزاز العدو حتى نتمكن من تقوية أنفسنا". وكانت التعليمات تقول "بعدم استخدام النار إلا بواسطة القائد المحلى، أى الحصول على الأذن منه، أو للدفاع الشخصى والذى يخالف ذلك تجرى محاكمته محاكمة ميدانية"، لكن فى الساعة الثانية عشرة ليلاً يوم 11 يونيو 1967 اتصل قائد فى منطقة الشط فى القطاع الجنوبى بالقائد العام وقال "عندى جندى قد أعطاه الله من القوة استطاع أن يقتل عسكرى يهودى كان يستحم فى مياه قناة السويس على الجانب الآخر" وقال: "ماذا أعمل معه؟"
كان رد الفريق أول محمد فوزى أن "ينفذ المنصوص عليه فى التعليمات"، لكنه سريعاً ما استدرك وقال "شئ ما داخلى جعلنى أغلب قلبى على عقلى وقلت له: رقى العسكرى.. وقلت له أيضاً أعطى العسكرى نيشان، ومكنه من الحصول على أجازة بهذا النيشان"، وبعدها أضحت سابقة محمودة لكل الجنود المصريين.
لم ينهزم الشعب المصرى، ولم ينهزم الجيش المصرى، على العكس من كل طموحات وتوقعات قادة العدو، وهذا هو "لب الصراع"، وجاءت حرب الاستنزاف ومن بعدها حرب أكتوبر لتؤكد هذه المعانى، وتؤكد التزام القوات المسلحة بالشرط الذى عرضه الفريق عبد المنعم رياض لقبول تكليفه رئيساً جديداً لأركان القوات المسلحة المصرية فى يونيو 1967 وهو "أن نحارب". قال ذلك عبد المنعم رياض للرئيس جمال عبد الناصر واستطرد موضحاً أن هذا الشرط "ضرورى للحفاظ على كرامة وكبرياء مصر".
لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد حرباً كبقية الحروب التى تحدث بين الشعوب، ولم تكن مجرد حرب لاسترداد أرض محتلة، ولكنها كانت بالأساس حرب استرداد كرامة وعزة وطنية واسترداد إرادة أرادوا تحطيمها، وفرض سلام مغموس بالذل والمهانة. وكانت حرب إثبات كفاءة الجندى المصرى وتحطيم الأسطورة الزائفة للجندى الإسرائيلى التى أكدتها المئات وربما الآلاف من مفارقات هذه الحرب على ألسنة الضباط والجنود الإسرائيليين الذين تم أسرهم طيلة حرب الاستنزاف وفى حرب أكتوبر، على نحو ما روى اللواء أركان حرب حمدى شعراوى فى مداخلته بالندوة المهمة عن "حرب الاستنزاف" التى نظمتها وحدة دراسات الثورة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية على لسان الضابط الإسرائيلى الأسير "عساف ياجورى".
يروى اللواء شعراوى أن "عساف ياجورى" ظل 48 ساعة عقب أسره لا يتحدث، وعندما تكلم كان تعليقه للضابط المصرى الذى يحاوره عن الحرب ونتائجها "حدث لنا كما حدث لكم فى 1967، الارتباك الذى حدث لنا نفسه ما سبق أن حدث لكم" وعندما سأله الضابط المصرى عن مطالبه، طلب زيارة منطقة الأهرامات والمعبد اليهودى وفندق شيراتون الجزيرة (لأنه مدير شيراتون فى إسرائيل)، وعقب عودته من هذه الزيارة سأل عساف الضابط المصرى عن أخبار الحرب، فرد الضابط المصرى أن "الجيش المصرى وصل تل أبيب، وحررناها، وأنت سوف نفك أسرك، ولما ترجع تل أبيب بلغ تحياتى للحاكم المصرى هناك"، وهنا انفعل عساف ياجورى بشدة وقال بالنص حسب رواية اللواء حمدى شعراوى: "لقد أخبرتهم بذلك.. إسرائيل سوف تزول، والحاخامات قالوا ذلك أيضاً أن إسرائيل سوف تزول عام 2012 أو 2022 فلا داعى للحرب ولنتوصل إلى حل ودى"، وزاد على ذلك القول "إن الحاخامات الذين قالوا هذا الكلام هم على علم دينى ويعرفون أن إسرائيل سوف تزول عام 2012 أو 2022، لكن من الواضح أن هذا قد حدث مبكراً".
لم يفكر عساف ياجورى أن يرفض أو يستنكر ما قاله الضابط المصرى لتكسير معنوياته حول "زوال إسرائيل" لسبب أساسى أنه، يعيش كغيره هذه الحقيقة، أى الحقيقة التى أكدتها حرب أكتوبر والتى سريعاً ما تداعت أمام "تسونامى السلام" التى استطاعت أن تحتوى كل المعانى الكبيرة والعظيمة للنصر، الذى أضحى مغيباً طيلة كل عام، ولا يعود إلا أسبوعاً واحداً مثل "موالد الأولياء" لا يتذكرهم أحد طوال العام، يحتفلون بهم فى أسابيع الموالد ولا يهمهم إلا أن يغرقوا فى هوامش المعانى، وهذا ما يجب أن نستعد له من الآن ونحن نجهز أنفسنا للاحتفال بالذكرى الخمسينية لهذه الانتصارات كى نستعيد المعانى التى يريدون طمسها وهى أننا منتصرون وهم المنهزمون .

د. محمد السعيد إدريس
‏mohamed.alsaid.idries@gmail.com

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك