القائمة الرئيسية

كتب الأستاذ حليم خاتون، لبنان، بين كونفدرالية الطوائف وكونفدرالية الأحزاب..

23-10-2020, 00:01
موقع إضاءات الإخباري


لبنان، هذا البلد الأعجوبة بنظر أهله الذين لا يكفون عن الحديث عن لبنان- طائر الفينيق الذي ينبعث دوماً، بعد الموت، والذين يصرًون على عبقريتهم الذاتية التي ما إن تخرج من البلد، حتى تجترح العجائب في الغربة.
فهل لبنان فعلاًأعجوبة زمانه؟
هل قصّرت "أليس" حين لم تزر لبنان وتضمه إلى أحد بلاد العجائب، في مجموعتها في هذا الكون؟

اللبناني بطبعه طاووس ينفش ريشه دوماً، ويُعظّم محاسنه ويُضخِّمها، لعل هذا الريش يخفي ماخلفه، من عيوب تكوينية لهذا الكيان ولأهله على حد سواء.


كل البلاد تقريباً تضم تمايزات ومفارقات إثنية أو دينية أو طائفية أو مذهبية ضمن نفس الدين، أو حتى مفارقات مناطقية أو لهجوية.
إنّه الانسان بشكل عام، خاصة الجهلاء ناقصي العقول الذين ينطلقون من ذاتيتهم في الحكم على العالم.


شئنا، أم أبينا، علينا الاعتراف بأن معظم اللبنانيين فيهم شيء من القذافي أو ترامب؛ غبي يعتقد انه أكثر ذكاءً من غيره،وإن الله خصه من بين بني البشر بفرادية عجيبة. 

عندما قررت فرنسا تقسيم سوريا الكبرى، انطلقت من أسس طائفية ومذهبية، فكان لبنان الكبير وطن الأكثرية المارونية ضمن بلد الأقليات.
يومها لم تعبأ فرنسا بما سوف يحمله المستقبل، المهم كان تقسيم سوريا الكبرى ليسهل حكمها واستعمارها.

رفض العلويون والدروز والسنّة  وما بقي من المسيحيين خارج لبنان الكبير، رفضوا الرضوخ وعاودوا الاتحاد ضمن الدولة السورية المعاصرة بعد أن خسروا جنوب الوطن، فلسطين، لصالح الاستعمار البريطاني الذي كان يعمل لإنشاء الكيان الصهيوني هناك.


أما مسيحيو لبنان الكبير، فقد استطاعوا وبمساعدة فرنسا، تقويض الحكومة العربية في بعبدا رغماً عن زعماء السنة والشيعة، وسيطروا على كل مقدرات هذه الدولة الوليدة الاقتصادية.


منذ أيام فرنسا والبلد مقسوم، مناطقيا ومذهبيا، مع وجود أقليات في كل المناطق.

أما حفلة ما سمي يومها بالاستقلال، فقد كان توافقاً بين موارنة الجبل المدعومين من فرنسا مع برجوازية المدن الرئيسية، بيروت، طرابلس وصيدا من السنّة، لإقامة بناء على ركيزتين، مارونية وسنية؛ وبسبب مقتضيات الديكور، أُضيفت ركيزة ثالثة صورية لإرضاء الشيعة، الكثيرين عددياً والفاقدين لأيّ دعم خارجي، أو حتى ذاتي، لابتلائهم بالفقر المدقع.


جُعل دستور لبنان، دستوراً طائفياً بامتياز، وقُسمت السلطات على الطوائف، فصار البلد اتحاداً لزعماء الطوائف.


السلطة المطلقة هي لرئاسة الجمهورية التي يسيطر عليها الموارنة.
في الدرجة الثانية يأتي السنّة، في رئاسة الحكومة التي تخضع بالكامل لرئاسة الجمهورية؛ أما وظيفة الباش كاتب، فقد أعطيت إلى الشيعة الذين تنحصر وظيفتهم بتمرير المراسيم التي يريد رئيس الجمهورية تمريرها.


بنفس المعايير خرجت الأحزاب الكبيرة، فكانت أحزاب الكتائب والأحرار والكتلة الوطنية، تكتلات مارونية بامتياز.


أما عند السنّة، فكان حزب النجادة قبل أن يضمحل، بفعل تبعية البرجوازية السنية إلى نظام سيطرة رئيس الجمهورية الماروني.


أما الشيعة، فقد تأخر خروج أحزاب شيعية خالصة بفضل سيطرة الإقطاع، عبر عوائل الأسعد والخليل وحمادة وعسيران والزين، وغيرهم.
الأمر نفسه حصل عند الدروز، حيث سيطر الإقطاع الدرزي المتمثل بالجنبلاطيين والإرسلانيين.


الحزب الوحيد الكبير الذي تمرد على هذا التوزيع الطائفي، كان الحزب القومي السوري الاجتماعي(العلماني)، الذي رفض كل هذا التقسيم الاستعماري، وسعى لإعادة توحيد سوريا الكبرى، والذي رأى منذ أوائل القرن الماضي خطر قيام بريطانيا بإعطاء فلسطين للصهاينة.

أما الأحزاب الأخرى يمينا ويسارا، فلم يكن لها تأثير يذكر باستثناء الشيوعيين والبعثيين والناصريين الذين، على صغرهم، إلا أنهم استطاعوا اختراق بعض الجدران بين الطوائف والمذاهب.

ولأن النظام وصل في أوائل السبعينيات إلى ذروة أزمة غير قابلة للحل، وبسبب المخططات التي كانت ترسم،للقضاء على القضية الفلسطينية، انفجر الوضع إلى أن وصل بنا إلى جمهورية الطائف.


لم يكن دستور الطائف أفضل من دستور ال ٤٣, أعادت جمهورية الطائف تقسيم السلطات، بانتزاع صلاحيات من هنا وإضافتها هناك بشكل ترسّخ مع هذا التقسيم, ترويكا طائفية حاكمة، من المذاهب الكبرى الثلاثة، المسيحيون، السنّة والشيعة؛ يُعاونهم مجموعة من أمراء المذاهب الأخرى،في تقاسم شديد الحساسية للمناصب والوظائف من الدرجة الأولى وحتى الدرجة العاشرة.

وقد جرى ذلك بشكل مكّن ممثلي هذه المذاهب من ربط جمهور هذه المذاهب بها مباشرة عن طريق الوظيفة الزبائني.

وإذا كانت جمهورية "الاستقلال" طائفية مذهبية مع أحزابها، فإن جمهورية الطائف زادت هذه المذهبية تركيزاً واستطاعت محو معظم الأحزاب العابرة للمذاهب عن الخريطة السياسية، ليس فقط للسلطة، بل وللناس أيضا.

ونظرة سريعة على الأحزاب الكبرى تُظهِرُأصولها المذهبية:
القوات والتيار العوني والكتائب وشوية فرافيط،يسيطرون على المسيحيين عامة، والموارنة خصوصا.


المستقبل، وتيار العزم، واللقاء التشاوري وبعض الفرافيط أيضا يسيطرون على السنّة.


أمل وحزب الله يسيطرون بشكل شبه كامل على الشيعة.


الحزب "التقدمي الإشتراكي"  والحزب "الديموقراطي" وحزب التوحيد يسيطرون على الدروز.


إن السلطة، أي سلطة لا يمكن أن تقوم في لبنان بدون مشاركة كل هذه القوى، أو معظمها على أقل تقدير.


أما بعض القوى الآيلة إلى الاضمحلال، فهي تُستعمل للديكور فقط.
من أسوأ ما أنتجه اتفاق الطائف ودستوره المسخ المسمّى اتفاق الطائف،هو إقامة نظام كونفدرالية الطوائف، على أرض الواقع،والمحمي بهذا الاتّفاق العائق في دولة مشلولةٍ لا تمشي.


وهؤلاءالقرود (الأحزاب)، يلتهمون البلد حين يتفقون، ويدمرونه حين يختلفون.

لبنان سوف يظل بلداً ممزقاً منهوباً يهرب منه شبابه وشاباته، سواء اتفق القرود أَم اختلفوا.


سواء كُلِّف الحريري أم لم يُكلَّف، سوف يظل لبنان كرة القدم في ملعب الدول الإقليمية والدولية.


هل سوف يبيع اللبنانيون غدا أنفسهم للأمريكيين وللصهاينة، كما فعل المصريون والاردنيون وقريبا السودانيون؟


أما الإماراتيون والبحرانيون والعمانيون، فهم غير محسوبين بين الدول؛ وهم من الأساس، زيادة عدد.


لبنان يسير إلى نهايته، إلا إذا حدثت معجزة واستيقظت المقاومة من سباتها، واستيقظ معها الشعب اللبناني الذي يتجاهل أن الخضوع الآتي لأمريكا والسعودية، ولبقية أشباه الدول هو خضوع لعدوهم الوجودي، إسرائيل.
لاتربِّحوا الفلسطينيين أي جَميل.


إسرائيل سوف تمحو ذكركم كما تفعل مع الفلسطينيين.
وجود إسرائيل مضادٌّ لوجودكم.
وجود إسرائيل يعني عدم وجود لبنان.


لن تستطيعوا رفع شعار:"بدنا نعيش" بعد اليوم، لأن عيشتكم سوف تكون عيشة العبيد والكلاب.


إلى أن ينهض الفلسطينيون؛ إلى أن ينهض محورالمقاومة ويقرر أنّ معركته في سوريا لم، ولن تنتهي إذا لم يربح معركة لبنان.
ففي لبنان سوف تكتب آخر سطور الرواية:


إمّا الدخول في العصر الإسرائيلي في المنطقة.وإمّا نهوض هذه الأمة من كبوتها،وإنهاء هذا الكابوس الذي استمر ألف سنة، والذي تُمثِّلُ الصهيونية آخر حلقاته.


إذا كان الأمل مفقوداً مع كل هذه الأحزاب الطائفية، يبقى أملٌ وحيد:
المقاومة الإسلامية التي آن لها أن تعبر الى كل المكونات اللبنانية الأُخرى.
سابقاً، دعونا إلى ويستفاليا إقليمي وعربي.


ويبدو أننا نحتاج، قبل أي شيء، الى ويستفاليا لبنانية لإعادة بناء هذا الوطن على أسس وطنية ترفس بأرجلها كل الطوائف والمذاهب، وترسلها إلى القرون الوسطى حيث تنتمي؛ مقاومة تصبح لبنانية عربية متحالفة مع إيران لأن مصالحنا وومصالح إيران واحدة مشتركة ولو كره الكارهون.

شارك